قول الله سبحانه وتعالى (وقضى ربك إلا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، تهتز المشاعر وتقشعر الأبدان ونحن نسمع هنا وهناك قتل الوالدين بدم بارد وتحت ظروف مختلفة فتارة بدعوى التشدد وتارة بدعوى تأثير المخدرات والمسكرات وتارة أخرى بدعوى البطالة والقهر واليأس.
وأتساءل كما يتساءل القارئ ماذا حل بنا؟ ولماذا وصلنا إلى هذه الحال؟ أتاني رجل بالغ عاقل اعرفه عن كثب، معتدلا في كل شيء محافظا على أبناءه وبناته، محبا لوطنه ولكنه سئم الحياة ويقول (إذا قتلني ابني فهو على حق فلقد كذبت عليه) وهذا ما استطاع البوح لي به:
يقول صاحبي نشأت في بيت صالح وتربيت تربية حسنة وأحببت الله ورسوله وأحببت وطني كثيرا. نشأت على الفطرة حيث لا إعلام ولا صحافة. معلمي رجال القرية وخطيبها، تعلمت القيم النبيلة واحترام الكبير وصلة الرحم والجار وتعلمت معنى الشرف والغيرة على الدين والمحارم والوطن، لا أعرف المناطقية أو المذهبية أو العنصرية القبلية. تعلمت وأنا صغير (من جد وجد ومن زرع حصد) وقول الشاعر: من طلب العلا سهر الليالي!!
يقول صاحبي إنه اتبع ما تعلم وحقق نتيجة ممتازة في كافة مراحل التعليم، وانتقل إلى إحدى المدن الكبيرة لينضم مع زملائه إلى بعثة خارجية، صدم بالنتيجة فقد أخذ الأضعف وترك المتفوق .. حاول معرفة السبب وأخيرا اهتدى إليه، إنها (المحسوبية، والعنصرية البغيضة)، تساءل ماذنبي؟ ولماذا يضيع تعب السنين لأني (انتمي إلى أولئك القوم).
وماهو ذنبي؟ لماذا أدخلني والدي المدرسة وهو يعلم أن هذا مصيري؟ لماذا لم اترك لحالي أرعى الغنم والإبل وأعبد الله حتى يأتيني اليقين؟ ولكني لم أتجرأ على معاتبة والدي!!
يقول: كتمت غيظي، وذهبت إلى منطقة نائية وحاولت تجاوز الصدمة وأن أرضى بما قسم الله لي، كونت مبلغا من المال وهاجس العلم يراودني فسألت هنا وهناك وقالوا، اذهب وإذا حققت كذا ساعة بنجاح تستطيع الانضمام للبعثة الحكومية!!
فذهب صاحبي وسهر وكافح وحقق نتيجة ممتازة وقدم أوراقه وكانت نفس اللعنة تلاحقه، بكى وقرر العودة، ولكن عزيمته كانت اقوى فتحدى الصعاب وعمل في المطعم والفندق ومحطة الوقود حتى حصل على الشهادة، وعاد للوطن مرفوع الرأس، عمل في وظيفة مناسبة تزوج وكون أسره وترعرع أبناءه وبناته وكان يربيهم ويعلمهم نفس المبادئ التي تربى عليها ويعلمهم حب طلب العلم وان الوطن لاتقوم إلا بسواعد أبنائها!!
يقول: كان هنالك صراع داخلي مع نفسي، هل أقول لأبنائي وبناتي معاناتي؟ أم اسكت عسى أن تتبدل الأمور؟
كان صاحبي محبوبا وذو علاقات طيبه في مدينته وفي ليلة ممطرة طرق شخص بابه فخرج فإذا هو رجل لايعرفه! سلم عليه وقال له أنا المسئول الفلاني، مبروك لقد اخترناك لمركز (.....) فأنت كفؤ لهذا المنصب، وعليك إنهاء إجراءات التعيين غدا.
وبدون تأخير، كاد أن يطير من الفرح وصلى ركعتين وجمع الأبناء والبنات وبشرهم بهذا الخبر ويقول (قلت يا أبنائي سيروا في طريق الخير، واطلبوا العلم واخدموا وطنكم وكونوا جنودا أوفياء في كل مكان وعيون ساهرة ولا عليكم من بعض التصرفات ممن لايحترم واجبات الوظيفة ويعمل لمصالحه الخاصة فهو لايمثل الا نفسه.
