Untitled 1

 

2018/4/27 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :2/1/2008 3:48 PM

لا حرية في الحرية !

 

رائد قاسم

يعاني الفكر الديني التقليدي من تناقض مركب، ففي الوقت الذي ينادي فيه بالحرية المذهبية والطائفية كمخرج من دائرة صراع عبثية بين القوى الدينية المتناحرة، سواء في المحيط القطري أو الإقليمي، إلا إن أتباعه غير قادرين على وضعها موضع التطبيق والسريان الديناميكي داخل أوساطهم الدينية والاجتماعية ذاتها!

فالدينيين الشيعة مثلا يطالبون حكوماتهم التي تعتنق المذاهب السنية باحترام المذهب الشيعي عقيدة وفقها، ومنحه حرية الحركة والنشاط في إطار من سلطة الدولة ونظمها الإجرائية والعرفية المطبقة بحكم قوة القانون وفاعليته، بعنواني الحرية والحقوق المشروعة، المعروفة بالبداهة والمقرة في معظم الأنظمة الحقوقية العالمية التي تعارف عليها التشريع الدولي منذ أكثر من 40 عاما مضت، بينما الدينيين الشيعة في داخل دائرتهم الاجتماعية غير قادرين على تأصيل ما ينادون به بين تياراتهم المتعددة وتنوعهم المحلي، وذلك لسيطرة الدوغماتية الدينية واستفحالها في الأوساط الدينية الحاكمة، فإذا ما كانوا يقولون بحاكمية الدين وسيطرة الفقهاء وسيادة النص ومشروعيته المطلقة وأصابته للواقع بحكم الاجتهاد ونظرية النيابة عن المعصوم، فان الحكومات السنية التي تعود لمرجعية دينية هي الأخرى، تعمل بالرأي الشائع في مذاهبها والقاضي ببطلان عقائد الشيعة ! وبالتالي فإنهم لا يستحقون ان يمارسوا معتقداتهم البطالة ! وعلى هذا لا بد من محاصرتهم واضطهادهم حتى يذعنوا للمذهب الحق!

إن الدين منظومة اختيارية نسبية متفرعة، وتطبيقه قسرا على الآخرين سيولد حالة من الاحتقان الإنساني والجماعي الواسع النطاق، وستكون نتيجته صراع دائم ما بين أضداد متشاحنة ،غير قابلة للتوليف، فعندما يطالب الشيعة السنة أو العكس باحترام العقيدة وإتاحة الفرصة أمام أتباع هذه الطائفة أو تلك  للمشاركة في النظام العام، فان ذلك يعني مخالفة للأحكام والتعاليم العقائدية والفقهية السارية منذ مئات السنين، ذلك أن الدين أحكام جامدة غير مرنة، ولهذا فانه غير قادر على التأسيس لنظام تضامني يجمع الأضداد ويمنحها حقوقا متساوية ، لأنه في الأصل دين الفرد لا دين المؤسسة، دين الأمة لا دين النظام، إلا انه عندما يتحول إلى دين النظام فانه حتما سوف يتحول إلى نظام دكتاتوري آحادي القواعد والأساس، وسيمعن في اضطهاد المخالفين بعنوان دينية شتى، يمكن ملاحظة ذلك وإدراكه في الحكم الكنسي في العصور الوسيطة وصراع المذاهب عبر تاريخ الإسلام .

عندما يطالب الشيعة بحقوقهم المشروعة فأنهم يجب أن لا يطالبوا بها من خلال الدين لان الدين حالة جامدة، متناقضة، لا يمكن أن تتحول إلى نظام حقوقي لأنه متناقض متضاد، فأي دين يا ترى في الأساس يمكن أن يطبق؟ هل هو دين الإسلام أو المسيحية أو اليهودية؟ فان قيل الإسلام، فإسلام أي طائفة ؟ السنة أم الشيعة؟ فان قيل دين الشيعة ! أي مذهب منها؟ الإسماعيلية أو الزيدية أو الجعفرية ؟ فان قيل الأخير! فأي مذهب فقهي، الإخباري أو الأصولي! فان قيل الأصولي! فأي مذهب منها؟ الشيخية أو العلوية أو الخوجية!؟ ثم وأي تيار سياسي من كل هذه الأضداد؟ من يؤمن بولاية الفقهية المطلقة أو الحسبية ؟ تيار ذلك الزعيم الديني أو ذلك المرجع المتنفذ؟!

