Untitled 1

 

 2018/6/22

 بحث

 

 

تاريخ النشر :29/10/2007 2:46 PM

هل من دور للنفط في إسقاط حكم البعث في العراق؟ ... رؤية حوارية

1

جندي عراقي يغطي وجه تمثال لصدام بعد سقوط بغداد - أرشيف

1

بغداد - كاظم حبيب

 

المدخل: كتب الأخ الفاضل السيد الدكتور عبد الخالق حسين مقالاً أجاب فيه عن سؤال طرحه على نفسه: "هل كان إسقاط حكم البعث بسبب النفط؟"، نُشر المقال على موقع "آفاق" الإلكتروني ومواقع أخرى عديدة، كما وصلني على بريدي الشخصي بتاريخ 17/9/2007. 

والمقال يستحق القراءة والمناقشة في آن واحد. وکلما كانت المقالات جیدة ومحاولة جادة للتحليل، کلما استطاع صاحبها إثارة المزيد من التساؤلات والنقاش، خاصة وأن الباحث يتحدى الباحثين والكتاب والصحفيين والسياسيين ويحثهم على المشاركة في النقاش. وسأحاول فيما يلي مناقشة بعض الأفكار الأساسية التي تضمنها مقاله.

إجابة الدكتور عبد الخالق حسين تتضمن استنتاجاً أساسياً توصل إليه وهو محور مقالته حيث ينفي وجود أي دور للنفط في إسقاط نظام حكم البعث ، ويطرح عوامل أخرى يراها كانت سبباً في إسقاط النظام. وفي البحث محاولة للإجابة عن أسئلة تدور في ذات الإطار، منها مثلاً:

"هل هناك شحة في النفط في العالم؟ وهل كانت أمريكا فعلاً متهالكة على النفط العراقي إلى هذا الحد بحيث تلجأ إلى شن حرب من المحتمل أن تكلفها الكثير في الأرواح والاقتصاد والسمعة؟ وماذا سيصنع العراقيون بنفطهم إن لم يبيعوه إلى أمريكا واليابان والدول المستوردة الأخرى؟ كما وأن هناك دولاً نفطية كثيرة في العالم، فلماذا لم تشن أمريكا الحرب عليها واحتلالها من أجل السيطرة على نفطها، ولماذا عراق البعث وحده المرشح لهذه الحرب؟

ومن جهة أخرى، فقد شنت أمريكا الحرب على نظام طالبان في أفغانستان ، ولم توجد قطرة واحدة من النفط في هذا البلد ، فلماذا إذن غامرت أمريكا بشن الحرب هذه على حكم صدام وسعت لإسقاطه؟". ثم يشير الدكتور حسين إلى فكرة أساسية، وهي: "وهذا لا يعني أن النفط ليس مهماً لأمريكا. فأمريكا تحتاج إلى النفط كأية دولة صناعية متطورة، كما وإن صادف أن العراق يملك ثروة نفطية هائلة. ولكن هذا لا يعني أن الحرب وقعت من أجل النفط. إذ ما دفعته أمريكا من تكاليف باهظة لهذه الحرب تفوق حتى قيمة النفط العراقي الاحتياطي. وبالتأكيد هناك سبل أسلم وأرخص لأمريكا لحصولها على النفط من مغامرة الحرب". (راجع مقال الزميل عبد الخالق حسين على موقع "آفاق" الإلكتروني في 18/9/2007).

هل ألغت التحولات الدولية والعولمة الصراع على النفط في العالم؟
الحلقة الأولى
أشاطر الزميل الدكتور عبد الخالق حسين في جانب من رؤيته للمسألة والتي يشير فيها إلى وجود عوامل أخرى غير النفط كانت سبباً وراء سياسة إسقاط صدام حسين، ولكني أختلف معه في جانب آخر منها حين يبعد النفط كلية عن تلك الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة بشن الحرب وإسقاط النظام. لم أقرأ حتى الآن مقالاً جدياً وعلمياً يحصر الحرب ضد النظام وإسقاطه بموضوع النفط فقط، ولكني قرأت الكثير من المقالات الممتازة التي تعتبر النفط العامل الأساسي في التحرك الأمريكي وخوض الحرب وإسقاط النظام، ولكنها لم تنف بأي حال وجود الكثير من العوامل الأخرى. ولهذا اتفق تمام الاتفاق مع الدكتور حسين في وجود عوامل أخرى عديدة ومهمة جداً كانت السبب وراء الحرب أيضاً ، ولكن لا يجوز ، وفق قناعتي إلغاء، دور النفط من قائمة العوامل الأساسية التي كانت سبباً وراء ما حصل ويحصل في العراق، أي أختلف معه في نفي دور النفط  باعتبار سبباً من أسباب الحرب وإسقاط النظام. ولا أعني هنا نفط العراق وحده، بل نفط المنطقة بأسرها وبسلامة انسيابه ووصوله إلى الموانئ الدولية.

كان وجود النفط في الشرق الأوسط سبباً أسياسياً ورئيسياً، ولكنه ليس وحيداً، للكثير من الصراعات الدولية منذ نهاية القرن التاسع عشر ومروراً بسنوات الحرب العالمية الأولى وعلى امتداد القرن العشرين. فحين يتابع الباحث سياسات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وروسيا والدولة العثمانية والولايات المتحدة الأمريكية، سيجد أمامه حقائق لا تحتاج إلى أدلة كثيرة وبراهين عن العوامل التي تسببت في الحرب العالمية الأولى وصراع هذه الدول حول منطقة الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج خصوصاً، ومن ثم حول العراق والسعودية وإيران تحديداً، ودور النفط في هذا الصراع. وهي عوامل اقتصادية وسياسية وصراع على مناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، صراع على المصالح الاقتصادية والموارد الأولية والاستثمارات الرأسمالية والأسواق لتصريف السلع المصنعة فيها، صراع من أجل تحقيق أقصى الأرباح.

وهي العملية والنتيجة التي تمت في نهاية الحرب العالمية الأولى وتقسيم المنطقة بين فرنسا وبريطانيا باعتبارهما دولتين أساسيتين في الحرب ضد التحالف ألألماني - العثماني. ولنا في معاهدات سايكس - بيكو وفرساي وغيرها ما يؤكد ذلك. وكانت امتيازات النفط وموقع العراق الاستراتيجي ووجوده على طريق الهند هي السبب، إضافة إلى بقية دول الخليج والسعودية ، ليس في تلك الحرب حسب، بل في ما تحقق من نتائج وعواقب على شعوبها وتقسيمات المنطقة بالشكل الذي نعرفه.

رغم أن نتائج تلك الحرب قد فتحت ، شاء الإنسان أم أبى ، نافذة للشمس والهواء الجديد على الحضارة الغربية والتغيرات التي طرأت على العراق في أعقاب الاحتلال البريطاني وتشكيل الدولة العراقية، رغم كل محاولات التصدي للتغيير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي التي تجلت في عمق عوامل ثورة العشرين غير المرئية ودور المؤسسة الدينية فيها وخشيتها من التحولات الجديدة المؤثرة سلباً على مواقعها ودورها ونفوذها ومدخولاتها المالية.

ومنذ البدء سعت الولايات المتحدة ، التي كانت حتى ذلك الحين تسيطر على النفط وصناعته في العالم، أن لا تخسر نفط الشرق الأوسط ، بسبب عدم وجودها الفعلي سابقاً في دول المنطقة وكنتيجة للحرب العالمية الأولى من خلال توزيع مناطق النفوذ على الدولتين، البريطانية والفرنسية، بعد سقوط الدولة العثمانية ولصالح أوروبا وحدها.

وفي حينها تمكن رئيس الدولة الأمريكية أدورد ولسن، الذي ترأس الدول ألـ 14 التي وضعت مشروع مبادئ مجلس العصبة الـ 25 ، التي سميت بمشروع "مبادئ ولسن" التي أقرت فعلاً وأصبحت ملزمة العمل من جانب عصبة الأمم. وتمكن الرئيس الأمريكي، بنشاط ذكي ومرونة عالية أن يفرض بصورة مباشرة وغير مباشرة مشاركة الشركات الأمريكية باقتسام امتياز التنقيب عن النفط الخام واستخراجه وتصديره في العراق مع بريطانيا وفرنسا وهولندا، بعد أن كانت في العام 1911 موزعة على كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا فقط ضمن "شركة الامتيازات الأفريقية الشرقية المحدودة" التي تأسست والتي أصبحة مدينة لندن مقرها ومنحت مهمة العمل لتطوير حقول النفط في العراق.

وفي أعقاب الحرب لم تعد ألمانيا تملك أي حصة في تلك الشركة. وحين الانتهاء من عقد الامتياز النفطي في العراق في العام 1925/1926 ساهمت شركات النفط الأمريكية بحصة مماثلة لبقية الدول الثلاث في الشركة التي أطلق عليها "شركة نفط العراق". وفيما بعد تكرست هذه الحصة في الشركات الأخرى أيضاً ، وهي شركة نفط الموصل وشركة نفط البصرة ووفق التوزيع النسبي التالي: (راجع: حكمت سامي سليمان. نفط العراق. دار اليقظة للتأليف والترجمة والنشر. دمشق. 1958. ص 68/69 وص 91).


