Untitled 1

 

2018/4/27 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :1/1/2008 3:56 PM

الثائر (قصة قصيرة)

 

رائد قاسم

يجلس باضطراب في عيادة أمراض الغدد، فاليوم ستظهر نتيجة التحاليل التي أجراها قبل مدة.. هذا النهار سيكون حاسما لأشهر من السقم والمعاناة، لم يكن يعرف خلالها طعم النوم... الآم شديدة في الرجلين واليدين.. صداع حاد.. تعرق مستمر ونقص في الوزن ..

- يا ترى ما الذي اعترى هذا الجسد ؟ لم أسافر للخارج ولم أمس امرأة غير زوجتي قط ! ..أدعو الهن أن لا يكون مرضي خطيرا فأبنائي ما يزالون صغارا..

... تناديه الممرضة... يسير بخطوات متأنية نحو العيادة ونبضات قلبه يكاد يسمعها من حوله ! وكأنه بدا زاحفا على رجليه من الخوف.. ينظر إليه الطبيب بحزم وهو منهمكا في قراءة ملفه... يلقي الملف على الطاولة ثم يخاطبه بلطف...

- كيف حالك اليوم ؟

- بخير.. ولكن لم استيقظ من النوم إلا وأنا متعرق بشدة.

- لا تقلق ستختفي هذه الأعراض خلال أيام.

- أتمنى أن لا تكون نتيجة التحاليل المخبرية سيئة.

- في الحقيقة إنها اكبر من أن توصفها بذلك.!
 .. يقف مذهولا...

- ماذا تقصد يا دكتور؟

- أنت مصاب بالسرطان.

- ماذا؟

- وقد استشرى في معظم أنحاء جسدك.

- ماذا تقول؟

- أنا آسف ولكنها الحقيقة، لا يمكنني أن اخفي عليك امرأ خطيرا مثل هذا.
.. لا يستطيع التحكم بنفسه ... يستلقي على الكرسي منهارا... يطلب له الطبيب كوبا ما الماء ومنشف لامتصاص عرقه الذي تدفق بغزارة من جبينه..

- لا يعقل.

- أنا آسف ولكن يجب أن أخبرك بالحقيقة.

- (والدموع بدأت منهمرة من عينيه) وكم سأعيش؟

- ليس أكثر من سبعة شهور فقط.

- يا الهي سبعة شهور فقط تفصلني عن القبر والموت وعالم الروح.

- سأزودك بأقراص تخفف عنك معظم ما تعانيه حاليا.

- الأهم منها تزويدي بدواء يخفف عني الألأم الرهيبة التي سوف أتعرض لها قبل خروج روحي من جسدي.

.. يخرج مثقلا بالهموم وقد تمكن منه اليأس ... تلقاه زوجته... تسأله عن نتيجة فحوصاته، يطمئنها بأنه إرهاق شديد وقد حصل على إجازة  للراحة والاستجمام .. يجلس على أريكته بهدوء ... يتأمل أطفاله وهم يشاغبون وأمهم تصرخ فيهم شتما وتشبعهم ضربا...

- أحبائي بعد أسابيع قليلة لن أكون بينكم.. سأشتاق إليكم يا ثمري من الدنيا، يا كل حياتي ووجودي وميراثي......  يتنزه قليلا . يتأمل الناس والوجود من حوله..

- عمري الآن خمسة وأربعين سنة، ما زليوما، ولكن ما الذي فعلته خلال سنوات حياتي؟ لا شي؟ عشت خاضعا ذليلا للسلطة، لم اعترض يوما، وكان كل ما أريده هو العيش بالسلام، في ظل هذه النظام المستبد، وتحت حكم هذه العادات والآفات التي سخرت لخدمة الذئاب الذين ينهشون في إنسانية الإنسان في بلادي.. عشت أنسانا بائسا طوال هذا الوقت، كنت اعترض في داخلي ولكن لم يحدث أن أظهرت رأيا يسجل موقفا يحسب لي.. لم اقل للطواغيت من حولي لا... وها أنا أموت كما عشت.. لم يبقى من عمري إلا القليل ... أنا ميت على كل حال.. فلما لا اخلع رداء الذل والخضوع؟...