كيف للشيعة مطالبة الوهابيين الاعتراف بمذهبهم ومنحهم حقوقهم؟ ألا يعلمون أن مئات العلماء من أهل السنة على مر التاريخ كانوا ينظرون إلى الشيعة على انه روافض وأتباع مذهب مارق؟ كيف يمكن للسلفيين الوهابيين تجاهل أراء ومعتقدات ممتدة  على بساط أكثر من 1400 عاما من الصراعات الدامية والتعاليم والآراء والفتاوى والمواقف التي تمتلئ بها مدونات التراث ومسطورات أرباب الملل والنحل؟ ثم كيف يطالب الشيعة بحقوقهم وهم في تعاليمهم الدينية ونظامهم الحقوقي متهمين بانتهاك حقوق المذاهب والطوائف الأخرى من داخل الحالة الإسلامية  وخارجها؟

إن الدينيين لديهم عقيدة راسخة في فرض آرائهم ونظرتهم للكون والحياة والإنسان على الآخرين باعتبارها التعاليم المسددة من قبل السماء ، ولو جيء بأي مجتمع يسيطرون عليه فأن أعضاءه سوف يصوتون بالنسبة العالية لصالح حكم ديني تولتاري متشدد، يطبق الأصول والقواعد الفقهية والعقائدية والنظرة الفلسفية للدين، عبر مذهب الأغلبية السائد واعتباره الممثل الوحيد للإسلام المنزل من قبل الله على نبيه (ص).

في مقابل ذلك وقبل غزو العراق عام 2003م، خرج رئيس إحدى الدول الغربية المعارضة لغزو العراق وقال " إن فرض الديمقراطية عمل غير ديمقراطي" ويعني بذلك إن فرض النظام الديمقراطي على إي شعب، بحد ذاته عمل غير ديمقراطي وغير أخلاقي!

في الواقع إن فرض الحرية قسرا على المجتمع أمر لا بد منه ويمثل قدرا لا بد من الوقوع فيه، حتى يمكن الخروج من المأزق التاريخي والخلل الإنساني الرهيب الذي تعاني منه الأمة الإسلامية منذ مئات السنين، ذلك إن فرض الحرية على الدينيين وغيرهم من المتزمتين والمتشددين والمتطرفين الحاكمين  بالقوة والغلبة على شعوبهم لا يمثل أبدا إجبارا على اعتناق عقيدة فكرية أو دينية معينة، إذ انه  ليس سوى رفع يد الوصاية عن عقول الآلاف من الأفراد باسم الدين والقيم الدينية، حينها سوف يجد الدينيون التقليديون وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب الدينية والفكرية الفرصة المؤاتية الملائمة لممارسة شعائرهم وشعاراتهم، دون أن يجبروا الأطراف الأخرى على اعتناقها أو التقيد بها، فلن يكون بمقدور قوة ما فرض سلطتها على الأخرى كما  كان يفعل الدينيون التقليديون، ذلك إن الحرية لا حرية فيها!

ولا يمكن أن تخضع حرية طرف لحرية طرف آخر!، في هذا الصدد  طالبة الكاتبة المعروفة وجيهة الحويدر بان لا يخضع حق قيادة النساء السعوديات للتصويت الشعبي، باعتباره حقا مفروغا منه، إذ لا يجب أن تخضع الحقوق لرغبات الأفراد أو الجماعات أو حتى الشعوب! إن الحقوق الإنسانية ومنها الحق الأصيل والشرعي والطبيعي في الحرية لا يمكن أن يخضع لرغبة او نزعة ديغولية عارضة، من ناحية أخرى لا بد من فرض الحرية على الشعوب الموغلة بالتردي الإنساني والضياع الفكري والتخبط  العقائدي، لأنها باختصار تعاني من فقدان الهوية وعدم القدرة على امتلاك زمام أنفسها وتوجيه افرداها نحو التعامل الواعي الفعال مع الواقع نتيجة لسيطرة قيم الاضطهاد والقهر  في ثقافة وسلوك أفرادها، إذ لا بد من فرض الحرية عليها قسرا وعدم إخضاع حق الحرية لأي قوة مهيمنة من داخل المجتمع أو خارجه .

