Untitled 1

 

2018/6/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :5/1/2008 8:23 AM

باكستان... المأساة!؟

 

سعد الدين إبراهيم

كان عام 2007 هو العيد الستون لكل من دولتي الهند وباكستان.

والذكري الستينية في حياة البشر في معظم بلدان العالم هي مناسبة للتقاعد من العمل، وخاصة من الوظيفة العامة في الحكومة والقطاعين العام والخاص. وفي حياة الدول فهي نقطة الوصول إلي النضج، ومناسبة لتأمل مسيرة هذه الدولة أو تلك. وقد بدأت في بداية عام 2007 سلسلة من المقالات للتأمل في واقع ومستقبل كل من الهند وباكستان، اللتين ولدتا في نفس اللحظة من وفاض شبه القارة الهندية، بعد أكثر من مائتي عام من الاستعمار البريطاني.

ولكن قبل الاستعمار البريطاني كان المسلمون المغول، أحفاد جنكيز خان، يحكمون الهند، بأغلبيتها من غير المسلمين الهندوس والسيخ. ورغم أن الأسر الحاكمة المسلمة شيّدت حضارة متقدمة، كانت تاج محل بعاصمتهم أجرا ، هي أحد رموزها، وهي من عجائب الدنيا السبع. إلا أن دولة المغول الإسلامية هذه لم تصمد في وجه الاستعمار الأوروبي الحديث، الذي غزا العالم كله بفضل منتجات ثورته الصناعية من مدافع وذخائر وبضائع وأفكار. ولكن كما يقول كارل ماركس تنطوي كل مرحلة تقدم في التاريخ الإنساني علي بذور فنائها. فرغم ما جلبه الاستعمار البريطاني من تحرير الأغلبية الهندية من حكم الأقلية المسلمة، فإن نفس هذه الأغلبية ستنتفض بزعامة المهاتما غاندي إلي أن تجبر الإنجليز علي الرحيل. وهنا كان أمام قادة المسلمين، وزعيمهم محمد علي جناح أن يظلوا جزءاً رئيسياً (25%) من الهند المستقلة، مع ضمانات دستورية بالمواطنة الكاملة، وبأحد المناصب الرئاسية الكبري (رئاسة الجمهورية، أو رئاسة الوزراء، أو رئاسة البرلمان أو رئاسة أركان القوات المسلحة). ولكن القيادات في حزبهم الرئيسي وهو الجامعة الإسلامية ، أصر علي أن ينفصل المسلمون في دولة خاصة بهم، فولدت باكستان من الأقاليم والولايات التي كان المسلمون يكوّنون فيها أكثر من خمسين في المائة من السكان.

وكانت تلك بداية مآسي باكستان. فبداية، كان المسلمون يتركزون في إقليم البنغال في شرق الهند، وإقليم البنجاب والسند في غرب الهند. وهكذا ولدت باكستان في شطرين تفصلهما شبه القارة الهندية، بأكثر من ألفي كيلو متر مربع. وأدي بملايين المسلمين والهندوس والسيخ إلي الهجرة القسرية من مواطنهم إلي حيث كانت أغلبية من أبناء ديانتهم تعيش. وفي هذا الهرج والمرج فقد حوالي مليون إنسان حياتهم، وتشرد أكثر من عشرين مليوناً آخرين، ظلوا لعدة سنوات بلا وطن أو مأوي. وسمي المسلمون منهم أنفسهم بالمهاجرين ولكنهم ظلوا مهاجرين بلا أنصار رغم مرور ستين عاماًَ. ولم يكن الانفصام الجغرافي هو العيب الخلقي الوحيد في الدولة الجديدة، باكستان. ولكن أسوأ من ذلك، تسلط أبناء الإقليم الغربي، واستئثارهم بقسط أكبر من ميزانية التنمية والمناصب المهمة. ومع اختلاف اللغة والعادات بدأ سكان إقليم البنغال في شرق باكستان يتمردون ويطالبون بالانفصال والاستقلال عن غرب باكستان. وبدلاً من أن يعالج قادة غرب باكستان الموقف المتفاقم سلمياً، اختاروا استخدام القوة العسكرية لإخماد الانفصاليين، الذين شجعتهم الهند ودعمتهم، حتي استسلمت لهم القوات الباكستانية الغربية! وأعلن عن ميلاد دولة جديدة هي بنجلاديش ، برئاسة الشيخ مجيب الرحمن، الذي قاد الحركة الانفصالية، عام 1971، أي بعد الانفصال الأول عن الهند ب 24 عاماً.

وبعكس الهند التي حرصت علي أن تكون دولة مدنية ديمقراطية، فإن باكستان ظلت تلعب بورقة الدين، التي سيثبت في حالتها، كما في الحالات التي تلاعب فيها الفرقاء بهذه الورقة، فإن الخسائر لا تتوقف. فما أسهل وأرخص من المزايدة بالدين . فمن هو الأكثر تديناً؟ ومن هو الأكثر تقوي؟ هل هو الأكثر تعصباً؟ هل هو الأكثر تزمتاً؟ هل هو الأطول لحية ؟ هل هو من يصر علي تطبيق الحدود، وحبس النساء وراء الحجاب؟ هل هو الأكثر استبعاداً للآخر غير المسلم، حتي لو كان قد ولد وعاش علي نفس التراب الوطني؟ أما إذا كانت المزايدة في الاستبعاد هي الإسلام الحق ، فلم لا يستبعد المسلمون السنة المسلمون الشيعة ، بدعوي أنهم جماعة رافضة ؟، ولم لا يستبعد المسلمين السُنة المتصوفة ، مثل الأحمدية و الناقشباندية و الجيلانية ؟ إن هذا بعينه ما حدث وما يزال يحدث فيما تبقي من باكستان. وما حركة طالبان الأفغانية إلا النموذج الدرامي الاستبعادي التزمتي الذي يُكفر كل من لا يشاركه نفس التزمت. وتكفير المستبعدين، هو الخطوة قبل الأخيرة "لإبادتهم"، أي التخلص منهم جسدياً. وتمثل حركة طالبان والتي خلفتها المخابرات الباكستانية، نموذجاً فظاً لذلك.