الشركات الأمريكية                                           23،75 %
الشركات الفرنسية                                            23،75 %
شركة شل                                                     23،75 %
شركة النفط الفارسية                                          23،75 %
كالوست سركيس كلبنكيان                                    5،00   %
المجموع                                                        100،00 %


ثم تواصلت محاولات البحث الأمريكية عن موقع لها في العراق والمنطقة في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وبرز هذا واضحاً في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وفي حينها توجهت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية صوب السعودية أيضاً.

وكان الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت قد بدأ يتصرف في ما يتعلق بنفط الشرق الأوسط بناءً على نصيحة وزارة الخارجية التي وردت في تقرير لها صدر عام 1942 القول: "نعتقد جازمين بأنه يتوجب النظر إلى تطوير المصادر النفطية السعودية من منظور المصلحة القومية الأوسع"، أي من منظور المصالح الأمريكية. (موقع المهدي. حروب البترول الصليبية والقرن الأمريكي الجديد .عبد السلام).

وفي نهاية الأربعينات وفترة الخمسينيات يفترض أن لا ينسى الإنسان المشاريع الأمريكية التي طرحت والتي كانت في إطار الصراع مع الاتحاد السوفييتي، ومنها مشروع النقطة الرابعة ضمن مشروع ترومان، ومشروع ايزنهاور ومشروع الشرق الأوسط ثم حلف بغداد (السنتو)...الخ. وعلينا أيضاً أن نتذكر دور الولايات المتحدة في إسقاط النظام الجمهوري الأول بقيادة مخطط ومنفذ ثورة تموز 1958 اللواء الركن عبد الكريم قاسم، وما جرى من وقائع فعلية مع القطار الأمريكي الذي جاء به البعثيون والقوميون إلى السلطة في العام 1963 عبر انقلاب فاشي ودموي رهيب.

لم تكن هذه التحركات كلها لوجه الله ولا في إطار الصراع مع الاتحاد السوفييتي المجرد، بل كان وسيبقى الصراع اقتصادياً ونفطياً بالتحديد، ولكنه ليس فقط اقتصادياً نفطياً ، إذ أن السياسة تشكل خلفية جوهرية في هذا المنحى. ولكن لماذا هذا الصراع على النفط؟ يمكن أن يشترى النفط من السوق الدولية وبأسعار تنافسية، هذا صحيح ولكن ليس الأمر هكذا على الدوام! لنعود إلى الوراء قليلاً ونتابع ما حصل في منتصف السبعينات حين استخدمت الدول العربية النفط في المعركة ضد الغرب وإسرائيل والتي قادت إلى مشكلات كبيرة وخلق عنق زجاجة في إمدادات النفط الخام وارتفاع شديد في أسعاره وتأثير ملموس على أسعار بقية السلع المصنعة في العالم.

وقد عانت منه في المحصلة النهائية الدول النامية الفقيرة، ولكنها مع ذلك كانت مشكلة كبيرة للغرب الذي يحتاج للنفط كثيراً ولا يمكن تصور توقفه. وعلينا أن نشير إلى مسألة لا تختلف به معنا حتى شركات النفط العملاقة والدول التي تقف وراءها ، وهي إن شركات كل دولة كبرى تسعى إلى تحقيق عدة أهداف ، منها :

*ضمان استمرار تدفق النفط إليها دون عوائق؛ * ضمان توفر احتياطي مناسب منه ؛ * ضمان حصولها على أرخص الأسعار ؛ * ضمان القدرة في السيطرة على مصادر النفط الخام للتأثير في سياسة استخراج وتصدير وتسعير النفط الخام الدولية؛ * ضمان الحصول على  أفضل الامتيازات وأفضل العقود وبأقل التكاليف الممكنة وتحقيق أقصى الأرباح؛ * الحصول على منافع أخرى ترتبط باقتصاد النفط الخام والطاقة وسلسلة الصناعات المرتبطة به. وليس لنا أن نمنع هذه الدول من التفكير بهذه الطريقة وكل دولة تسعى إلى تحقيق مصالحها، وعلينا أن نفكر بمصالحنا أيضاً وأن نقرر ما نراه مناسباً.        

كانت الولايات المتحدة تقود العالم الغربي في الصراع ضد الاتحاد السوفييتي وضد الدول "الاشتراكية" الأخرى، وكانت تعبئ القوى لهذا الغرض وتمارس كل الأساليب والأدوات المشروعة وغير المشروعة في هذا الصراع ، ولم يكن الطرف الآخر عفيفاً في هذا الصدد.
كما لم يكن الاتحاد السوفييتي بعيداً عن الرغبة في الوجود السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي في الدول الأخرى، إذ غالباً ما كان يسعى على الحصول على مواقع له، وكنا من وجهة النظر السابقة، نرى في ذلك خدمة لمعسكر السلام والاشتراكية، إلا أن الحقيقة كانت في مكان آخر، كانت تصب في صالح الدولة السوفييتية بالأساس في أن تجد لها مواقع في الشرق الأوسط.

وعلينا أن نتذكر الاتفاقية العراقية السوفييتية في العام 1972التي منحت السوفييت إمكانية إقامة قواعد عسكرية ورقابية للاتحاد السوفييتي في العراق، ولكنها لم تتحقق فبشكل كامل و في مقابل توقيع الاتفاقية وتقديم المزيد من الأسلحة للعراق. وقد لعب الراحل عامر عبد الله دوراً ملموساً في هذا الصدد.

اعتبر انهيار الاتحاد السوفييتي وبقية منظومته الاشتراكية في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريگن أكبر انتصار تحقق للولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي في الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية العقد الأخير من القرن العشرين. ولم يكن هذا الانهيار نتيجة للتآمر الخارجي كعامل رئيسي، كما يحلو للبعض أن يدعيه ، بل كان بالأساس الوضع الداخلي في هذه الدولة المتعدد القوميات والواسعة الرجاء والمتباينة جداً في مستويات تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمعيشي. لقد جاء انهيار الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان مجلس التعاضد الاقتصادي أو المعسكر الاشتراكي، نتيجة منطقية لعوامل النخر الداخلي لهذه النظم السياسية والاجتماعية، حيث غابت عنها الحياة الديمقراطية والحرية الفردية والعامة، وافتقدت كلية للتعددية الفكرية والسياسية والتنظيمية وخضعت لخيمة فكرية واحدة، وحيث صودرت حقوق الإنسان، وحيث تكرست في الدولة والمجتمع هيمنة الفكر الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد والعمل الواحد تحت شعار (وحدة الإرادة والعمل) على سياسة الدولة "الاشتراكية" البيروقراطية وغياب المعارضة السياسية بصورة شرعية ودستورية، وحيث ساد التداخل بين مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية وسيطرة الحزب عليها كلية وعلى أجهزة ووسائل الإعلام، وسيادة الفساد المالي والوظيفي في أجهزة الحزب والدولة كلها من أعلى الهرم إلى أسفله وتدهور الإنتاجية والرقابة المالية والوعي الاجتماعي في قطاع الدولة الاقتصادي السائد، إضافة إلى أعباء السياسة الدولية المضادة والانجرار وراء تأمين مستلزمات استمرار الحرب الباردة بين المعسكرين، ومنها سباق التسلح بتكاليفه المنهكة والدعاية المضادة وتنشيط الصراعات الداخلية وتكاليف كسب الحلفاء من الدول الأخرى ...الخ، إضافة إلى عوامل تاريخية أخرى لست بصدد البحث فيها.

وسجل هذا الانهيار التام مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تنهض، ولو مؤقتاً، على أساس القطبية الواحدة، الولايات المتحدة الأمريكية. وهي تختلف في الشكل والمضمون عن تلك المرحلة التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي شهدت بروز قطبين دوليين ومعسكرين متصارعين ودور جديد لمؤسسة جديدة هي الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في حماية العالم من حرب ثالثة ... الخ والتي كانت قد حلت عملياً محل عصبة الأمم التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

في مقال لي نُشر على موقع الحوار المتمدن في 3/10/2003 أشرت فيه إلى ما صرح به مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق حول الدور الجديد للولايات المتحدة في العالم قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 : "كان السيد بريجينسكي، العضو السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، قد صرح مرة في حوار له مع قناة الجزيرة مشيراً إلى أن الولايات المتحدة هي الإمبراطورية الجديدة لهذا القرن الجديد، وأن لها أهدافها، وهي لم تبدأ بعد بتحقيق تلك الأهداف.

وأكد بأن الولايات المتحدة تملك كل الإمكانيات لتحقيق ما تسعى إليه". (راجع: كاظم حبيب. "الصراع الطائفي محاولة مقيتة لتشويه وجهة الصراع الحقيقي في العراق!" الحوار المتمدن، العدد: 584September-    2003).  كان هذا التصريح الذي أطلق في العام 2000 إعلاناً وتأكيداً جديداً لما حصل في العام 1989-1991 من انهيار وتفكك ومن بروز نظام دولي جديد يستند إلى القطبية الواحدة ، قطبية أمريكا الشمالية.