لما لا أعيش بقيتي القليلة حرا كريما أبيا كما خلقني الله؟ ... ما قيمة حياتي الماضية وأنا خانعا خاسئ؟ لم أكن سوى طاغوت صغير، أذيق من حولي ما أذوقه كل يوم من كاس الذل والهوان...
يا طغاة بلادي لن اسكت عن ظلمكم وجوركم واضطهادكم لي ولبني جلدتي بعد اليوم... سأقول كلمة الحق والصدق والوفاء لدماء شهدائنا الذين ضحوا بحياتهم في سبيل العزة والكرامة..

لن ادفن راسي كالنعام ولن أنوء كالقطط ولن انبح الكلاب ولن أنهق كالحمير! بل ساشدوا كالعصافير في أعشاشها والبلابل في بساتينها... ساغني أغنية المجد والعنفوان وأرتل ترانيم الرحمة على أرواح الشهداء، فان اخفتوني بالموت فانه غايتي ومنيتي وقدري، فلما أخشى منه ؟

أن أموت وأنا شهيد على درب الحق ، حياة لي ولشعبي، وحياتي موت في ظل أعاصير طغيانكم وعهركم.. ليس سوى موت الموت أن أحيى كالأغنام وأنام كالدجاج واذبح كالكبش في مجزرة العار. - يمسك بالقلم ... أخيرا يا قلمي ستغدو حرا طليقا.. أخيرا ستكتب ما اكتنزته في أعماق ضميري ، لن تعود تلك الذات الخاضعة ... كنت خلال السنوات الفائتة كائنا تافها ليس لك قيمة، أما الآن فسيكون لك شان عظيم.. حبرك بارود لثورتي المستعرة .. بك سأقول للكبرياء من الذي يحيط بي ..لا .. بك سأوقد شمعة الكرامة في وطني السليب ... بك سأكتب الكلمة التي غيرت وجه العالم.. لا... فهذه الكلمة المكونة من حرفين هي بداية طريق المجد.. مقدمة ثورة النور ضد سلطة الظلام ... إنها الكلمة الأولى التي تنطق بها الشعوب في مواجهة سالبي حقها في الحرية والكرامة... لا .. انطلقي في بلادي وأيقظني النفوس والعقول وانفضي عن الأعين غبار الهزيمة والاستسلام.. لا.. أنت ديباجة ثورة الشعوب والأمم ضد البؤس والتعاسة ..

يكتب ويكتب ويكتب ... تنتشر كتاباته في كل مكان.. يخرج للشوارع والطرق.. يخطب في الحشود .. يطالب الجماهير بان تقضي على الاستبداد في أعماقها.

- انفضوا عن أرواحكم غبار الخضوع وذل الهزيمة وعار الاستسلام ... أيها الرجال عيشوا الحرية ومارسوها في داخل أنفسكم ومع زوجاتكم وأطفالكم..

- ينظر إلى النساء .. أيتها المرأة المكبلة المحاطة بالسن اللهب المشتعلة... أطفئ هذه القيود .. أنت من اليوم حرة كريمة أبية .. أيتها النساء انتن نصفنا البائس الحزين، علينا إن أردن الحرية والنجاة من هول ما نعاني منه أن نحرركن من سلطتنا الغاشمة... كيف نطالب بالكرامة ونحن لسنا سوى طواغيت في بيوتنا؟

كيف نطالب الآخرين بحقوقنا ونحن أيضا نسلب من هم اضعف منا حقوقكم ؟ أنا معكن وأقدم روحي فداء لإنسانيتكن المشنوقة منذ مئات السنين وما زالت تتأرجح على المقصلة بانتظار بت الحياة فيها من جديد .. أقول لكن تحررن من كل القيود ... عيشوا حياتكن كما تردن... لا تخشين أحدا بعد اليوم... إن حياتكن هكذا ليست سوى موت.. إنكن تعشن في قبر كبير.. تحررن.. انطلقن.. أيها الرجال إن أردتم استعادة حريتكم فحرروا نسائكم لان الحرية لم ولن تكون لكم وحدكم، فهؤلاء النسوة هن شركائكم في المصير وقدركم الذي لا مفر منه ؟

