Untitled 1

 

2018/1/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :15/12/2007 9:52 AM

العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا

 

سعد الدين إبراهيم

في الأسابيع الثلاثة، من أواخر نوفمبر إلي منتصف ديسمبر، تجوّلت في سبع بلدان أوروبية وأمريكية (المجر، إيطاليا، بلجيكا، ألمانيا، اليونان، وكندا، والولايات المتحدة)، للمشاركة في مؤتمرات، أو إلقاء محاضرات. وصدق القول المأثور، "إن في الأسفار سبع فوائد". وهو ما يعني أنني في أسفاري إلي تلك البلدان السبعة قد جنيت تسعاً وأربعين فائدة! فما شاء الله، ورُب ضارة نافعة. فأولئك الذين أرادوا إخماد صوتي داخل مصر، ربما لم يدركوا، أن أرض الله واسعة، وأن سماواتها مفتوحة، وأن مياهها متدفقة، وأن أضواءها متلألئة!.

وفي كل هذه البلدان السبعة كبيرها وصغيرها التقيت مصريين وعرباً لاجئين، أو يعملون، أو يدرسون، أو يعبثون. وأتوقف في هذا المقال في احدي المحطات المهمة وهي إيطاليا، التي أصبحت ساحة حافلة بالحوار والجدل حول الشئون العربية والإسلامية والشرق أوسطية. وربما أكثر من أي شعب أوروبي آخر، يشعر الإيطاليون بعلاقة خاصة وحميمة مع العرب والمسلمين. وربما كان ذلك بسبب القرب الجغرافي، علي الشاطئ المقابل للبحر المتوسط. وربما كان بسبب التداخل الحضاري، الذي بدأ مع الإمبراطورية الرومانية قبل ألفي عام، واستمر عبر الإمبراطوريات الإسلامية والأوروبية المتتالية خلال تلك القرون العشرين. وقد شاركت إيطاليا، شأن دول أوروبية أخري في التجربة الاستعمارية الحديثة، وإن كانت أقصرهم جميعاً. فقد احتلت ليبيا والصومال، خلال فترة ما بين الحربين (1918- 1939). ولم يترك هذا الاحتلال آثاراً تذكر، إيجاباً أو سلباً. بل علي النقيض، انتقل مئات الألوف من الصوماليين والليبيين والآثيوبيين إلي إيطاليا، واستقروا في مدنها، واندمجوا في المجري الرئيسي للحياة فيها. وقد تكون من هؤلاء نواة بشرية شجعت غيرهم من الشباب العربي، الطامح أو الطامع أو اليائس، للهجرة إلي إيطاليا.

وسنة بعد أخري تضاعف عدد اليائسين بحثاً عن فرص للعمل والحرية علي الشاطئ الآخر للبحر المتوسط. وظلت إيطاليا هي المقصد الأقرب والأفضل. وتدريجياً، ضيّقت أوروبا الخناق علي الهجرة من الجنوب عموماً، ومن مصر "خصوصاً". وعرف العالم في السنوات الأخيرة ظاهرة "قوارب الموت". وهي تلك المراكب البدائية التي يستخدمها اليائسون من أي نقطة علي الشاطئ الجنوبي إلي أي نقطة علي الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط. ولكن أغلب هذه القوارب البدائية تغرق بمن عليها من بشر، في عرض البحر، ليصبحوا غذاء لأسماك البحر المتوسط.