لقد اقترن انهيار الاتحاد السوفييتي وتوقف الحرب الباردة من الطراز الذي نعرفه قد فسح في المجال لانطلاق ظاهرة العولمة على الصعيد العالمي والتي أوجدت بدورها حالة جديدة فرضت أسساً وقواعد عمل جديدة ، وتشكل جزءاً عضوياً من طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي وقوانينه الفاعلة موضوعياً، إنها مرحلة العولمة الرأسمالية، مرحلة متقدمة في الرأسمالية على الصعيد العالمي وليست خارج النظام. وبالتالي فهي تأخذ سمات النظام العامة.
وهي بالتالي لم تمنع المنافسة في ما بين الدول إلى حد الصراع ، بل أعطتها أبعاداً جديدة واحتداماً في ما بين الدول الرأسمالية الصناعية الأكثر تقدماً وبرزت هذا الصراع فوق سطح الأحداث بعد أن غاب العدو المباشر، ولكنها نشطت أيضاً حركة تحالفات عديدة في داخل المعسكر الذي أصبح واحداً وخاصة بالنسبة إلى تلك الدول التي كانت تعتبر على حافة التحولات الرأسمالية، إضافة إلى دول أخرى مثل روسيا والصيم والهند ودول جنوب شرق آسيا. ولكن عالمنا الواحد الجديد يعيش فجوة كبيرة ومتسعة ومتعمقة بين عالمين، عالم الأغنياء والمتقدمين وعالم الفقراء والمتلفين.

مع سقوط الاتحاد السوفييتي مباشرة ظهرت في الفكر السياسي والاقتصادي الأمريكي نظرية فرنسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" أولاً، ومن ثم نظرية صموئيل هنتنكتون الموسومة بـ "صدام الحضارات" أو "صراع الثقافات" ثانياً. ويجد الإنسان في كتابين لهذين المؤلفين وجهتين للنظر تؤكد الأولى أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ ، هي النظام الأزلي ، ثم تراجع الرجل عنها أخيراً ، والثانية تؤكد وجود صراعات في العالم ولكنها ليست كالتي ظهرت في القرن العشرين، أي لن تكون لأسباب اقتصادية كما كانت في السابق تدور بين "العمل ورأس المال"، "بين البرجوازية والطبقة العاملة"، أو بين "أصحاب رؤوس الأموال والعمال الأجراء"، بل سيجري الصراع بين الغرب المتحضر والشرق المتخلف، بين الثقافة الغربية المسيحية من جهة، والثقافة الشرقية الإسلامية على نحو خاص من جهة أخرى، رغم تأكيده وجود ثماني حضارات أو ثقافات على مستوى العالم، ولكن الصراع المركزي سيدور بين "الثقافة المسيحية والثقافة الإسلامية"!

ولا شك في أن الإنسان المتتبع سيدرك طبيعة هذه النظرية وما تسعى إليه والعواقب السلبية عن القناعة بها وبالطريقة التي يتم طرحها. وقد رحب المتطرفون من الإسلاميين السياسيين السلفيين المتشددين لهذا الطرح وبدأوا يسعون لممارسته فعلاً، لا شك في وجود تناقضات وصراعات بين الفكر الإنساني المتحضر والحديث والفكر المتخلف والبالي، ويحتاج الأخير إلى عملية تغيير وتنوير عميقة وواسعة من النواحي الاجتماعية والدينية وهي التي تشترط بدورها عملية تغيير في البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية، أي أنها مسألة مرتبطة بمرحلة التطور التي تعيشها شعوب بلدا الشرق بشكل عام والشعوب الإسلامية والعربية على نحو خاص.

فما كان يحصل في القرون الوسطى لدى أتباع الديانة المسيحية ومن جانب الكنيسة قبل الفصل بين الدين والدولة ، أي قبل التنوير والنهضة ، يقع اليوم بين أوساط أتباع الديانة الإسلامية، ومن جانب المؤسسات الدينية والأحزاب الإسلامية السياسية وبصورة بشعة حقاً. وتبدو بشاعتها مقرفة ومؤذية جداً، بسبب مستوى التطور الحضاري الذي بلغه القرن الجديد بجوار التخلف الذي تمر به شعوب الدول الإسلامية والعربية على سبيل المثال لا الحصر.

أورد هنا مثالاً واحداً: في الوقت الذي ألغت الشعوب والدول الأوروبية حكم الإعدام بالإنسان أياً كان الجرم الذي يرتكبه، ما تزال بعض الدول الإسلامية كالسعودية وإيران، على سبيل المثال لا الحصر ، تمارس قطع الرؤوس والرجم بالحجارة ، كما حصل أخيراً في السعودية مع امرأة عربية مسلمة رجمت بالحجارة حتى الموت ووصلت صورة الرجم إلى شتى بقاع العالم وحصد النظام القضائي السعودي المزيد من الكراهية والاحتقار.      

ولكن علينا أن نلاحظ بعناية فائقة اتجاهات تطور المرحلة الجديدة التي تشهد بدورها بروز تدرجي لقوى وأقطاب وتحالفات جديدة لتؤثر بدورها في موازين القوى الدولية في فترة لاحقة قادمة وعلى الاستراتيجية الأمريكية ذاتها، وبالتالي هناك دعوات لحماية هذه الاستراتيجية بسياسات تمثل وجهة نظر اللبرالية الجديدة والقوى المحافظة الجديدة.

وقد اقترنت هذه المرحلة بتسارع عملية عولمة موضوعية ذات جوانب متعددة وتمس العالم بأسره، رغم التمايز في بنية ومستوى ومرحلة تطور مكونات هذا العالم أو دوله وشعوبه المختلفة. ولا شك في أن انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي أنهى الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين، قد برَّز في الواقع المعاش يومياً بصورة أكثر جلاء أشكالاً أخرى من الصراع كانت مكبوتة في الفترة السابقة بحكم هيمنة ما أطلق عليه بالصراع الرئيسي والحاسم، أي الصراع بين القطبين والمعسكرين الذي احتل مركز الصدارة طيلة عقود وكلق البشرية الكثير من الخسائر البشرية والمالية والتنمية والتطور الحضاري.

والصراعات التي أتحدث عنها عديدة أشير هنا إلى بعض منها لأهميتها في المناقشة التي أجريها، ومنها الصراع على المصالح ومناطق النفوذ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في العالم في ما بين الدول الرأسمالية المتقدمة والدور الذي تلعبه كل دولة منها، وخاصة الدول الكبرى ، في التأثير على اتجاهات تطور العالم وسياسات مؤسساته الدولية والإقليمية، وكذلك الصراع بين الدول الرأسمالية الأكثر تطوراً وغنى في العالم وتلك الأقل تطوراً، ومن ثم الصراع بين الفئات الاجتماعية الأكثر غنى وتلك الأكثر فقراً.

إن بروز منجزات الثورة العلمية والتقنية وثورة الاتصالات والمعلومات قد حول العالم من مستوى معين في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الدولية إلى مستوى جديد من تلك العلاقات الأكثر نضوجاً وحيوية وفعلاً وتأثيراً في الأحداث الداخلية والدولية، واقع العولمة التي ما تزال تتطور وتتكامل على الصعيد الدولي. وأصبح من يمتلك الأسبقية في مستوى التطور، إلى جانب عوامل ومستلزمات أخرى، يمتلك أيضاً موقعاً أكثر تقدماً وأكثر أهمية وأكثر تأثيراً في عملية العولمة الموضوعية الجارية التي تعتبر مرحلة متطورة في الرأسمالية على الصعيد العالمي، حيث يكون في مقدوره الاستفادة الأكبر منها بالمقارنة مع الدول الأقل تطوراً والأكثر فقراً في العالم. وإذ تقدم العولمة الموضوعية إمكانيات كبيرة للاستفادة منها ، فإنها لا تلغي عدة حقائق جوهرية ، بل تؤكدها ، وهي:

1-يبقى العالم ، في ظل مضمون وطبيعة العولمة، متبايناً في مستوىات تطور الدول والشعوب اقتصادياً واجتماعياً وثقافيا وعلمياً، إذ تسود فيه القوانين الاقتصادية الموضوعية التي تبقي فجوة التمايز في مستويات التطور قائمة بين الدول والاقتصادات على الصعيدين العالمي والإقليمي وعلى صعيد البلد الواحد. وهي التي تثير بدورها، من الناحية الموضوعية ، التناقضات والصراعات التي يفترض السعي لحلها بالطرق التفاوضية والسلمية ومنع نشوب الحروب أو العنف بسببها ، إضافة إلى السعي للتقريب بين مستويات التطور والمعيشة.

2- وتفسح العولمة في المجال لممارسة سياسات مختلفة وفق مصالح البلدان المختلفة لا تتناغم بالضرورة مع الطابع الموضوعي للعولمة ذاتها والتي يمكن أن تثير المشكلات على الصعيدين العالمي والإقليمي، كما تخلق مشكلات غير قليلة على الصعد المحلية للدول المختلفة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والتقنية والبيئية والثقافية والعسكرية والأمنية وفي مجال الجريمة المنظمة.

3- كما تفتح باباً لن توصد أمام المنافسة الدولية بين الدول والشركات على المصالح ومناطق النفوذ الاقتصادية وأفضليات التعامل أو الحصول على موقع تحت الشمس في منطقة الخليج مثلاً من جهة ، وأمام تعاظم دور الاحتكارات المتعددة الجنسية في التأثير على أحداث العالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

4- ولكن العولمة تفسح في المجال أو تخلق إمكانيات ومستلزمات جديدة للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي للدولة الأخرى الأقل تطوراً، إذ أن العوامل الخارجية سيكون لها الدور الكبير في التأثير على مستويات التطور المحلية لهذا البلد أو ذاك شريطة أن تتوفر مستلزمات محلية تسعى حكومات وشعوب تلك البلدان إلى الاستفادة منها وتتوفر لديها الإرادة لممارسة ذلك.