وماهي إلا ثلاثة أيام إلا وصاحبي قد أنهى كافة مسوغات التعيين وهو ينتظر المباشرة في أية لحظه ووعد الأسرة بوليمة دسمة.
يقول صاحبي: وبعد أسبوع تقريبا أتى الاتصال المشئوم من المسؤول نفسه قائلا اسمح لنا فالأمور لم تأت على الكيف.. ملفك رجع ومكتوب عليه عبارة (يستبعد....لأنه ينتمي إلى أسره ... جذورها في)...
تجرع الحسرة وسال الدمع على خديه وقال لماذا ضاق علي هذا الوطن؟ لقد أحببته، وعملت من اجله، ودفنت الآباء والأجداد في أرضه، ويقول لازلت أردد مقولة الشاعر بلادي وان جارت علي عزيزتا.....الخ
ويقول صاحبي ماذا أقول لأبنائي وبناتي؟ هل أصارحهم بهذه اللعنة التي تطاردهم مهما عملوا ومهما تعلموا؟ هل اذهب للأحوال المدنية وأغير الاسم الأخير؟ ماذا يقال عني؟ تبرأ من أهله من اجل لقمة العيش؟ لا. عيب! أم استمر بالآهات والكذب عليهم؟ إنني أمر في صراع صعب.
يقول تخرج الأبناء والبنات ولم يحالفهم الحظ في القبول أو الوظيفة وبدأ الولد الكبير يأخذ منحنى خطيرا نتيجة الفراغ واليأس وأصبحت البنات حبيسات المنزل بلا عمل وبلا دراسة، ويقول ابكي داخليا وأنا أرى هذه العيون الدامعة أمامي والمشاعر المكسورة.
وفي ليلة من الليالي حضر الابن الأكبر (ثملا) فمسكه صاحبي بغضب وقال: وأخيرا تأتي بهذه الحالة يا(....)؟ فصرخ الإبن في وجهه قائلا: لقد نفذت كل ما طلبت، وهذه شهاداتي وشهادات أخواتي أمامك ماذا نفعل؟ أين مواعيدك لنا؟ أين المستقبل الذي كنت تمنينا به؟ انظر لفلان اقل مني مستوى وقد توظف وتزوج، سمعت؟ لماذا أتعبتنا بالدراسة وأوصلتنا إلى هذه الحال؟؟ لماذا انجبتنا؟ فارق عني بس!!
يقول صاحبي رأيت الشر في وجه ابني وخفت من شروره بعدما سمعت قتل الاباء والأمهات ولهذا اعترفت له غصبا عني فجاوبته قائلا: سامحني يابني!! لقد كذبت عليك والسبب هو حبي للوطن والعيش على أمل!! ولكن أنت الآن هكذا!! لأني أنا والدك وأبوي جدك ولقد مررت بنفس الحالة قبلك قبل ثلاثين سنة ولكن لم اتجرأ ولم أتصور أني سوف أعاتب والدي على إنجابه لي!! ولتعلم ان مبادئىء لم تتغير وان حب الوطن في عروقي وإنني أتعذب معكم ليس من اجل ذنب اقترفته، ولكن من شأن اسمي الأخير لا بارك الله فيه!!
وعندما أصبحت الحالة كذلك وتغير الزمن وتجرأت بهذه الوقاحة وعاتبتني فسوف اعترف لك بأنني كنت اكذب عليك لان مايحصل على ارض الواقع غير ماتعلمناه في كتب الأحاديث والقرآن والمدرسة ومجالس الصالحين وكنت أظن بأنها ستصلح الأمور على جيلك!!
والآن اتضح لي أن مقولة من طلب العلا سهر الليالي كنت فاهمها بالمغلوط، فالسهر مع الشلة ومعرفة المسؤول والتملق إليه هي شهادتك المرموقة وان الجد والاجتهاد لن ينفعك في فصول الدراسة إذا كنت تنتمي إلى عائلة (......) ولذا لك الخيار: إما سامحني لأني كذبت عليك!! أو اقتلني! أو أبحث لك عن وطن!!
ذهلت لما سمعت والتفت الى صاحبي ولكنه خرج مطأطئ الرأس وهو يردد (تموت الأسد في الغابات جوعا ولحم الضأن تأكله الكلاب).
وأنا لازلت مترددا في تصديق رواية صاحبي فهل صدقني؟ أم انه مبالغ فيما قال؟ اترك الإجابة للقارئ!! تحياتي. |