ومع ذلك صادفت في إيطاليا عشرات من المصريين والعرب، الذين كانوا قد هاجروا بصورة شرعية منذ عقدين أو ثلاثة، أو بصورة غير شرعية منذ سنوات قليلة، بعد نجاتهم من "قوارب الموت". وقد أحرز أولئك وهؤلاء أقساطاً متفاوتة من النجاح. ومن المهاجرين المبكرين الذين أبهروا المجتمع الإيطالي الصحفي المصري "مجدي علام"، والذي شق طريقه إلي أن أصبح رئيساً لتحرير كبريات الصحف اليومية وهي "كوراييرا دي لاسيرا". وهو أول إيطالي من أصل أجنبي يحرز هذا السبق. وأصبح المصري الإيطالي مجدي علام، أحد النجوم اللامعة في الحياة الثقافية الاجتماعية. وهو مشارك دائم في كل المنتديات العالمية التي تعقد في إيطاليا. لذلك كلما دُعيت أنا لمؤتمر في روما، فإنني أراه، وأستمع إليه، ويزداد إعجابي بوضوحه الفكري، وعقلانيته، وقدرته علي تفسير ما يصعب علي الإيطاليين استيعابه من أحداث مصرية وعربية وشرق أوسطية. ولا يُخفي الإيطاليون إعجابهم بمجدي علام. وحينما يصادفون أي زائر مصري إلي بلادهم، فإنهم يسارعون بسؤاله عما إذا كان يعرف مجدي علام. وطبعاً ينطبق علي مجدي علام في مصر القول المأثور "لا كرامة لنبي في أهله"، أو "شاعر الحي لا يُطرب". إن الإيطاليين يشعرون مع مجدي علام، بنفس الفخر الذي يشعر به البريطانيون مع الجراح المصري الأشهر مجدي يعقوب، والذي يشعر به الأمريكيون مع العالم المصري، صاحب نوبل أحمد زويل. ففي هذه المجتمعات الديمقراطية المفتوحة تتفتح كل الزهور، حتي لو كانت بذورها وجذورها من بلدان أجنبية أخري.

كذلك من المصريين الناجحين الذين صادفتهم في روما، جميل عادل سليمان، صاحب ومدير مطعم "الحديقة الرومانية" (ILGIRDINO ROMANO)، وهو من أشهر مطاعم العاصمة الإيطالية، وشريكه مدحت سليمان. وتعتبر الدعوة للغداء أو العشاء فيه تكريماً شديداً لأي ضيف من الخارج. لذلك يتعمد منظمو المؤتمرات أن يجعلوا العشاء الأخير للمشاركين في "الحديقة الرومانية". ولدي دخولنا المطعم الأنيق قابلني وجه مبتسم، بدا عليه أنه شرقي، وبادرني بالسؤال بلهجة مصرية، "هل حضرتك د. سعد الدين وهبه؟" فابتسمت وقلت له "البقية في حياتك، فقد انتقل سعد الدين وهبه إلي رحمة الله منذ أكثر من عشرة أعوام...!". فقال "عفواً... أقصد د. سعد الدين إبراهيم" فرددت بالإيجاب، وعبّر الرجل عن سعادته، وأنه كثيراً ما يراني علي الفضائيات. المهم، إن جميل عادل سليمان، كان يعود إلي مائدتي، بين الأطباق المختلفة ليتحدث معي لدقائق... ومن هذه الأحاديث تجمعت تفصيلات قصة حياته. فهو خريج كلية الزراعة، وعمل في الحكومة لمدة سنة واحدة، شعر فيها بضيق شديد لضعف الراتب، والبيروقراطية وتسلط الرؤساء، وكان ذلك منذ ثلاثين عاماً. فغامر بالسفر إلي إيطاليا... وعمل في مطاعمها، بدءاً بأدني الأعمال، وهو غسيل الصحون، إلي تنظيف الموائد، إلي الخدمة في المطبخ، إلي تعلم طهي الأطباق الإيطالية، إلي أن أصبح رئيساً للطهاة (شيف)، ثم شريكاً في مطعم، ثم صاحب هذا المطعم الشهير في قلب العاصمة الإيطالية. ويعمل مع جميل سليمان وشريكه مدحت سليمان في الحديقة الرومانية أكثر من عشرين شخصاً، نصفهم من المصريين. وهو فخور بهم لجدهم واجتهادهم، وسرعة التقاطهم لمهارات العمل، وهو يساعدهم ويشجهم علي أن يستقلوا بملكية أعمالهم الخاصة. ويقول جميل أن آخرين ساعدوه في حياته، وهو يفعل نفس الشيء للآخرين، كلما استطاع إلي ذلك سبيل. فهو "جميل ويرد جميل الآخرين!".

كان أحد المؤتمرين في روما عن "الإرهاب"... وهو أحد الموضوعات التي تكثر حولها المؤتمرات في السنوات العشر الأخيرة، وخاصة بعد تفجيرات مركز التجارة العالمي، في نيويورك (11 سبتمبر 2001). وقد شارك في المؤتمر كل مراكز الأبحاث الأوروبية الشهيرة... وقد خصص يوم كامل "للإرهاب ووسائل الاتصال الحديثة".