5- وبمعنى معين أصبح العالم الذي نعيش فيه أشبه بمدينة صغيرة أو مجمع سكني تلتقي فيه كل الدول والشعوب، وبالتالي فأن الحرائق التي تشتعل في بيت أو شقة أو دولة تنتقل إلى البيت الآخر أو الشقة الأخرى أو الدولة الأخرى.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى منع حصول حرائق ومعالجتها بأساليب وأدوات تختلف عن الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وتلك التي أعقبتها، كما إن إشكاليات بلد ما تنتقل إلى البلدان الأخرى، ونشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى بعض أمثلة بهذا الصدد: الاستبداد والتجاوز على حقوق الإنسان والحريات العامة أو التخلف والبطالة أو الفقر المدقع الذي يدفع بالناس إلى الهجرة إلى بلدان أخرى، أو يخلق عنفاً وعنفاً مضاداً يدفع بدوره إلى الهجرة (أمثلة السودان، العراق ، ليبيا، سوريا مصر الجزائر والمغرب ...الخ ؛ زراعة وتجارة المخدرات وانتشارها على الصعيد الدولي والجريمة المنظمة التي لم تعد محلية بل إقليمية ودولية ، أو الفساد المالي والإداري لم يعودا محليين  بل دوليين.

في ضوء هذا التصور العام نتابع وندقق الآن بعض المؤشرات في العلاقات بين الدول الكبرى بشأن منطقة الشرق الأوسط بشكل ملموس.

كانت ولا زالت منطقة الشرق الأوسط تجلس على عدة براكين مهمة وحيوية ولكنها مثيرة للقلق والخوف من عواقب وخيمة. ففي هذه المنطقة من العالم يجد الإنسان :

* شعوباً كثيرة ودولاً كثيرة وأدياناً كثيرة وطوائف دينية كثيرة، وبالتالي يمكن أن تنشأ فيها مصالح واتجاهات مختلفة. وقد عاشت هذه الشعوب والدول حروباً كثيرة على مدى التاريخ ، ولكنها لا تزال تعيش حروباً أخرى حديثة غير منقطعة.  

* تبايناً في توزيع الثروات الطبيعية الاستراتيجية وفي عدد النفوس وفي مستويات التطور والعيش ، رغم وجود تقارب في بعض جوانب التطور الاقتصادي والاجتماعي.

* وجود تناقضات وصراعات سياسية ناتجة عن عوامل تاريخية وأخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية أو حدودية أو مائية أو حقوقية وإنسانية.

* نظم سياسية في غالبيتها استبدادية وكلها غير ديمقراطية على وفق معايير الحقوق المدنية وشرعة حقوق الإنسان ، وتفتقد في غالبيتها للغة المشتركة مع مجتمعاتها وفي ما بينها ومع العالم. وهي نتيجة منطقية لمستويات التطور فيها والتي يعود أغلبها إلى قرون خوالي، إلى ماضٍ لم يعد حاضراً إلا فيها ومؤذياً لمجتمعاتها وللعالم.

* ولا تزال المؤسسة الدينية وشيوخ الدين يلعبون دوراً سلبياً عاماً وملموساً (الاستثناء نادر) في حياة مجتمعاتهم ويعيقون عملية التنوير ويسعون إلى ربط الدين بالدولة وممارسة التمييز الديني والطائفي وإلى إبقاء المجتمعات تعيش في جهلها وترفض فصل الدين عن الدولة والديمقراطية وحقوق الإنسان عملياً. وتنشأ عن هذه المؤسسة الدينية اتجاهات أكثر تطرفاً وأكثر أصولية وسلفية وعنفاً ودموية. وهي حالة لا تزال مستمرة، تحركها تؤججها عوامل كثيرة ، رغم أنها غير مبررة.

* سيادة نهج القوة والعنف في معالجة المشكلات الداخلية أو مع الدول المجاورة والتي قادت وتقود إلى سباق تسلح كبير ومتواصل ليس باتجاه الأسلحة التقليدية الأكثر حداثة وتطوراً وفتكاً بالناس والاقتصاد حسب ، بل وباتجاه التسلح الكيماوي والجرثومي والنووي، وهي كلها أسلحة محرمة دولياً ، ولكنها تنتج على صعيد واسع وبعضها استخدم حتى الآن بصيغ مختلفة.

والسؤال الذي يواجه العالم هو: كيف نواجه مشكلات من هذا القبيل تدور في منطقة ذات براكين أو براميل نفط قابلة للاشتعال؟ العالم غير متفق على رأي واحد، وخاصة الدول الكبرى. ويجد هذا تعبيره في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

والاختلاف الدولي لا يستند إلى اجتهادات متباينة في سبل حل المشكلات ، بل الاختلاف ناشئ عن السبل التي تضمن الحفاظ على ، أو الوصول إلى، تحقيق المصالح المتباينة لكل من هذه الدول في هذه المنطقة الغنية والفقيرة من العالم. أي أن الصراع يدور حول الموقع الأول والمتميز والمؤثر في المنطقة والمحقق للمصالح الذاتية والأهداف والأجندة المحددة في استراتيجية هذه الدولة أو تلك.

ويكفي أن نلقي نظرة على الموقف من غزو الكويت وكيف اختلفت الدول العربية في ما بينها إزاء هذا الغزو وسبل معالجة المشكلة ، ثم الموقف الدولي من هذا الصراع والنتائج أو العواقب التي تمخضت عن الغزو وحرب الخليج الثانية. لنلقي نظرة على الحرب ضد النظام العراقي وانقسام العالم إلى مجموعتين مجموعة متفقة مع الولايات المتحدة وأخرى مختلفة معها ولا ترى في الحرب وسيلة سليمة. علماً بأن التقدير لطبيعة النظام العراقي كانت واحدة لدى الجميع ، ولكن كلاً من تلك الدول كان يفكر ما هي النتائج التي ستتمخض عن تلك الحرب لها أو لغيرها ، وهل الحرب هي الوسيلة المناسبة للوصول إلى المصالح ، رغم أن الجميع لا يرفضون وسيلة الحرب ، كما حصل في يوغسلافيا السابقة أو الحرب في أفغانستان ، في حل المعضلات التي تواجههم. هناك اختلاف واضح بين الدول بشأن الحرب الاستباقية أو الإجهاضية التي أقرتها ومارستها الولايات المتحدة ورفضتها أغلب الدول الأوروبية وكذلك الكثير من دول العالم الأخرى ، وهناك اتفاق بأن الأمم المتحدة هي المسئولة عن اتخاذ قرار بالحرب وليس دولة واحدة.

إن ما تقدم استهدف توضيح خمس مسائل جوهرية ، وهي:
* إن انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي وبروز القطب الأوحد على  الصعيد الدولي منح الولايات المتحدة شعوراً خاصاً ليس في كونها تقود العالم الرأسمالي حسب ، بل أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الولايات المتحدة ، قرن الإمبراطورية الأمريكية.

* اقترن هذا التحول بتسارع شديد في مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية وفي تسارع نضوج مستلزمات العولمة الموضوعية على الصعيد العالم وسعي الولايات المتحدة في أن تفرض سياستها العولمية التي تتعارض في غالب الأحيان مع مضمون العولمة الرأسمالية.

* وأن تفاعل الثورة العلمية والتقنية ، ثورة الاتصالات والمعلومات ، وتشابكها مع مضامين واتجاهات العولمة لا يعنيان بأي حال غياب المنافسة بين الدول الرأسمالية الأكثر تطوراً وتقدماً، بل يعني اشتدادها وظهور منافسين جدد تفرض على كل طرف التدافع بالمناكب لتحقيق المصالح في العالم. وبالتالي ضمن إطار المنافسة وقيادة العالم الرأسمالي يظهر ضمان السيطرة على مصادر بعض السلع الأولية ذات الأهمية الاستراتيجية كالنفط ، له أهمية فائقة واستعداد للدخول في معارك من أجل ذلك. فالاحتفاظ بالقيادة يتطلب الإمساك بالمفاتيح الأساسية بيد القيادة، ومنها الطاقة النووية والنفط واليورانيوم ..الخ. فقد ورد في التقرير السنوي لرئاسة هيئة الأركان المشتركة في العام 1991، والذي يصدر بعنوان: "التقييم الاستراتيجي"، وبوضوح أن "حرباً نفطية في الخليج هو احتمال وارد جداً"، وأن "القوات الأمريكية قد تستخدم في تأمين تدفق الإمدادات النفطية الكافية".

وقبل ذاك كان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قد أعلن في يناير/كانون الثاني، 1980 أعلن الرئيس كارتر "الخليج" منطقة نفوذ أمريكي، وبخاصة في وجه المد السوفييتي. وفي ذلك قال كارتر: "ليكن موقفنا واضحاً تمام الوضوح ... إن أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعد اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، ومثل هذا الاعتداء سيواجه بكل الطرق المتاحة بما فيها القوة العسكرية". ما فعله كارتر كان في الواقع بمثابة إعلان لما عرف لاحقاً بعقيدة كارتر. إلا أن هذه التهديد لم يكن يمس الاتحاد السوفييتي وحده، بل إيران أيضاً حيث كان الخلاف معها محتدماً، وحيث كانت ترفض الحديث عن الجزر العربية الثلاث المحتلة. .