إن فرض الحرية سيبدد السلطة الاستبدادية وسيجعل القوة المسيطرة السابقة جزء من كل، قوة من ضمن قوى أخرى عديدة، وستجبر على خوض المنافسة وفقا للمعطيات الواقعية المتاحة، وحينها سيفرز المجتمع  قوى جديدة لا يمكن لإحداها إلغاء قوة أخرى، على أن كل منها سيكون بمقدورها التعايش مع الآخر المخالف باعتبار أن السلم الأهلي خيار استراتيجي وواقع لا مفر منه، ستكون هناك قوى دينية تقليدية وأخرى تجديدية ، علمانيون وليبراليون، وسطيون ومتطرفون، يمينيون وشماليون، وكل تيار من هذه الأشياء والأضداد سيضطر للتعامل مع الآخر بروح الألفة والمنافسة الشريف والعداء ألحميمي، إذ إن منظومة الحرية بحتميتها الكونية ونواميسها الطبيعية ستفرض على الجميع التعايش وفقا لمعطيات الواقع ومستلزماته.

حينها سيتمتع كل أتباع مذهب بحقوقهم المشروعة، دون انتظار المذاهب الأخرى إقرارها من داخل منظومتها التشريعية الجامدة، إن فرض الحرية هو السبيل الوحيدة لمعالجة التخلف الحضاري والإنساني الذي تعيشه الشعوب المسلمة، خاصة وإنها لا تعني إلغاء أو تهميش قوة معينة كالتيار الديني التقليدي مثلا، بل إنها ببساطة ترفع وصايته عن المجتمع لتحوله إلى تيار يملك مؤسساته و بناه التحتية في نطاق من التعدد والتنوع، والدولة ستعتبر حينها مؤسسة تنظيمية، فان امسك بقيادتها ديني أو علماني أو ماركسي أو ليبرالي، لم تتراجع حقوق أو مكانة هذه القوة أو تلك، باعتبار إن الدولة  ليست سوى مؤسسة تنظيم وإدارة، وانتفاء كونها جهاز تسلط واستبداد وارتهان لمصير وإرادة الآخرين.

يمكن ملاحظة ذلك في الأنظمة السياسية الغربية، ففي الحياة السياسية لمعظم الدول الغربية أحزاب دينية مسيحية، إلا إنها عندما تمسك بالسلطة فإنها سوف تدير مؤسسة الحكم وفقا لقواعد قانونية ومعطيات دستورية واقتصادية وثقافية راسخة ومتينة، بحيث لا يمكنها إسقاط عقيدتها الدينية على مؤسسات النظام والمجتمع المدني، وليس لها أن تطيح بمعارضيها ومناوئيها من القوى العلمانية واللادينية، وفي نفس الوقت لهذه الأحزاب وأتباعها حرية التدين والمعتقد والنشاط في نطاق منظومة الحرية الحاكمة.

لا يجب أن تخضع الحرية للاختيار بعد اليوم كما كان في استفتاء1979م عندما اختار الشعب الإيراني نظام ولاية الفقيه، رغم أن رجال الدين امسكوا بالسلطة في طهران وانتهى الأمر! والاستفتاء الشعبي ليس سوى استفتاء إجباريا تسلطيا كان المقصود منه إضفاء الشرعية على النظام الجديد! لا يجب أن تخضع الحرية للاستفتاء كما كان في عهد الطاغية صدام حسين، عندما اجري استفتاء على بقاءه على سدة الحكم في العراق 7 سنوات قادمة ! ليدمر المزيد والمزيد من حضارة العراق وشعبه ! أو ما قام به  الزعيم الثوري الفنزويلي تشافيز عندما اجري استفتاء على توليه منصب الرئيس مدى الحياة! وتحويل الاقتصاد الحر إلى النظام الاشتراكي! أو كما يطالب به بعض السعوديين من إجراء استفتاء شعبي في حق قيادة المرأة للسيارة! أو كما كان من أمر مجلس الأمة الكويتي، الذي يديره السلفيون والقبليون المتشددون، عندما حرموا المرأة الكويتية من حقوقها المشروعة في الترشيح والانتخاب في البرلمان والمجلس البلدي لأكثر من 40 عاما بدعوى مخالفة ذلك للشريعة الإسلامية!

