Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :18/11/2007 3:39 AM

أسير الحرية

 

رائد قاسم

تدمع عيناه، لا يتمكن من مقاومة حزنه الذي بدا يسري في أنحاء نفسه قبل عدة أيام، عندما ابلغه والده إن إجازته على وشك النفاد وان عليه العودة،  ادخل ملابسه في الحقيبة ووضع جواز سفره عليها ثم غادر سريعا.. تنفس الهواء بعمق.. تطلع إلى ما حوله  بسرور ... دخل محل لبيع الصحف، تصفحها بشغف ...هذه الصحف لن أرادها مجددا لأنها محظورة في وطني .. هذه الكتب لن أتمكن من قراءتها فهي ممنوعة لأنها تخالف الأخلاق والمثل العليا التي طالما لقنونا إياها في المدارس والمساجد ..

يتجول في نفق القطار السريع، يشاهد عازف كمان غمرت الابتسامة وجهه... يا ليتني كنت مكانه.. أفضل العيش بقية عمري في هذا النفق على أن أعود لنفق لا أمل في الخروج من ظلماته .. ما أعذب ألحانه.. ما احن ابتسامته.. ما أروعه وهو يضفي على الوجود من حوله أنغام الأمل والسعادة.. يستقل القطار، يتنزه في تلك الحديقة الضخمة.. لماذا لا توجد حدائق في وطني؟ حياتنا ليست سوى كتل اسمنت داكنة! حتى البساتين العيون تقلصت وأصبحت خرابا يجلب الحزن والكآبة..

.. يجول طوال يومه الأخير في أنحاء المدينة التي عشقها، في المساء يعود لشقته، يلمحه أصدقاء تعرف عليهم أثناء إقامته في مدينة السعادة.. في وطنه كان منعزلا عن الآخرين، كان يجد في كل زملائه بالجامعة وجيرانه وأصدقائها أشباه ونظائر.. لا احد يتميز عن الأخر بشي, كلهم سواء، جميعهم سيطر عليهم الزمن الرمادي الكئيب فحولهم إلى نماذج إنسانية ممسوخة.. يستقبلهم بشغف ، يعانقهم بفرح متطاير..

- ما بالك ؟ أين كنت في الساعات الماضية ؟

- كنت أحاول استنشاق عبير الحرية لتبقى في ذاكرة روحي أطول فترة ممكنة.

- لماذا؟ هل ستغادر؟

- لقد أمرني أبي بذلك وحجز لي على طائر الغد.

- إذن هيا بنا نقضي سهرة الوداع .

.. يتأملهم وهم يرقصون ويغنون، يتطلع إليهم وهم في هنائهم .. إنهم يمتلكون حريتهم... زمام أنفسهم. لا قيود تكبلهم... لا أغلال تسيطر عليهم.. ينظر إلى احدهم وهو في قمة ابتسامته وشغفه بالحياة.. إنه يذكرني بصديقي محمود، كان دائم التضجر ... اذكره عندما يتصل بي في منتصف ليالينا المعتمة ويقول لي هيا بنا إلى الحرية .. إلى الحياة الحقيقة... هنا لن تجد سوى البؤس .. إننا نعيش التعاسة والغباء.. إنهم يدمرون ما بقي من إنسانيتنا.. من وجودنا .. هيا إلى المكان الذي كانت تسبح في سماءه أرواحنا قبل أن تولج في أجسادنا التي كبلتنا بقيود الزمان والمكان ... فأجيبه: ولكننا سنعود ! فما جذوا ذلك؟ تعيش حريتك يوم أو يومين ثم ترجع لسجنك الكبير وحياة الموت التي تعيشها

- لا باس إنني اعتبر حياتنا الميتة بحرا، علينا أن نمكث فيه أطول فترة ممكنة ولكن لا بد أن نعود للسطح لنستنشق الهواء ثم نغطس مجددا!

 ..  ما أن نتجاوز نقطة التفتيش الأخيرة حتى يفتح صديقي نوافذ السيارة بأكملها!

- استنشق يا عزيزي هواء الحرية.. إن الهواء هنا مختلفا تماما عن ذلك القبر الذي نعيش فيه !

 نسير فرحين.. نتأمل الناس من حولنا فنراهم  سعداء... نتجول في السوق، نشعر إننا أحرار فعلا،  في أسواقنا نخشى من كل شي، من الشرطة والناس.. بل حتى من أنفسنا . نحس بأننا متهمون بل إننا فعلا ارتكبنا خطا جسيما ويجب عقابنا، وقريبا سوف يقبض علينا ! كأننا متهمون بلا تهمة ومدانين بلا جريمة !

.. أتذكر أن محمود كلم امرأة ! كان يسألها عن مكان معين في السوق فتلقى اهانة  من العيار الثقيل من زوجها الذي قال له بغضب : لماذا سالت زوجتي من دون بقية النساء؟ ولماذا تسال امرأة؟ اسأل رجلا أو ابحث عما تريد بنفسك !

.. أذكر انه قال لي ذات مرة إن أخته جلست في مقعد قيادة سيارته الجاثمة في أحد الشوارع الرئيسية فاحتشد الناس حولها! وجاءت الشرطة ولم تتركهم حتى كتبوا تعهدا بان لا تعود لمثلها أبدا!!