ومن ذلك الاستخدامات المبهرة "للمتطرفين الإسلاميين للإنترنت"، وخاصة تنظيم "القاعدة"، الذي يتزعمه المنشق السعودي أسامة بن لادن، ونائبه المنشق المصري أيمن الظواهري.

وكما لو كان ابن لادن يعلم موضوع وتوقيت ومكان المؤتمر، حيث تعمد أن يعلن من خلال شبكة "الجزيرة"، أنه سيوجه رسالة إلي أوروبا، يوم 28 نوفمبر 2007. أي في اليوم الأول للمؤتمر. وترقب السياسيون والباحثون والأجهزة الأمنية الأوروبية والعالمية الموعد، والتقطوا الرسالة باهتمام شديد، وتولوا ترجمتها وتحليلها وتفسير مغزاها. وطغي هذا الحدث في ذلك اليوم علي كل أعمال المؤتمر. فكان ابن لادن شريكاً رئيسياً بالفعل. كانت رسالة بن لادن لأوروبا هي: أيها الأوروبيون، إننا لا نعاديكم، ولكن نعادي مصدر الخطر الأعظم في العالم. وهو أمريكا... فلتبتعدوا عن أمريكا... ولتسحبوا قواتكم من أفغانستان، حتي يستطيع شعبها الفقير أن يعيش في أمان". واعتبر المحللون الأوروبيون، وخاصة من وزارة الدفاع الألمانية، وجامعة كمبردج البريطانية، أن رسالة بن لادن، بصرف النظر عن صدقها أو إخلاص صاحبها، هي عمل إعلامي ذكي. فقد استحوذ علي اهتمام العالم في تلك الدقائق، كما لا يستحوذ أي شخصية سياسية، بما في ذلك الرئيس الأمريكي أو أي رئيس دولة آخر. وهو (ابن لادن) وجه رسالة خصّ بها الأوروبيين، في محاولة واضحة لشق الصف الغربي. وهو ثالثاً، حاول استدرار العطف العالمي لشعب أفغانستان المسكين في مواجهة قوي أجنبية جبّارة.

في مقابل هذه الرسالة عرضت د. كاترينا فون نوب، فيلماً وثائقياً تحليلياً لرسائل بن لادن والظواهري، الموجهة للشباب المسلم، سواء من أعضاء القاعدة، أو الذين تحاول القاعدة تجنيدهم وتدريبهم علي القتال وأساليب التدمير، وكيفية تعبئة هؤلاء الشباب لكراهية الآخر غير المسلم، ثم لكراهية المسلمين الآخرين الضالين، سواء كانوا حكاماً أو محكومين، وضرورة الفتك بهم، تلبية "للفريضة الغائبة"، وهي فريضة "الجهاد". أي أن الباحثة الألمانية الحسناء، التي تجيد العربية الفصحي، واللهجات العامية المصرية والفلسطينية، واللبنانية، والتي تخصصت في دراسة التطرف والمتطرفين الإسلاميين، أرادت من خلال عرض ورقتها وأفلامها أن توحي للمؤتمر برسالة أخري، وهي أن هؤلاء المتطرفين، هم أولاً، ذو مهارات اتصالية هائلة، بما في ذلك مهارتي الدهاء والخداع وأنهم، ثانياً، ذوي نوايا وتصميم هائل علي المواجهة. وأنهم، ثالثاً، ذوي قدرات قتالية وتدميرية عالية. وإنهم، رابعاً، لا يعرفون الرحمة أو الشفقة بخصومهم وأعدائهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. بل إن الشاهد هو أن ضحايا إرهاب تنظيم القاعدة من المسلمين في السنوات العشر الأخيرة يفوق ضحاياها من غير المسلمين بخمسة أمثال. وقد امتد إرهابها من بالي الإسلامية في إندونيسيا إلي مالي الإسلامية في غرب إفريقيا.

وهكذا، في زيارتنا لإيطاليا، رأينا مشاهد متباينة ومتناقضة للعرب والمسلمين. بعضها تجسمه قوارب الموت لليائسين، وبعضها تجسمه رسائل الجهاد والقتل والوعيد للغاضين، وبين هذا وذاك سعي دؤوب لحياة كريمة للمجتهدين. فسبحان الله أرحم الراحمين. 

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.