* إن مختلف دول العالم لا تتعامل على أساس الصداقة في ما بينها، بل على أساس المصالح، فهي التي تحكم تلك العلاقات، وبالتالي فأن الاتفاق والاختلاف في السياسات والمواقف يرتبط بالأساس بمدى تحقيقها لمصالح الأطراف المختلفة. ومن هنا يمكننا متابعة الصراعات بين فرنسا والولايات المتحدة، أو التحالف القوي بين بريطانيا والولايات المتحدة، أو التغير في المواقف بالنسبة لألمانيا في علاقتها مع الولايات المتحدة وفرنسا.

* إن اتجاهات تطور سياسات العولمة للدول الرأسمالية المتقدمة وسبل التعامل مع الدول النامية، خلق فجوة كبيرة بين الدول في العالم الواحد، والذي يرتبط عضوياً بالمصالح الاقتصادية ومنها المصالح النفطية التي تشكل أهمية استثنائية لإنتاج الطاقة والصناعة.

لا شك في أن رغبتنا في الخلاص من نظام قاتل ودموي يدفع بنا إلى رؤية ما نريده وأن نتابع الأسباب التي تساعد في تبرير ما نسعى إليه. وهي مسالة إنسانية لا شك فيها، ولكن علينا وبغض النظر عن رأينا الشخصي أن نتحرى عن كل الأسباب التي قادت إلى نشوب حرب معينة كالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام العراقي، وبغض النظر عن الموقف من الحرب ذاتها. فالباحث العلمي يفترض فيه أن يتجرد من ذاتيته ويتشبث بالحقائق والعوامل التي تبرز أمامه في مجرى البحث والتدقيق. أي: ما هي العوامل التي دفعت الولايات المتحدة على شن الحرب ضد النظام العراقي ورفضتها غالبية الدول الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي ، وكذلك غالبية دول العالم؟


الحلقة الثانية
إن وجود الولايات المتحدة في العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً يوفر لها مركزاً مهماً في كل الشرق الأوسط ويضعف منافسة الدول الأخرى على المنقطة بأسرها، وخاصة إزاء الدول الأوروبية واليابان وروسيا والصين مثلاً، رغم العلاقات القائمة بين هذه الدول ورغم وجود أغلبها أعضاء في مجموعة الدول السبع زائد واحد، فالدولة الأعظم يهمها أن تكون لها الكلمة الأخيرة في المنطقة وفي مجال السياسة والاقتصاد والمال والتجارة والنفط والتنمية.

وستكون هي التي بيدها مفتاح دخول الدول الأخرى إلى هذه المنطقة بالنسبة إلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية والبيئية. وهي تعكس الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة على مدى القرن الواحد والعشرين والتي تسعى إلى ضمان التفوق الأمريكي اقتصادياً وعسكرياً خلال هذا القرن. وقد أعلن جورج بوش الأب هذه الاستراتيجية بعد حرب تحرير الكويت 1991 واسماها بالقرن الأمريكي الجديد.

ومن هذا المنطلق يمكن الاستنتاج بأن النفط كسلعة استراتيجية يمثل احد العوامل المهمة لنجاح هذه الاستراتيجية على المدى البعيد. بمعنى آخر أن الاستراتيجية الكونية الأمريكية لا تسعى إلى تحقيق أرباح أو فوائد ملموسة على المدى القصير من النفط العراقي كما كان الحال في عصر الاستعمار القديم وإنما إلى توظيفه لضمان استمرارية عملية إعادة الإنتاج الرأسمالية الموسعة وتطويرها من خلال العولمة حتى لو كلف ذلك الولايات المتحدة أن تدفع سعر السوق الدولية للنفط العراقي إضافة إلى كلف الحرب الباهظة. لخص السيد جوزيف س. ناي، الابن ، نائب وزير دفاع الولايات المتحدة الأسبق ومدير وكالة الأمن القومي الأسبق والأستاذ في جامعة هارفارد ، الاستراتيجية الأمريكية على النحو التالي: " إن السياسة الواقعية التقدمية لابد وأن تقدم الوعد بالحياة والحرية والسعادة، وهو الأمر الذي تعلي التقاليد الأميركية من قيمته.

ومثل هذه الإستراتيجية الكبرى لابد وأن تقوم على أربعة أعمدة: (1) توفير الأمن للولايات المتحدة وحلفائها؛ (2) الحفاظ على قوة الاقتصاد على الصعيدين الداخلي والدولي؛ (3) تجنب الكوارث البيئية (مثل الأوبئة والفيضانات العالمية)؛ (4) تشجيع الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان في الداخل، وفي الخارج إذا كانت الظروف ملائمة". (راجع: جوزيف س. ناي. الواقعية التقدمية. على موقعProject Szndicate   في العام 2006 . ترجمة إبراهيم محمد علي).

علينا أن نشير ابتداءً إلى أن مصادرة حقوق الإنسان والتجاوز على الحريات العامة والتهجير القسري ومصادرة حقوق الشعب الكردي، بما فيها عواقب اتفاقية الجزائر ضد الشعب الكردي أو عمليات ومجازر الأنفال وضرب مدينة حلبچة بالسلاح الكيماوي أو تهجير العرب المسلمين الشيعة أو الكُرد الفيلية، ولا الحرب ضد إيران وما جرى في تلك الحرب على مدى ثماني سنوات، لم تكن القضايا التي دفعت الولايات المتحدة إلى شن الحرب ضد النظام العراقي في العام 1991  وفي العام 2003 ، إذ أن هناك نظماً مقاربة للنظام العراقي في العالم عموماً وفي العالم العربي خصوصاً تمارس هذه السياسة ولكنها تقيم علاقات طيبة ومستمرة مع الولايات المتحدة كحكومة أو كإدارة أمريكية ، وليس الحديث عن منظمات إنسانية أمريكية ترفض تلك الممارسات، ولكنها ترفض في الوقت نفسه الحروب تحت أية تسمية جاءت. ومع ذلك نبقي هذا العامل كمساعد لشن الحرب ولكن لم يكن العامل الرئيسي في كل الأحوال. ونموذج ليبيا، التي لا تزال تمارس الإرهاب الداخلي والقمع ضد شعبها، تقيم اليوم أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، بسبب ارتبط بكف ليبيا عن محاولة الحصول على السلاح النووي، ولكن ليبيا حتى في فترة الصراع مع الولايات المتحدة تصدر أكثر نفطها إلى الولايات المتحدة ، وهو مضمون تماماً في تلك المنطقة من العالم، وليس في الشرق الأوسط مباشرة.

لقد وقفت الولايات المتحدة في حرب الخليج الأولى ضد إيران إلى جانب العراق ، ولكنها كانت في الوقت نفسه لا تريد انتصاره، ولكنها كانت لا تريد انتصار إيران أيضاً ، إذ كانت لإيران تطلعات وأطماع كبيرة في المنطقة في مقدمتها:

* تصدير الثورة الإيرانية الإسلامية الشيعية إلى الدول العربية ، أي أنها ثورة تبشيرية بالدعوة الشيعية والسعي لتغيير نظمها السياسية وإقامة ما يماثل النظام الإسلامي الشيعي الصفوي المتطرف في إيران. 

* بروزها كأقوى دولة إقليمية تلعب دور اللاعب الأول فيها مع الدول الكبرى وتساهم في تشديد صراعها الديني مع الغرب، وبالتالي تتجه صوب ما يطلق عليه بصدام الثقافات والحضارات.

* تهديدها المباشر للدول الحليفة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وخاص المملكة السعودية ودول الخليج.

* الرغبة في التحكم بسياسة النفط في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط الخام ، كما أنها تمتلك مضيق هرمز الذي يمكن أن يؤثر سلباً على انسياب النفط إلى العالم الخارجي.

* عدائها المستحكم ضد إسرائيل من الناحية الدينية وسعيها لإثارة حرب في المنطقة ضدها وتأجيجها العداء لها لدى مسلمي العالم وإعاقة الوصول إلى حل سلمي مع إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية.

* الانتقام للفعلة المستهجنة التي مارستها إيران وحرسها الثوري ضد السفارة الأمريكية في طهران، إضافة على  ضربها المصالح الأمريكية في المنطقة وإعلامها المعادي للغرب وأمریکا على نحو خاص حیث يطلق عليها بالشيطان الأكبر (أمريكا شيتان بزرگ).

* وهي بعد كل هذا وذاك مناهضة للتقدم والحضارة الإنسانية الحديثة.
وخلال هذه الفترة عول بعض مراكز البحث العلمي في الولايات المتحدة على تحالف طويل الأمد بين العراق والولايات المتحدة ، خاصة وأن علاقاته بالاتحاد السوفييتي قد تراجعت قليلاً حين امتنع السوفييت عن تصدير السلاح للعراق مباشرة طيلة أربع سنوات وسمحوا بوصولها له عبر الدول الشرقية الأخرى حتى العام 1984 حين عاد التصدير ثانية باعتبار أن إيران ترفض إيقاف القتال الذي يطالب به العراق ومجلس الأمن الدولي.

