قرأت مقالين متتابعين في أسبوع واحد عن تركيا، الأول بقلم الأستاذ الكبير فهمي هويدي في ثلاثاء الأهرام، والثاني للدكتور عمرو الشوبكي في خميس "المصري اليوم"، والمقالان يثيران الشجون واللوعة والأسي، كما يكشفان عن بعض الحقائق المجهولة عن هذا البلد.
وكنت في أعقاب اكتساح حزب "العدالة والتنمية" الانتخابات العامة قد كتبت في هذه الصحيفة مقالين مطولين بعنوان "درس من تركيا"، ولكن لا بأس من الكتابة للمرة الثالثة لأن الموضوع مهم، ولأنه من وجهة نظري يمثل الأمل الوحيد في استنقاذ الإسلام من قبضة الشيوخ وتخليصه من الفهم السلفي الذي يحكم المسلمين في الدول الإسلامية ويحول دون أن يقتحموا العقبة، وأن يصلوا أسبابهم بعالم العصر.
أقول إن التجربة التركية نجحت لعاملين رئيسيين أولهما حسن فهم الإسلام، وثانيهما إخلاص وتفاني رجال العدالة والتنمية وتساميهم عن مغريات الحكم، إن العامل الأول ـ حسن فهمهم الإسلام ـ جعلهم يكسبون هذا الرصيد الضخم الذي يتمسك به شعب نسبة المسلمين فيه 99%، وكان من حسن حظهم أن لم يكن في تركيا فرع للأزهر يعلمهم الفهم المشوه التقليدي للإسلام والغشاوات التي تطمس حقيقته.
لقد استلهموا فطرتهم السليمة، والإسلام دين الفطرة، فقادتهم مباشرة إلى جوهر الإسلام، وليس هو إلا العدالة والتنمية.
كان حزب العدالة والتنمية أفضل من أربكان، لأنه.. وإن كان أستاذ النقلة كلها وإعادة الإسلام إلى الصدارة، إلا أنه كان متأثرًا ببعض الأفكار الصوفية، وأبدي إعجابًا بسيد قطب، وكان هناك احتمال أن يتقارب مع الإخوان، وكان هذا يعني خطوة إلى الخلف بينما كان المطلوب خطوة إلى الأمام، خطوة إلى إسلام الفطرة وليس إلى إسلام المذاهب.
لقد تبين هذه الحقيقة قبلهم، في القرن الثامن الهجري، فقهاء وهبوا بصيرة نافذة، فقالوا إن الشريعة جلب مصلحة ودرء مفسدة ونادي النجم الطوفي بأن المقصد الأسمي للشارع هو المصلحة، فإذا تعارض نص مع المصلحة أولنا النص وأخذنا بالمصلحة، ولو عملنا بهذا المبدأ لوفرنا على أنفسنا خمسة قرون من التخبط، بل لقد صرح ابن القيم في القرن الثامن نفسه أن الشريعة هي العدل، فحيثما يكن العدل تكن الشريعة. أليس العدل والعدالة شيئاً واحدا؟ فهل كان حزب العدالة والتنمية يطبق رأي ابن القيم؟
إنه لم يكن يفعل، ولم يكن له علم بابن القيم، ولابن القيم رغم هذا الرأي الذي خلص به إلى جوهر الإسلام، آراء أخري مغرقة في الرجعية، إنهم استلهموا فطرتهم، فقادتهم إلى محض الإسلام، لأن الإسلام هو الفطرة، ولأن الله تعالى عندما امتن على العرب قال "فَلْيعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" (قريش: 3ــ4)، وماذا تريد الشعوب إلا هذا ؟ وهل تعني العدالة والتنمية إلا هذا؟
كان مسلك العدالة والتنمية مثاليا، لأنهم لم يرفضوا الإسلام فيفقدوا أصلاً وجذرًا، ويبعدوا عن ضمير الشعب ووجدانه، وفي الوقت نفسه فإنهم استبعدوا تمامًا الفهم التقليدي، "فهم السنة والجماعة"، فهم "الفرقة الناجية".. إلخ، فوصلوا إلى جوهر الإسلام واستبعدوا غواشيه، ولم يأنفوا أن يعلنوا أنهم علمانيون، وقد قلنا وأكدنا أن الإسلام علماني، لأنه ليس له كنيسة أو مؤسسة دينية، وقد قامت العلمانية لاستبعاد الكنيسة وليس لاستبعاد الدين، والإسلام علماني، لأنه لا يستهدف إقامة دولة دينية، وهو علماني لأنه يحقق حرية الفكر والاعتقاد، وهذه العلمانية كلها من الإسلام، إن حزب العدالة والتنمية يطبق المبادئ الرئيسة للحكم التي أمر بها القرآن من استبعاد الظلم والديكتاتورية، وأن يكون الحكم ببيعة (وهي تماثل الانتخاب) وهذه العلمانية كلها من الإسلام، واستبعاد الحكم الفردي الوراثي واستخدام الشوري التي عندما تطور طبقاً لأساليب العصر تصبح الديمقراطية، وهذه هي المبادئ التي انتهي إليها العصر الحديث: مبادئ الحرية، مبادئ العدالة، مبادئ أن يكون دين الدولة خدمة الشعب، وأن تعمل لتحقق له الكفاية المادية والعزة الأدبية، والأمن والأمان.