... خطبه تستعر، تبث في الجماهير روح النصر،  شهرته تبلغ الأفاق، وكأنه مارد استيقظ من سبات طويل... يعترضه جلاوزة السلطة.. تدافع عنه جماهيره العاشقة للكرامة ... رجالا ونساء يذودون عنه بأجسادهم... أفديكم بروحي .. لو كنت امتلك آلاف ألأرواح لوهبتها لكم جميعا أيها الشعب النبيل.  إني أرى فيك رجالا ونساء تعاضدوا فيما بينهم، جمعتهم إنسانيتهم وإيمانهم بالخالق العظيم  لتحقيق الهدف السامي من حياتهم بل ووجودهم  ككائنات بشرية تلهج بذكر رب الأكوان سبحانه وتعالى ..نعم إنكم طلائع الغد.. معالم النور .. شموع في ليلي بلادي الحالك.. أقمار ستنير سمائنا المظلمة عما قريب...

... تمر به الأيام والليالي وهو في سجنه .. يعذب عذابا شديدا.. فلا يأبى ... يهدد بالموت فلا يبدوا عليه أي مؤشر للتراجع والاستسلام..

- إن لم تعترف بكل شي سأقلع عينيك من مكانهما وسأرمي بك في منطقة نائية، ألا تفضل الموت على أن تقضي بقية عمرك هكذا.. ..

... يضحك رغم الألم .. رغم الجراح... يقول في أعماقه: أن عمري لم يبقى فيه إلا القليل.. لقد انقضت السبعة أشهر التي تحدث عنها الطبيب وسوف أموت عما قريب.. بعد أيام قلائل سوف أغذوا حرا طليقا للأبد..

- اعترف إلى أي تنظيم تنتمي؟ اعترف من هم شركائك؟ ... يصمت ببرود  رغم الضرب المبرح ..

- ملفك ناصع البياض فيما مضى وحتى وقت قريب، لم ترتكب أية مخالفات، كنت مواطنا صالحا ، ما الذي غيرك فجأة؟

- تكلم ..

ألا انه يظل صامتا..

- حسنا سأعيدك إلى سجنك ، الويل لك!  أشهر من التعذيب وما زلت تلتزم السكوت، وكأنك ترجوا الموت بل وتترقبه في كل لحظة، ولكني لن اسمح لك بان تموت، عشت طوال عمرك تحت أمرنا وسلطاننا ولن تموت إلا وأنت خاضع لنا أيضا، هذا هو قدرك..أن تعيش عبدا وتموت عبدا... خذوه إلى المشفى ، ستذهب للعلاج وبعدها سأرميك في قبو مظلم لتقضي فيه بقية عمرك ..

- يبتسم في وجهه قائلا: لقد عشت خمسة وأربعين عام في ظلام سلطتكم أما اليوم فانا حر وان كان جسدي تحت سياطك إلا إن روحي وعقلي وضميري ووجداني وكل جوارحي حرة تسبح في الفضاء الواسع الجميل، ولن تتمكن مهما حاولت أن تخضعها ، أما هذا الجسد  فليس سوى اله بيد روحي ، وان إنسانيتي ووجودي وكرامتي وحريتي متعلقة بها لا به.. 

... ياخذه الجلاوزة  للمستشفى، هناك يتلقى العلاج من آثار التعذيب الرهيب.. يقع في غيبوبة .. يتولى علاجه طبيبه السابق، يقوم بفحصه وهو يتحدث مع أطباء آخرين.. لقد أخطئت في تشخيصي السابق لهذا المريض، لقد أعدت إجراء فحوصات مخبريه له وكانت سلبية ، لقد أخبرته قبل ثمان شهور بأنه مصاب بالسرطان ، بيد انه  في الواقع   مصاب ببعض التضخم في الغدد ليس إلا..

..يفتح عينيه .. يشاهده أمامه والابتسامة تغمر وجهه...

- أهلا بك.. أخيرا استيقظت..سأقول لك كلاما سيغير مجرى حياتك، أبارك لك لقد اتضح بأنك لست مصابا بالسرطان

وكل ما كنت تعاني منه مجرد التهابات بسيطة في الغدد ..

- مستحيل. لا يعقل .. هل تعني باني لن أموت؟

- بالطبع ستعيش سنوات وسنوات.. ما زلت شابا.. عليك فقط الراحة وسيكون كل شي على ما يرام !! يأخذه الجلاوزة للسجن مرة أخرى .... يضرب ويعذب ثم يرمى في زنزانة بائسة موحشة ....