ولكن ما أن انتهت الحرب العراقية – الإيرانية وخروج الدولتين بلا انتصار حاسم لأي منهما، بل وبمشكلات اقتصادية عويصة وديون كبيرة، وخاصة بالنسبة للنظام العراقي، توجس الغرب شراً من النظام، وكذا الدول العربية الخليجية وبدأ مسلسل الصراع الكويتي حول كميات تصدير النفط الخام الذي قاد إلى انخفاض شديد في أسعاره ومطالبة العراق بتقليصه والخلاف حول حقوق نفط جنوب الرميلة وطلب إعفاء العراق من القروض المالية الكويتية للعراق في زمن الحرب وطلب مساعدة مالية مقدارها 10 ملايين دولار أمريكي وتأجير طويل الأمد لجزر بوبيان ووربه والفيلكة ... الخ التي نحن شهود عليها.

وكان بالإمكان معالجة الأمر بطرق سلمية. ولكن النظام كان يسعى إلى حل سريع بسبب أوضاعه الداخلية، في حين كان الغرب والخليج غير مستعجلين لمثل هذا الحل، وكانت الكويت تطالب بحل مشكلة الحدود بينهما قبل حل الإشكاليات الأخرى، كما رفضت تقليص حجم الصادرات وفق مقررات منظمة أوبيك. فكان الغزو والاحتلال ونتائجه. وكلنا يستطيع أن يقدر بأنه كان بالإمكان طرد المحتل من الكويت دون حرب بالمحصلة النهائية رغم عناد صدام حسين ورفضه التهديد الأمريكي الذي جاء على لسان جيمس بيكر في آخر لقاء له مع طارق عزيز، ولكن كانت هناك رغبة شديدة لدى الولايات المتحدة في أن تبرهن للعالم ببدء عهد جديد في التعامل الدولي وأن عصر الاتحاد السوفييتي قد انتهى وأن القوة الآن بيد الولايات المتحدة.

وكانت الخشية من هيمنة العراق على نسبة عالية من نفط الخليج تصل إلى حدود ربع احتياطي العالمي منه، إضافة إلى تعزز مواقعه في المنطقة، إضافة إلى التهديدات السيئة التي أطلقها الدكتاتور ضد إسرائيل بحرقها وتدمير نصفها التي أثارت كل العالم ضده ، عدا الخائبين العرب الذين فرحوا لهذا التهديد العنجهي الفارغ!.

لقد كانت خشية الغرب لا تذهب إلى احتمال احتلال الكويت حسب، بل ولكل منطقة الخليج وكذلك السعودية. لقد أصبح الخطر العراقي الآن أكبر من الخطر الإيراني، وبالتالي كان لا بد من تأديب النظام العراقي. لم يكن في بال الأمريكيين تأديب النظام العراقي لأنه استبد بالشعب العراقي وظلم الناس وقتل مئات الألوف منهم، كما في أحداث 1988 في كُردستان أو أحداث الوسط والجنوب أو الكُرد الفيلية أو العرب الشيعة، بل كان خطر النظام على حقوق وصادرات وانسياب النفط الخام من المنطقة على الغرب، إضافة إلى الخشية من احتمال تعرض إسرائيل والدول الصديقة للولايات المتحدة إلى ضربات صاروخية عراقية والتي وقعت فعلاً في نهايات الحرب.

وكل المراقبين السياسيين كانوا يعتقدون بالقدرة على أخراج النظام من الكويت دون حرب، ولكن الحرب كانت مطلوبة حينذاك. وحصل ما حصل ونحن شهود عليه. وتضور الشعب جوعاً وحرماناً، وليس النظام، من فرض الحصار الاقتصادي على العراق. لقد كانت الولايات المتحدة قادرة على إسقاط نظام صدام حسين في مسيرتها العسكرية في حرب الخليج الثانية، ولكن الانتفاضة الشعبية وبروز التيار الديني الشيعي عليها، وخاصة في مناطق الوسط والجنوب، برزت خشية لدى الدول الخليجية وخاصة السعودية، وانتقلت هذه الخشية إلى الولايات المتحدة من احتمال نشوء وضع مناسب لإيران في العراق يؤدي إلى خلق مشاكل جديدة للسعودية ودول الخليج ولمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، فكانت النتيجة هي السماح للنظام العراقي بقمع الانتفاضة بدلاً من دعمها وحصل مؤتمر صفوان ونتائجه معروفة لنا جميعاً واستمر وجود النظام العراقي، بعد أن ضمنت الولايات المتحدة تحرير الكويت وإنقاذ الثروة النفطية من سيطرة النظام العراقي ومنعه من التقدم صوب السعودية ودول الخليج الأخرى. ولم يعد يهم الولايات المتحدة ضرب الانتفاضة في الوسط والجنوب ثم ما حصل في إقليم كُردستان من الهجرة المليونية صوب تركيا وإيران. ومن نشأ عن ذلك من وضع جديدة في العراق والمنطقة. من هنا أوكد من جديد أن المشكلة ليست نفط العراق فقط ، بل هي نفط المنطقة بأسرها.

وبدأ مسلسل سياسي جديد في أعقاب الحرب الخليجية الثانية حيث الحصار والسعي لتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية والتعويضات ... الخ. واستطاعت الولايات المتحدة التحكم بأوضاع العراق جدياً من خلال الحصار الاقتصادي الدولي واللجان المالية ولجان الكشف على سلع الاستيراد العراقية التابعة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وقرار النفط مقابل الغذاء. لقد تسببت سياسة العراق العدوانية أن فقد العراق استقلاله السياسي وسيادته الوطنية وغاص في جريمة اغتصاب حقوق الشعب العراقي والمقابر الجماعية وغيرها.

أصبح العراق دولة مشاكسة وحامية للإرهاب، والإرهاب يهدد العالم كله و ولكنه يهدد إمدادات النفط أيضاً. وبدأ العراق يدعم الإرهاب الإسلامي السياسي المناهض لسياسة الدولة الإسرائيلية المحتلة في فلسطين. وعلينا أن نتذكر الصواريخ البائسة التي أطلقها صدام حسين على إسرائيل في فترة حرب الخليج الثانية ، وبالتالي أصبح النظام في عين الغرب يشكل خطراً جدياً على إسرائيل رغم ضعفه ، إذ كان لا يزال يسعى إلى تنشيط العمل العربي الشعبي ضد إسرائيل. لقد تعطل تصدير نفط العراق كثيراً في فترة الحصار الاقتصادي، وراحت ألسعودية تصدر المزيد من النفط الخام للتعويض عن النقص في النفط ألعراقي. وكانت شركة أرامكو السعودية مرتبطة عضوياً بالولايات المتحدة بشكل خاص، وكانتا معاً الرابح الأساسي من ذلك.

يمكن للجدول التالي أن يوضح الفارق ذلك:
تطور صافي عائدات تصدير النفط الخام في المملكة العربية السعودية للفترة 1988-2002 
السنة عوائد النفط السنوية
مليون $ أمريكي  الرقم القياسي
 1988=100  نسبة عوائدها إلى إجمالي عوائد
الدول العربية من النفط الخام %
1988 20206 100،0 32،9
1989 24096 119،3 29،6
1990 40128 198،6 39،9
1991 43656 216،1 48،3
1992 47560 235،4 48،2
1993 41353 204،6 45،1
1994 38300 189،5 43،7
1995 42700 211،3 43،7
1996 50050 247،8 42،7
1997 48220 238،6 40،6
1998 31980 158،3 38،9
1999 44934 222،4 54،7
2000 70960 351،2 37،7
2001 62981 311،7 39،0
2002 55931 276،8 38،9
المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد، الكويت، سبتمبر 1996، 2000 و2003 على الصفحات 286،309، و301 على التوالي.  

تطور عوائد تصدير عائدات النفط الخام في العراق للفترة 1988-2002
السنة عوائد النفط السنوية
مليون $ أمريكي  الرقم القياسي
 1988=100  نسبة عوائدها إلى إجمالي عوائد
الدول العربية من النفط الخام %
1988 10952 100،0 17،6
1989 14500 132،4 17،8
1990 9463 86،4 9،2
1991 380 3،5 0،4
1992 380 3،5 0،4
1993 365 3،3 0،4
1994 365 3،3 0،4
1995 370 3،4 0،4
1996 680 3،5 0،3
1997 4590 41،9 3،9
1998 6790 62،0 8،3
1999 12104 110،5 10،3
2000 18150 165،7 9،6
2001 12676 115،7 7،9
2002 13251 121،0 9،2
المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد، الكويت، سبتمبر 1996، 2000 و2003 على الصفحات 286 ،  309، و301 على التوالي. احتسبت النسب المئوية وفق الأرقام المعطاة في التقرير. والنسب مقرية.   

ويمكن لهذه الأرقام أن تساعدنا في تأشير ثلاث ملاحظات مهمة، وهي:
1- أن شركات النفط الأمريكية والدولة السعودية قد حققت أرباحاً طائلة في فترة الحصار الأمريكي على العراق من خلال زيادة كميات النفط المستخرجة والمصدرة.

2- شكل استخراج وتصدير النفط السعودي وعوائد الدولة السعودية قفزة كبيرة في حصتها من إجمالي عوائد الصادرات النفطية العربية ، وخاصة في فترة الحصار.

3- أن العراق قد تحمل خسائر مالية كبيرة جداً بسبب تعطل عملية الاستخراج والتصدير من جهة ، ونتيجة الفساد المالي السائد في نشاط الشركات الأجنبية التي تعاملت مع قرار "النفط مقابل الغذاء" الذي مورس في العراق منذ العام 1997 عملياً. واقترناً مع القرار الجديد ارتفع حجم الإنتاج والتصدير للنفط الخام العراقي وازدادت معه عوائد العراق المالية نسبياً.