إذن، كان لدي حزب العدالة والتنمية "نظرية" سليمة للحكم، نظرية تتجاوب مع أعماق الشعب، وتلمس لمسًا عميقاً نبضه، وتمثل جسرًا يتلاقي عليه القادة مع الجماهير في ائتلاف حقيقي، وكانت ثمرة ذلك فوزا كاسحا للانتخابات مكن الحزب من التغلب على عقبات كأداء كانت في طريقه .
العامل الثاني، أن قيادات حزب العدالة والتنمية أتراك أقحاح تعلموا في المدارس الدينية التي أسلمتهم إلى الجامعات، ولم يتعلموا في هارفارد أو أكسفورد، ومعظمهم لا يعرف إلا التركية، وتمرسوا بالعمل العام من نشأتهم، ولم يعملوا في البنوك الأمريكية أو يلوا مناصب في البنك الدولي أو الهيئات الدولية المشبوهة، ولما كانوا يؤمنون بالقيم الإسلامية، كانوا أكبر من أن تستهويهم مغريات السلطة، لم يكن الفساد ليستطيع أن ينفذ إليهم، لقد علموا ما يعلمه الإسلام، وما يعلمه كل الديانات، أن الحكم خدمة ورسالة، وأن الحاكم إن لم يكن طاهر اليدين، مخلص القلب، يعمل بكل همة لخدمة بلده، فإنه لا يكون جديرًا بالمنصب.
إن النجاح في الحكم ليس معجزة، وقد أنهي الإسلام بالذات عهد المعجزات، إنه إخلاص وكفاية، ولا تعدم الشعوب أبدًا المخلصين والأكفاء، وفي مصر الألوف منهم، وفي الأجواء السليمة يشغل هؤلاء المناصب فينهضوا، أما في الأجواء الفاسدة، فإن الصغار هم الذين يشغلون المناصب الكبيرة، ويكونون كالحمار الذي لبس جلد الأسد، ونسي أن يغطي أذنيه الكبيرتين، ولما لم يكونوا أكفاء أو كبارًا، فإنهم ينزلون بها ويجعلونها وسيلة لشهواتهم ومآربهم الصغيرة، ما قيمة أن يحرص المسؤول أن تكون له شقة بعشرين مليونا؟ أو أن يقيم حفلاً يفوق حفلات ألف ليلة وليلة، أو أن يقدم لخطيبته خاتمًا بخمسين مليون جنيه، أو أن يكون عنده أسطول من العربات الفارهة، هذه المغريات لا تغري أو تجذب النفوس الكبيرة، إنها تنظر إليها باشمئزاز، وتذكر قول الرسول (صلي الله عليه وسلم) "تعس عبد الدرهم .. تعس عبد القطيفة..".
والله إني لأذكر هذا الحديث كلما أنظر إلى الكرافتات الحريرية الأنيقة وأصحابها "يتعاجبون" بها "تعس عبد القطيفة".
إن هذا السلوك يمكن أن يسلكه أغنياء الحرب والذين يسرقون "النافي" ويعملون في "القرنص" وقد يفخر أحدهم بأنه ملك "الرابش" "الزبالة"، إنها شخصيات يمكن أن توجد في مسرحيات نجيب الريحاني عن العمدة الذي باع القطن وجاء العاصمة ليرمي ثمنه تحت أقدام الراقصات اللائي يجعلنه مضحكة، وليست هي الشخصيات الأمينة المخلصة التي تؤمن بشرف الخدمة العامة.
كان لابد أن تنجح تركيا.. ولابد أن تفشل مصر!! أين هذا من ساستنا الذين بدلاً من أن ينتجوا ويقيموا المصانع، ويحققوا لنا الاكتفاء الذاتي من القمح، ومن الحبوب، ومن اللحم، انصاعوا لإرادة التجار الذين يريدون تحطيم الصناعة المصرية بأي ثمن والاعتماد علي الاستيراد، فقاوموا زراعة القمح وفضلوا عليه "الكنتلوب"، و"الفراولة"، وقضوا علي مشروع "البتلو" ليتمكنوا أن يستوردوا زبالة المذابح واللحوم من كل دول العالم، وأصبحنا نستورد كل شيء، ولما أدت هذه السياسة إلى الإفلاس.. ولابد أن تؤدي لأن علينا أن نشتري بالدولار، ثم لا يحقق هذا الاستيراد طائلاً، وإنما يصب في الكماليات الفارغة، عمدت الحكومة إلى الأصول الثمينة تبيعها: البنوك، المصانع، الشركات.. وأخيرًا الأراضي.. وكل شيء.. حتى أموال التأمينات الاجتماعية.
وبددوا المليارات على إصلاح الشواطئ ومد البنية التحتية لها ليأتي رجال السياحة ويقيموا المدن السياحية، وضحوا في هذا السبيل بكل شيء ـ حتى الضبعة ـ لأن الأفضل عندهم أن تكون "كاباريه" من أن تكون أساسًا لطاقة ذرية، وكللت جهودهم الدائبة بإبداع "شرم الشيخ" واحة العري والفساد وسط مصر المؤمنة، ومقر المؤتمرات الدولية والتي استبعدنا من أجلها إقامة طريق بري يربطنا بالسعودية.
كيف يمكن أن يتقدم بلد يطبق سياسة الرأسمالية المظهرية، الاستهلاكية، والمتوحشة أيضًا.
نقلا عن صحيفة "المصري اليوم" المصرية
|