بيد إنها عقيدتهم في الشريعة وليست الشريعة الحقة المطلقة المتفق عليها بين كافة المذاهب، فكيف يا ترى يطبق الظني باعتباره قطعيا؟ والنسبي على انه مطلقا؟ ويسقط الاختياري على القسري؟ إن الإسلاميين الكويتيين يرومون فرض عقيدتهم الدينية الأحادية النسبية على الشعب الكويتي، وفي هذا استبداد صريح عبر آليات الديمقراطية، وذلك لخلل في منظومة التشريع في دولة الكويت، الأمر الذي أتاح للمتشددين فرصة السيطرة على السلطة التشريعية واضطهاد الإنسان بشعارات وعناوين دينية، لا يشاركهم في الاعتراف بها سوى أشباههم من المتطرفين والمتعصبين!

إن الدين حقيقة موضوعية في توابثه القطعية وخطوطه التشريعية والعقائدية العامة، المتفق عليها والمعروفة بالبداهة غالبا، والتي تشكل جزء من المنظومة الدستورية، وفيما عدا ذلك ليست سوى حرية شخصية، ليس لها وجود سوى في معتقدات الأفراد وسلوك الجماعات، من دون أن يتحول إلى بنود قسرية لا بد من تطبيقها بالقهر على بقية فئات وشرائح الشعب، لأنها في هذه الحالة ليست سوى معتقدات وأفكار وأنظمة نسبية، داخل المذهب الواحد، فضلا عن المذاهب المتعددة، فكيف يصح تحويلها إلى مطلقة وإجبار الأفراد والتيارات على اعتناقها ؟ كيف يحول النسبي إلى مطلق سوى أن يكون بالفرض والإكراه والقمع؟
لا حرية في الحرية فهي الخيار والقدر والمصير.

 
كاتب سعودي - القطيف
البريد الالكتروني:

 

 

 

إشكالية قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي
الدين بين الوجدان والبرهان
هل السلطة شي شرير؟
أنا مسلم ولكنني علماني !
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (2)
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (1)
الإباحية الدينية
كل الجهات الأربع قطيف
لا يكفي هذا يا خادم الحرمين !!
الشعائر الدينية بين سلطة الدولة وحق المجتمع (عاشوراء نموذجا)
رجال الدين.. تبا لكم!!
دين الله أم دين الفقهاء؟
الهزيمة الحضارية للفكر الديني
أحلى وقت وأجمل صيف في ربوع بلادي!!!
جمهورية السراب
آهات قاتلة
الانترنت الديني..... قمع الحرف واضطهاد الكلمة
وطني .. آه يا وطني!
آمنت بكم يا رجال الدين!
المتمردة (قصة قصيرة)
أبو ذر الغفاري وعريضة الخمس في القطيف
أيها القرضاوي ما قلت إلا حقا !! .. ولكن
اعتقال في محراب الصلاة
المعمم الشيعي.... ضحية وجلاد
قناة التطبير الفضائية!
الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)
تحية إلى بزبوز ونذير وسلامة ووجيهة والى كل قلم حر في بلادي
الشيعي الجديد
شعوب ولاية الفقيه!
لا حرية في الحرية!
وجيهة الحويدر.. سيدة نساء هذا العصر!
عزيزتي المرأة... أرجو الإجابة!!
معجزة في العوامية !!
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية (2)
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية
رادود حسيني في مجمع السيف !
الثائر (قصة قصيرة)
فتاة القطيف والواقع المأساوي
فتاة القطيف.. عليك تحمل المسئولية !
نعم .. هذا هو الدين!
أسير الحرية
أيها الخطباء .. احترموا عقولنا!
الحمد لله: لقد دفعت الخمس !
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الثانية
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الأولى
القتيلة
زواج الأفاعي (قصة قصيرة)
الإمام علي .. ليبراليا عبر العصور
سلفيون ولكن !

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.