.. أتذكر أن عمتي تخرجت من الجامعة وحصلت على بعثة لأمريكا ولكنها عجزت عن توفير رجل يرافقها من أقاربها الذكور ولم يسمح لها والدها بالذهاب بمفردها، فأصيبت بانهيار عصبي واعتكفت في غرفتها لأسابيع حتى استسلمت للأمر الواقع في نهاية الأمر، لقد تزوجت بعد ذلك بسنوات فكررت محاولتها وتقدمت بطلب الالتحاق ببعثة أخرى فجاءتها الموافقة إلا إن زوجها رفض قائلا: لا يمكنني العيش في تلك البلاد، ولا احتمل أن أرى وجهك مكشوفا يراه الغادي والرائح! لا يمكنني أن أتخيل للحظة إن أستاذك رجلا وسوف يكون بينكما الكثير من اللقاءات! لا استطيع التصور انه سيكون لك زملاء من الذكور! دعينا نعيش في بلادنا المسالمة بقية أعمارنا وتركي عنك هذا الأمر فأنت الآن زوجتي وأمرك بيدي!

.. انتهت الحفلة التي استمرت حتى الصبح، ودع أصدقائه واحد تلو الآخر، تأملهم وهم يمضون سويا وأشعة الشمس تغمر الوجود من حولهم معلنة ميلاد يوم جديدة..

.. قلبه تزداد نبضاته والدموع تنهمر من عينيه بغزارة.. تنتابه رغبة شديدة بعض أصابعه.. قدماه  يبدو عليهما الاضطراب والهزال، تلمحه إحدى المضيفات.. سيدي هل أنت بخير ؟..

- شكرا لك .

- خلتك تحتاج لمساعدة ؟.

- كلا سأخلد للنوم وسأكون بخير.

.. النوم يريحه من الإحساس المؤلم  بالزمان والمكان، تتنقل روحه لتلك المدينة مرة أخرى .. يجد نفسه بين أصدقائه مجددا، يشعر بان الشقة التي استأجرها ملكا له ، ينظر نفسه وهو يتأنق ويتأمل وجهه في المرآة ثم يستقل القطار السريع لمركز عمله بوسط المدينة، هناك يلتقي بزملائه وزميلاته، يشعر بنشاط ورغبة هائلة في العمل، يجد نفسه يعيش حياة سوية طبيعية، في اقل قدر من التناقض والعبثية .. يشاهد الناس هم يحتفلون رقصا وطربا ويعبرون عن مشاعرهم بحرية..  يشاهد والده وأمه وإخوته وهم يضحكون،.. يلمح بعض الذين غادروا الحياة من أقاربه وهم يلوحون له بأيديهم وهالاتهم المشعة تضفي عليهم رونقا وبهاء.. فجأة يصعد إلى الأعلى . يهم بالصراخ  .. دعوني .. أريد أن أبقى هنا بقية عمري. إلى أين تاخدونني. أعيدوني إلى مدينة النور..

.. لا تتمكن المضيفة من ايقاضه، تستدعي أطباء المطار، يحاولون  إعادته إلى الوعي دون جدوى. هل توفي؟ انه حي ولكنه لا يستطيع الاستيقاظ... يحمل على عجل إلى المستشفى .. يتصلون بوالده فيأتي على عجل ..

.. دكتور ماذا حل بولدي؟

- قل لي هل هو مصاب بمرض نفسي أو جسدي ؟

- انه مصاب باكتئاب شديد ولكن حالته تحسنت كثيرا عندما سافر ، وانتظرت حتى قال لي الطبيب الذي يشرف على علاجه إن حالته تحسنت ويستطيع العودة.

- انه يسمعك ويسمعني الآن.

- ماذا ؟!

- انه يعرف ما يجري حوله بدرجة كبيرة.

- كيف ذلك؟

- انه خلل عجيب سببه حالة نفسية رهيبة.

- وماذا افعل؟

- سيموت خلال أيام قلائل، عليك أنت تجد له حلا سريعا.

.. لا أريد العودة..  إنني ارفض حياة الموت التي تعيشونها، أفضل القبر على أن أكون معكم في موتكم ! يا الهي لا تعدني إلى مدينة الموت، لا ترجعني للظلام، أريد العيش في الضياء..

-  استيقظ يا بني ، انك  في وطنك ، بين أهلكم وأحبابكم ..

- ما الفائدة أن أكون بين أناس موتى؟ حتى لو كانوا اقرب المقربين مني !

- لا جذوا من ذلك،  أعده إلى المكان الذي وجد فيه نفسه وإلا سيموت.

.. يستقل أول طائرة، يعيده إلى حيث شقته التي استأجرها له، يتصل بأصدقائه فيفدون على عجل..

- استيقظ أنت هنا مجددا.

- بني أرجوك افتح عينيك، اقسم لك بأنك لست في بلادك الكئيبة الموحشة، قم من نومك، أنت هنا في الحرية التي طالما حلمت بها.