ومنه يمكن القول بأن خسارة العراق نتيجة توقف أو تقلص شديد في انسياب نفطه ، شكل في ذات الوقت فائدة مالية كبرى بالنسبة للسعودية وبعض دول الخليج وللولايات المتحدة الأمريكية بصورة غير مباشرة. إلا أن الحالة لم تكن مستقرة والمفاجئات المحتملة لم تكن غائبة عن راسمي السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

إن العملية الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 ضد الولايات المتحدة فتحت الباب على مصراعيها أمام تغيرات جدية في الساحة الدولية وأكدت مخاطر القوى الإسلامية السياسية اليمينية والأصولية المتطرفة، التي ربتها الولايات المتحدة والسعودية وباكستان ودربتها ومنحتها مواقع مهمة في المجتمعات الإسلامية كمجاهدين ضد الاحتلال السوفييتي وضد الشيوعية، على المصالح الغربية كلها وعلى المجتمع الدولي وعلى ذات الدول التي انبعثت منها تلك الحركات المتطرفة والإرهابية. ففجرت في ضوئها الحرب ضد أفغانستان.

وإذا كانت كارثة 11 سبتمبر/أيلول على الشعب الأمريكي، فإنها فتحت في المقابل شهية الشركات الاحتكارية النفطية للولوج إلى كامل منطقة آسيا الوسطى وغرب آسيا بحيث تسمح لها بالسيطرة على ما يقرب من 76 % من احتياطي نفط العالم. وقد بدأت فعلاً عملياً مد أنابيب نقل النفط من وسط آسيا عبر أفغانستان.

كما وفرت الحرب في العراق في العام 2003 السيطرة غير المباشرة على نفط العراق ، وما العقود الخمسة التي وقعت حتى الآن بين إقليم كُردستان العراق وشركات أجنبية مرتبطة بصيغ وعلاقات متشابكة مع الولايات المتحدة الأمريكية إلا التعبير الأول عن جملة المكاسب التي تحققت للشركات الأمريكية في العراق ، رغم أن القانون المركزي لم يبت به حتى الآن.

ومن هنا نشأ خلاف بين وزارة النفط العراقية وحكومة إقليم كُردستان. وأول الغيث يبرز في تلك الاتفاقيات التي وقعت بتقليص نسبة إنفاق الريع من 12،5 % إلى نسبة تتراوح بين 8-10 % وعلى مدى طويل قابل للتمديد بخلاف ما يجري في العالم ، إضافة إلى شروط تفضيلية أخرى. ولا شك في أن أسباباً سياسية تكمن وراء مثل هذا الاتفاق ويمكن متابعة ذلك في اتفاقيات إقليم كُردستان العراق. ولهذا فهناك مطالبة بنشر تلك الاتفاقيات ، فالشفافية مطلوبة في مجال اقتصاد النفط بشكل خاص.

وكل الاتفاقيات التي وقعت في إقليم كُردستان مع شركات تركية أو نرويجية أو غيرها ، إلا إنها كلها مرتبطة بصيغ متنوعة مع الشركات الأمريكية. وهذه العقود لا تتم في إطار المنافسة الحرة وفق مفهوم السوق الحرة، بل وفق اتفاقيات مباشرة وذات خلفية سياسية أساساً. وما الضغط الذي يمارس اليوم للتعجيل بتوقيع قانون النفط من جانب الولايات المتحدة سوى أحد صور التعبير عن هذه الوجهة ، رغم أن العراق بحاجة إلى تكثيف الجهد لإنجاز تشريع نفطي جديد وجيد للعراق. والخلاف الجديد بين وزارة النفط العراقية وحكومة إقليم كُردستان يتطلب نشر الاتفاقيات على الناس ليطلعوا عليها، إضافة إلى وجود نص دستوري يشترط عرضها على الهيئة الاتحادية الخاصة بالنفط لتصبح تلك الاتفاقيات سارية المفعول.

إن العراق يسبح على بحيرة تمتد من أقصى مناطق إقليم كُردستان العراق إلى أقصى جنوب العراق وما بين هذه المناطق. ويقدر احتياطه الفعلي بحدود 115 مليار برميل، في حين يقدر احتياطه غير المكتشف بضعف هذا الرقم ، وبالتالي يستطيع العراق أن يجهز العالم بالنفط على مدى سنوات طويلة جداً تمتد إلى القرن القادم مثلاً، إضافة إلى قلة تكاليف استخراجه بالمقارنة مع نفوط العالم الأخرى.  

النفط ليس العامل الوحيد في إسقاط النظام العراقي، بل أحد العوامل المهمة والأساسية باعتبار صدام حسين ونظامه يشكلان خطراً يهدد استقرار المنطقة ويهدد عمليات انسياب النفط الخام من الخليج إلى العالم الخارجي. ولا شك في أن النظام العراقي كان أسوأ نظام عرفته فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في منطقة الشرق الأوسط وأكثرها شراسة وعدوانية وعنصرية وطائفية، وأكثرها عنجهية ومغامرة وسادية وأشدها رغبة في امتلاك الأسلحة المحرمة دولياً، وخاصة النووية، وأكثرها رغبة في ممارسة العنف والتعذيب وخوض الحروب، ويعتبر سقوطه مكسباً كبيراً ليس للعراق حسب ، بل للمنطقة بأسرها وللعالم كله.

ومع ذلك، فعلينا أن نتساءل عن الأسباب الأخرى لإسقاط نظام صدام حسين الاستبدادي؟ ليس هناك من يبكي على نظام ساقط وسافل وفاسد وعنصري كريه كنظام صدام حسين إلا أولئك الذين كانوا في ركاب هذا النظام أو أبواقاً له أو مستفيدين منه، وسواء أكانوا من السنة أم الشيعة أم من المسيحيين أم من الصابئة المندائيين أم من الإيزيديين، وسواء أكانوا من العرب أم الكُرد أم من قوميات أخرى. ولكن حين نبحث عن العوامل التي قادت إلى الحرب والإطاحة بهذا النظام الدموي ، لا بد من وضع اليد عليها بشكل صحيح بهدف الاستفادة منها في تعاملنا مع الواقع الراهن.

لا يجوز تصور إن الحرب ضد النظام العراقي كانت تستهدف العراق وحده ، بل أن العراق يشكل حلقة في سلسلة من الأهداف المرتبطة باستراتيجية دولية لأكبر دولة في العالم تشكل حتى الآن القطب الأحد، رغم بدء تشكل أقطاب أخرى ستبدو واضحة في العقد القادم من القرن الحادي والعشرين. أن الأمر يستوجب رؤية أشمل وأعمق من محاولة حصرها بالنفط الخام العراقي.
من الجدير بالإشارة إلى أن الصراع الدولي لم ينته بسقوط الاتحاد السوفييتي، بل تواصل واتخذ أشكالاً جديدة بصورة منافسة ، وسيتبلور هذا الصراع الدولي على المصالح أكثر فأكثر على شكل محاور دولية عديدة. ولا بد من تأكيد حقيقة أن هذا الصراع لا يدور في فراغ كما أنه ليس بدون أهداف، بل يدور على أرض الواقع وفي الدول النامية على نحو خاص وعلى مصالح متباينة في ظل العولمة المتطورة باستمرار. وفي هذا الصراع تبرز لدى الأطراف المتصارعة الحاجة إلى :

كسب حلفاء بين دول العالم، إقامة قواعد عسكرية على أرض تلك الدول ، تسلح متواصل، وهذه الظاهرة بدأت تقود إلى سباق تسلح جديد في العالم وفي الأقاليم والدول المختلفة ، ونلمس هذا على الصعد الدولية والإقليمية في آن واحد ولا يقتصر على السلاح التقليدي بل الأسلحة الأخرى المحرمة دولياً ، والسعي لكسب مواقع اقتصادية قوية للاستثمار الرأسمالي والحصول على الموارد الأولية ذات الأهمية الاستراتيجية، ومنها النفط. فهل للعراق أهمية خاصة في هذا الرؤية للمسألة موضوع البحث. علينا أن نؤكد، ورغم سباق التسلح الجديد وبروز مظاهر جديدة لحرب باردة من نوع آخر، فأن الجميع يتحدثون عن السلام وقوة الردع للحفاظ على السلام. ورغم وجود مصالح مشتركة بين الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة، فأنها لا تتفق بالضرورة على صيغ سياسية موحدة أو إجراءات موحدة. ففي الوقت الذي اتفقت فيه على الحرب في أفغانستان، اختلفت بشأن الحرب في العراق وتحت ظروف وعوامل وحسابات متباينة.

وعلينا أن ننتبه للحقائق التالية التي وردت في دراسة لمعهد التخطيط في الكويت عن النفط في المنطقة نشر على موقع الجيران الإلكتروني: "على المستوى الإقليمي، يتوزع إنتاج النفط الخام في الوقت الحاضر بشكل أساسي حسب بيانات عام 2004 في منطقة الشرق الأوسط 29% من الإنتاج العالمي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 26%، دول الاتحاد السوفيتي السابق 14%، تليها أفريقيا وأميركا اللاتينية والصين وآسيا. أما على صعيد الدول فما زالت المملكة العربية السعودية تتبوأ مركز الصدارة من حيث إنتاج النفط الخام، فقد بلغ متوسط إنتاجها اليومي عام 2004 حوالي 10.37 ملايين برميل، تليها روسيا 9.27 ملايين برميل يوميا، فالولايات المتحدة الأميركية 8.69 ملايين برميل، ثم إيران فالمكسيك فالصين (جدول رقم 2).