- ماذا افعل الآن؟ هل اعترف لهم بان ما كان مني ليس سوى شعور كل مواطن يعيش تحت رحمة سياطهم، ولو كان كل مواطن يعرف خاتمته لقال كلمة الحق فيهم وأعلن ضدهم ثورته ! ..

لقد عشت سنوات عمري كلها وأنا ذليل خانع وكنت احسب أن نهاية عمري قريبة فقررت أن أقول الكلمة التي أملاها علي ضميري وأمرني بقولها وفاء لتضحيات الجنس البشري على مر التاريخ، ولكن الآن اتضح لي أن مرضي ليس سوى وهم ! فهل أعود لما كنت عليه مرة أخرى؟ هل أقدم لهم آيات الخضوع واعزف سيمفونيات الولاء؟ هل اقبل أيديهم ليفرجوا عني وأعود إلى عملي وبيتي وأطفالي ولأمارس حياتي الكئيبة الرتيبة بقية عمري؟ هل اقبل أرجلهم  حتى أعود عبدهم المطيع؟ هل أتعهد بان لا انطق ببنش كلمة حتى أوارى في قبري؟ هل أعاهدكم على الطاعة لأصبح مجرد ماعز على هيئة  مخلوق بشري ، ياكل وينام ويشرب وأسياده من حوله يتحكمون  بمصيره وإرادته وحياته ، فان شاءوا أبقوه وان شاءوا نحروه وان ظل عن الطريق أكلته الذئاب؟

... السياط تعود لممارسة عملها في انتهاك آدميته.. الجلادون يستلدون بلعق دمه الذي يسيل في حفلاتهم السادية ... المحققون ينتشون عندما يسمعون صرخاته ... زوجته وأطفاله في بكاء سرمدي ... محبيه وأنصاره لا يكفون عن الدعاء له... تتوقف السياط لتعلن انتهاء حفلة الألم.. تسكن جوارحه ليفوز بالكرامة والعنفوان والحرية... لقد وهبت حياتي من اجل أن تحيا بها حياتكم فحافظوا عليها فهي امانة عندكم وهي كل ما تمتلكون حتى يتحقق النصر القادم من آهات الألم والأمل والدم .

 
كاتب سعودي - القطيف
البريد الالكتروني:  

 

 

 

إشكالية قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي
الدين بين الوجدان والبرهان
هل السلطة شي شرير؟
أنا مسلم ولكنني علماني !
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (2)
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (1)
الإباحية الدينية
كل الجهات الأربع قطيف
لا يكفي هذا يا خادم الحرمين !!
الشعائر الدينية بين سلطة الدولة وحق المجتمع (عاشوراء نموذجا)
رجال الدين.. تبا لكم!!
دين الله أم دين الفقهاء؟
الهزيمة الحضارية للفكر الديني
أحلى وقت وأجمل صيف في ربوع بلادي!!!
جمهورية السراب
آهات قاتلة
الانترنت الديني..... قمع الحرف واضطهاد الكلمة
وطني .. آه يا وطني!
آمنت بكم يا رجال الدين!
المتمردة (قصة قصيرة)
أبو ذر الغفاري وعريضة الخمس في القطيف
أيها القرضاوي ما قلت إلا حقا !! .. ولكن
اعتقال في محراب الصلاة
المعمم الشيعي.... ضحية وجلاد
قناة التطبير الفضائية!
الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)
تحية إلى بزبوز ونذير وسلامة ووجيهة والى كل قلم حر في بلادي
الشيعي الجديد
شعوب ولاية الفقيه!
لا حرية في الحرية!
وجيهة الحويدر.. سيدة نساء هذا العصر!
عزيزتي المرأة... أرجو الإجابة!!
معجزة في العوامية !!
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية (2)
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية
رادود حسيني في مجمع السيف !
لا حرية في الحرية !
فتاة القطيف والواقع المأساوي
فتاة القطيف.. عليك تحمل المسئولية !
نعم .. هذا هو الدين!
أسير الحرية
أيها الخطباء .. احترموا عقولنا!
الحمد لله: لقد دفعت الخمس !
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الثانية
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الأولى
القتيلة
زواج الأفاعي (قصة قصيرة)
الإمام علي .. ليبراليا عبر العصور
سلفيون ولكن !

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.