..  اعرف يا بني إن حياتنا لا تروق لك، اعلم يقيننا بأنك ترغب العيش في دنيا أخرى ، اعرف يا بني إن حياتنا سخيفة ، لا طعم فيها ولا رائحة، مليئة بالأغلال والعقد ، منذ مئات السنوات ونحن لسنا سوى نسخ تعيسة من آبائنا وأجدادنا ، إن سادتنا ينجبون سادة مثلهم والعبيد ينجبون عبيد، اقر لك بأننا شعبنا ابعد ما يكون عن إنسانيته، اعترف لك بأننا نحن المرضى النفسيين، فنحن عبيد ونريد إن نبقى عبيد بقية أعمارنا، طالما مررت بصراع شديد في أعماق ذاتي، ولكنهم في النهاية سحقوا شخصيتي، حتى الصراع في داخلي  لم يعد له وجود، فغدوت مسيرا لا مخيرا، أصبحت جزء من المجموعة التي رسمت لي خط خامد لحياتي ومماتي، ليس لي الخيار في أي شي، عندما أنجبت أختك قلت أتمنى أن يكون لها مستقبلا مشرقا، فقال لي عمك انك لم تنجب! إن لم يكن لك ولدا ذكرا فأنت عقيم! فهذه الفتاة ستكبر وتتزوج وستكون أما لأولاد غيرك ليس إلا، لن تكون شي يذكر سوى كونها امرأة لن يسمح لها حتى بإبراز وجهها للآخرين ! إنها زوجة فلان، سيدها وولي نعمتها، فلا تتشبث بالوهم!

وفعلا هذا ما حدث ! ما إن أصبحت في العشرين من عمرها حتى تزوجت وانتهى أمرها، ولم يعد لها من نفسها أي خيار، حتى دراستها الجامعية تركتها منذ إنجابها طفلها الأول، إنه قدر الإنسان في بلادنا أن يكون نصف إنسان!

.. يفتح عينيه..  ينظر إلى والده وأصدقائه، يعانقهم بفرح., أحقا أنا هنا وليس هناك ؟

- أنت هنا وسوف تبقى هنا يا بني، إن هذا هو قدرك.

- أبقى معي يا أبي..أرجوك .. قل لامي وإخوتي يأتون إلى هنا.

- كلا يا بني، إن قدرك الحرية وقدري أن أعود إلى سجن كبير اسمه بلادي.. أنت أسير حريتك وأنا أسير حياتي المظلمة الكئيبة .

.. يغادر تاركا ولده أسير لحريته ..  ما أجمل أن يكون المرء أسيرا لما يحب، فحبه إياه ليس سوى أسرى في ظاهره وحرية عصماء في حقيقة الأمر.. فالحب ليس سوى مظهر من مظاهر الحرية وقمعه دليل على ممارسة الإنسان للاضطهاد ضد ذاته، فالنفس لها كل الحق في أن تحب وتحب... تغيب أضواء المدينة تماما.. حينها يتيقن بأنه عائدا لاستئناف رحلة حياته في الظلام مرة أخرى ....

 
كاتب سعودي - القطيف
البريد الالكتروني:

 

 

 

إشكالية قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي
الدين بين الوجدان والبرهان
هل السلطة شي شرير؟
أنا مسلم ولكنني علماني !
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (2)
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (1)
الإباحية الدينية
كل الجهات الأربع قطيف
لا يكفي هذا يا خادم الحرمين !!
الشعائر الدينية بين سلطة الدولة وحق المجتمع (عاشوراء نموذجا)
رجال الدين.. تبا لكم!!
دين الله أم دين الفقهاء؟
الهزيمة الحضارية للفكر الديني
أحلى وقت وأجمل صيف في ربوع بلادي!!!
جمهورية السراب
آهات قاتلة
الانترنت الديني..... قمع الحرف واضطهاد الكلمة
وطني .. آه يا وطني!
آمنت بكم يا رجال الدين!
المتمردة (قصة قصيرة)
أبو ذر الغفاري وعريضة الخمس في القطيف
أيها القرضاوي ما قلت إلا حقا !! .. ولكن
اعتقال في محراب الصلاة
المعمم الشيعي.... ضحية وجلاد
قناة التطبير الفضائية!
الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)
تحية إلى بزبوز ونذير وسلامة ووجيهة والى كل قلم حر في بلادي
الشيعي الجديد
شعوب ولاية الفقيه!
لا حرية في الحرية!
وجيهة الحويدر.. سيدة نساء هذا العصر!
عزيزتي المرأة... أرجو الإجابة!!
معجزة في العوامية !!
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية (2)
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية
رادود حسيني في مجمع السيف !
لا حرية في الحرية !
الثائر (قصة قصيرة)
فتاة القطيف والواقع المأساوي
فتاة القطيف.. عليك تحمل المسئولية !
نعم .. هذا هو الدين!
أيها الخطباء .. احترموا عقولنا!
الحمد لله: لقد دفعت الخمس !
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الثانية
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الأولى
القتيلة
زواج الأفاعي (قصة قصيرة)
الإمام علي .. ليبراليا عبر العصور
سلفيون ولكن !

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.