وفي عام ،2004 بلغ متوسط إنتاج دول أوبك اليومي حوالي 30.16 مليون برميل من متوسط إجمالي الإنتاج العالمي البالغ 72.48 مليون برميل يوميا أي ما نسبته حوالي 42% في حين بلغت حصة دول خارج أوبك حوالي 58% وأبرزها روسيا والولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد السوفيتي السابق، فالصين والمكسيك والنرويج وكندا". (موقع الجيران. الصفحة الرئيسية، الدراسات. نشرت الدراسة بتاريخ 13/6/2006 وأخذ المقتطف بتاريخ 18/9/2007).

كانت الرؤية الأمريكية تشير إلى النقاط التالية، استناداً إلى معطيات يمكن الركون إليها ،:
يوفر الخلاص من النظام العراقي وإقامة نظام جديد ديمقراطي في العراق حليفاً قوياً للولايات المتحدة في المنقطة ويوفر إمكانية خلق التوازن إزاء السياسة الإيرانية المتطرفة ، كما تكون الولايات المتحدة قريبة من حدود الدولة التي بدأت تستعيد رغبتها في تصدير الثورة الإيرانية وفي إثارة المصاعب في منطقة الشرق الأوسط مع حليفها سوريا ، وكلاهما يحاولان إظهار وإشهار العداء لإسرائيل.

وتسعى كلا الدولتين إلى امتلاك السلاح النووي. وإذا كانت إيران تعمل بصورة أكثر مكشوفية، رغم الادعاء بأنها تريد الطاقة النووية للأغراض السلمية، فقلة من الناس في العالم يثقون بقولها، أما سوريا فيشك في أن قوى من صدام حسين قد هربت نسخة من الوثائق الخص بإنتاج السلاح النووي إلى سوريا والتي تسعى سوريا إلى الاستفادة منها بطريقة ما، وليس الضربة الإسرائيلية الأخيرة بعيدة عن هذا المسعى السوري. والخشية أن يكون هناك تعاوناً بين إيران وحزب الله وسوريا يتجه صوب إنتاج مثل هذا السلاح في سوريا أو على الحدود.

والتهديد الذي تبجح به حزب الله في أنه يمتلك مفاجئات يدوخ بها إسرائيل ، هي شبيهة بتلك التي كان يطلقها صدام حسين ، ولكن لا يمكن إهمالها بأي حال. وعلينا أن نؤكد بأن الملف النووي الإيراني، وكذا نشوء مشكلة ملف نووي سوري قريباً، قد بدأا يجلبان انتباه العالم، ويفترض أن لا نفاجأ باحتمال توجيه ضربات عسكرية مدمرة للبلدين في حالة الإصرار على  السير في الطريق الراهن، كما يفعل المتطرف حتى  النخاع أحمدي نجاد.

إذن ، وجود الولايات المتحدة في العراق يساهم في حصولها على إمكانية الرقابة الجيدة على ما يجري في إيران من جهة، وعلى الجارة سوريا من جهة أخرى.. كما أن وجود الولايات المتحدة في العراق يساعد في مزيد من الأمن لدول الخليج التي عانت من سياسات العراق الخارجية والعربية ومن سياسة إيران في عهد الشاه أيضاً التي احتلت الجزر الإماراتية الثلاث (طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى).

وسيكون للولايات المتحدة موقعاً مهماً في المياه الخليجية الدافئة وعلى مقربة من الحدود الروسية التي لم ينته الصراع الدولي معها واحتمال توترها من جديد ، والمظاهر نشاهدها ونسمعها يومياً. إن إسقاط نظام صدام حسين لم يعاقب النظام ألصدامي بسبب ضرباته الصاروخية ضد إسرائيل حسب، بل ويوفر الأمن لإسرائيل بسبب غياب هذا النظام غير محسوب العواقب ويقلل من غلواء النظام بدعم المنظمات المتطرفة في فلسطين المحتلة وحزب الله في لبنان. كما أن إسقاط النظام في العام 2003 هو تهديد مباشر وعلني للملكة العربية السعودية التي ساهم مواطنوها بالأساس في توجيه الضربات للولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 بسبب التربية الدينية والتثقيف المناهض للأديان الأخرى والمذاهب الأخرى والأفكار الأخرى في النظام التربوي والتعليمي والسياسي السعودي. أن الدرس الذي يفترض أن تتعلمه السعودية بعد أن قدمت لها الولايات المتحدة أكبر خدمة في حينها حين أوقفت إسقاط نظام حسين حسب طلب السعودية لكي لا يهيمن الإيرانيون على العراق ، وكان الجزاء ضرب أمريكا في عقر دارها ومن مواطنين سعوديين. أوكد هنا من جديد من إن وجود الولايات المتحدة في العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً يوفر لها مركزاً مهماً في كل الشرق الأوسط ويضعف منافسة الدول الأخرى على المنقطة بأسرها، وخاصة إزاء الدول الأوروبية واليابان وروسيا والصين مثلاً ، رغم العلاقات القائمة بين هذه الدول، فالدولة الأعظم يهمها أن تكون لها الكلمة الأخيرة في المنطقة وفي مجال النفط والتنمية.

وستكون هي التي بيدها مفتاح دخول الدول الأخرى إلى هذه المنطقة بالنسبة على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية والبيئية. فالحرب ضد النظام العراقي وفرت للولايات المتحدة الكثير من الجوانب الإيجابية ، بعيداً عما نشأت من تداعيات لم تكن محسوبة من جانب الولايات المتحدة، وهي مصابة بالدهشة ، في حين كان العراقيون قد شخصوا مثل هذا الاحتمال وبصورة معينة ولكن ليس بهذه الهمجية والشدة والاستمرارية.

لهذا لا أرى صواباً في القول التالي : أن ما تحملته أمريكا من أعباء مالية يفوق بكثير مما يحققه لها كل احتياطي نفط العراق. هذا غير دقيق من حيث التوقيت لأن حسابات الإدارة الأمريكية قبل الحرب لم تكن تتوقع بأي حال ما حصل بعد الحرب مباشرة والذي لا يزال مستمراً حتى الآن. لقد كانت تتوقع غير ذلك تماماً ، وقد أخطأت في ذلك ، ومع الأسف أن أقول بأني كنت قد توقعت الكثير مما حصل ، خاصة وان الولايات المتحدة لم تأخذ بالاعتبار نصيحة الخبراء العراقيين ، كما لم تهتم بما قيل لها من جانب المحللين السياسيين ومراكز البحث العلمي في الولايات المتحدة ، بل اعتمدت على صقور الحرب الذين صوروا المهمة على أنها سهلة جداً ، وبالتالي فرطت بإمكانية تكريس الاستقرار والسلام بعد إسقاط النظام الدكتاتوري المريع.

في نهاية هذه المناقشة بودي أن أشير إلى ثلاث ملاحظات ، وهي:
* كانت الحرب ضد أفغانستان مبررة من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لا بسبب امتلاكها للنفط أو عدم امتلاكها له ، بل لأسباب ثلاثة جوهرية ، وهي:

1- إنزال العقاب الصارم بنظام طالبان وتنظيم القاعدة لأنهما خططا ونظما ومولا ووفرا الجماعات المنفذة للضربة التدميرية التي وجهت في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 إلى الولايات المتحدة وراح ضحيتها أكثر من 2750 إنساناً بريئاً، ولكي لا يتجرأ آخرون على ممارسة ذات الفعلة. 

2- ضرب طالبان والقاعدة ، وهما تنظيمان يشكلان قاعدة أساسية للإرهاب الدولي من مواقع إسلامية سياسية سلفية وفاشية متطرفة.

3- كما أن أفغانستان تشكل ممراً مهماً لأنابيب النفط التي يراد إقامتها في آسيا الوسطى والتي بدأ العمل بها فعلياً حيث توجد هناك نسبة مهمة من احتياطي النفط العالمي المعروف تقدر كميته بـ 112 مليار برميل نفط.

* أخذ الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في أغلب خطاباته الأخيرة يركز على نقطة مهمة في أسباب هذه الحرب، وأعني بها قوله بأننا الآن في حالة هجوم على العدو الإرهابي خارج أرضنا، في حين لو لم تكن حرب العراق لكان علينا أن نكون في مواقع الدفاع ضد العدو وعلى أرضنا مباشرة. وعلى كل حصيف أن يفهم هذا القول الذي كرره خلال السنتين المنصرمتين أكثر من عشر مرات.

* إن الإرهاب الجاري في العراق والذي تنفذه قوى إرهابية متطرفة إسلامية وبعثية صدامية وبعض المليشيات المسلحة الطائفية التي تدعي النضال ضد المحتل ليست مشكلتها في واقع الحال مع الاحتلال ، بل تنبع في حقيقة الأمر من خشيتها القاتلة من التحولات المحتملة في العراق بالاتجاه الديمقراطي في العراق، إذ أن قوى الاحتلال ليست دائمة البقاء في العراق بل ستخرج قطعاً.

 

 

 

 

 

  الأسم:
  عنوان التعليق:
  نص التعليق:

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.