ولقد لعبت جميع القوي والمؤسسات في باكستان بورقة الدين في مزايدات غوغائية بلا حدود. وما الاغتيال الأخير لزعيمة حزب الشعب الباكستاني، السيدة بنازير بوتو، إلا أحد تجليات هذه المزايدات، والتي انخرط فيها جهاراً نهاراً، تنظيم القاعدة، وحركة طالبان. بل وأصدر اثنان من زعمائهما إنذارات يتوعدان فيها بقتلها، وهما بيت الدين مسعود ، و الحاج عمر . وقال الأخير في رسالة مكتوبة، تسلمتها بنازير، أنه سيذبحها كما تذبح الشاة من رقبتها في عيد الأضحي. وهذان الزعيمان المتطرفان يناهضان كل من يدعو إلي الديمقراطية وتعليم المرأة وتحريرها، أو يتحالف مع الغرب. وكانت بنازير بوتو تجسيماً حياً لكل ما يبغضه هؤلاء المتزمتون، من أمراء الحرب . فهي امرأة متعلمة في أرقي جامعتين في الغرب وهما جامعتا أكسفورد البريطانية وهارفارد الأمريكية. وهي أقوي داعية للديمقراطية وحقوق المرأة. فضلاً عن أنها كانت في طريقها لكسب الانتخابات النيابية، وتقلد منصب رئاسة الوزراء، للمرة الثالثة خلال عشرين عاماً، وكان ذلك سيكون سابقة لم تحدث في تاريخ باكستان، لأي شخصية سياسية أخري رجلاً كان أو امرأة عسكرياً كان أو مدنياً.

طبعاً يظل فريق كبير من الباكستانيين، وخاصة من أنصارها في حزب الشعب، يتجهون بأصابع الاتهام للأجهزة الأمنية الباكستانية، وخاصة جهاز المخابرات المعروف باسم آي إس آي (ISI)، والذي يضم سبع هيئات أمنية داخلية وخارجية. وهو جهاز متشعب في كل شرايين الحياة الباكستانية، ويتحكم مباشرة في موارد وأصول مادية هائلة، ويملك حصصاً من أسهم أكبر المصارف والشركات الباكستانية. وهو المسئول عن خلق ورعاية حركات المجاهدين ، و طالبان ، و القاعدة ، منذ الثمانينيات، أي منذ حقبة مقاومة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. وكالعادة، إن خلق هذه الكيانات لا يعني بالضرورة أنها ستظل تحت سيطرة من خلفوها. ولنا في حماس عبرة. فقد خلفتهما أجهزة المخابرات الإسرائيلية في الثمانينيات لتكون مناوئة لمنظمة التحرير الفلسطينية و حركة فتح . ولكنها سرعان ما انقلبت علي إسرائيل أيضاً. بل إن هذا ما حدث مع التنظيمات الطلابية الإسلامية، التي شجعها ورعاها الرئيس أنور السادات، لمناهضة التنظيمات اليسارية والناصرية المعادية له. ولكنها بعد أن قامت بهذا الدور، انقلبت عليه، حتي أردته قتيلاً في 6 أكتوبر 1981.

وعودة إلي باكستان، التي ولدت ولادة دينية قيصرية، فجاءت كياناً مشوهاً، ويزداد تشوهاً بمرور الزمن. ففي نفس الساحة التي اغتيلت فيها بنازير بوتو في أواخر عام2007، اغتيل أول رئيس وزراء لباكستان وهو لياقت علي خان، في أواخر عام 1951. وأيضاً بواسطة متطرف ديني. وبين الاغتيالين تم إعدام رؤساء وزراء ومقتل رؤساء جمهورية، وحروب مع الجيران من أجل كشمير، وحروب أهلية لرفع مظالم هنا أو هناك، وانقلابات عسكرية متوالية. ومرة أخري يتم ذلك باسم الدين والإسلام، وهو من كل هذا براء.

أما الجارة الهند، فقد مضت في مسيرتها بثبات نحو ستينيتها الأولي، ديمقراطية مدنية، بانتخابات منتظمة في مواقيتها، مثل ساعة سويسرية، وبلا انقلاب عسكري واحد، خلال ستين عاماً. لذلك لا عجب والعالم كله يشهد المعجزة الهندية الاقتصادية والتكنولوجية، اللتين تؤهلاها للانضمام إلي نادي الكبار الأعظم في القرن الحادي والعشرين.

إن وقف فصول المأساة الباكستانية قد يتطلب إعادة النظر في شهادة ميلادها . فالدولة الدينية لا مكان لها في القرن الحادي والعشرين. وما ينطبق علي باكستان ينطبق علي إسرائيل، التي ولدت مشوهة أيضاً بعد باكستان بسنة واحدة. إن المستقبل هو للدولة المدنية التعددية ، التي تعطي كل من يولد أو يعيش علي أرضها نفس حقوق المواطنة المتساوية. وربما يكون الأفضل للباكستانيين أن يعودوا للعيش في كنف أكبر ديمقراطيات العالم وهي الهند. والسؤال هو: هل تقبل الهند عودة باكستان إلي حماها؟

إن الله أعلم 

 
كاتب مصري
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.