Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :16/3/2008 5:33 AM

إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية

 

سعد الدين إبراهيم

ميدان "تقسيم" في وسط استانبول، أكبر المدن التركية، هو ساحة ضخمة تلتقي فيها كل الشوارع الرئيسية، وتتفرع منه عشرات الأزقة والحواري، وهو يضج بالحياة.

وهو أشبه بميدان التحرير في القاهرة، وينتشر فيه وعلى أطرافه مئات المحلات الصغيرة والكبيرة، والباعة المتجولين، وعربات الوجبات الشعبية الرخيصة، وأهمها "الصميت" و"الشاورما"، كبدائل تركية للفول والطعمية والكشري. ومثل ميدان التحرير، فإن ميدان "تقسيم" لا ينام.

ويقع فندقي على أطراف الميدان. وعصر يومي الأول في المدينة سمعت هتافات، ذكرتني بمظاهراتنا في القاهرة والمدن العربية.

فرغم أنها كانت باللغة التركية، إلا أن وقعها وترنيماتها ذكرتني بهتافاتنا المسجوعة (علي طريقة الاستقلال التام أو الموت الزؤام). لم أستطع مقاومة إغراء الإطلال من شرفة غرفتي، ثم النزول من الفندق إلى الميدان.

وقد استرعى انتباهي، أن الميدان في ذلك اليوم كان يحفل بست مظاهرات مختلفة، في أماكن مختلفة من الميدان. وكانت قوات الأمن التركية (مثل الأمن المركزي عندنا) تفصل بين هذه المظاهرات دون استخدام القوة.

وسرعان ما اتضح لي- بمساعدة بعض المترجمين -، أن اثنتين منها كانتا حول غطاء الرأس "حجاب بسيط ، Head scarf" الذي هو أقرب (للإيشارب). إحداهما ضد الحجاب وكانت الأكبر عدداً، والأخرى مع الحجاب وكانت الأصغر عدداً، والأقل غضباً.

أما آخر مظاهرات ميدان "تقسيم"، وهي موضوع هذا المقال، فقد كانت حول مسألة الحجاب أو غطاء الرأس.

١ـ بداية، كان إلغاء الحجاب "اليشمك" أحد إجراءات الثورة التركية، التي قادها مصطفي كمال أتاتورك، في عشرينيات القرن العشرين، كأحد مظاهر "التحديث" والتوجه غرباً (أي نحو أوروبا).

لذلك حينما بدأ الحجاب يعود إلى المجتمع التركي على استحياء، منذ عدة سنوات. وانزعج الأنصار والأوفياء للثورة الكمالية، وفي مقدمتهم المؤسسة العسكرية التركية، التي تعتبر نفسها الحارس الأول والأخير للعلمانية.

لذلك سارعوا في ثمانينيات القرن العشرين، إلى استحداث نص دستوري وسن عدة قوانين لمحاصرة ظاهرة الحجاب بين النساء التركيات. ومن ذلك الحرمان من التعليم والعمل في مؤسسات الدولة لمن ترتدي منهن الحجاب (غطاء الرأس). ولكن ذلك لم يمنع بعض النساء التركيات من التصميم والاستمرار في ارتداء الزي الإسلامي.

٢ـ ثم انفجر الموضوع من جديد في العام الماضي، حينما رشح حزب العدالة والتنمية (AKP) الذي يقوده رجب الطيب أردوجان وله أكثرية برلمانية، أحد أعضائه، وهو عبد الله جول رئيساً للجمهورية. ورغم أن منصب رئيس الجمهورية في تركيا هو منصب رمزي، أي بلا سلطات تنفيذية، إلا أن هذا الترشيح أثار زوبعة شديدة.

والسبب هو أن زوجة عبد الله جول ترتدي غطاء رأس منذ عدة سنوات. وكان انتخابه يعني أن السيدة الأولي المنتظرة ـ أي قرينة عبد الله جول ـ التي تصر على ارتداء الحجاب ستكون قدوة لملايين غيرها من البنات والنساء التركيات.

٣ـ واعتبر العلمانيون الأتراك ذلك شراً مستطيراً، لذلك نظموا المظاهرات الاحتجاجية العارمة. بل لجأوا للمحكمة الدستورية، واستصدروا حكماً منها بعدم جواز دستورية وجود سيدة أولى محجبة في القصر الرئاسي، حيث إن ذلك يعتبر تقويضاً لأحد أعمدة العلمانية التي أرساها مصطفي كمال، والتي عمّدها الدستور التركي.

وبناء علي ذلك قاطع النواب العلمانيون جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، فلم لم يتحقق النصاب المطلوب لقانونية الجلسة. وسحب الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) الترشيح.

٤ ـ واختار الحزب بدلاً من ذلك أن يقوم أولاً بتعديل الدستور ذاته، لكي يجعل انتخاب رئيس الجمهورية التركية بالتصويت السري الحر المباشر للمواطنين الأتراك، وليس بواسطة النواب في البرلمان. وتم عرض الأمر لاستفتاء عام، فوافقت الأغلبية علي تعديل الدستور.

ثم تلي ذلك انتخاب عبد الله جول رئيساً للجمهورية بالاقتراع الشعبي المباشر. وهو ما اعتبره المراقبون هزيمة معنوية شديدة للعلمانيين، بما في ذلك المؤسسة العسكرية التركية، والعكس صحيح. أي أن التيار الإسلامي التركي المعتدل قد أحرز انتصاراً مؤكداً.

٥ ـ وكان أهم من هزيمة هذا وانتصار ذاك، هو أن الديمقراطية التركية كانت هي المنتصر الأكبر. فكل ما حدث خلال معركة الحجاب تم بشكل سلمي، واحتكم المتخاصمون فيه إلى صندوق الانتخابات.

٦ـ ولأن حزب العدالة والتنمية يتمتع بأكثرية متنامية في السنوات العشر الأخيرة، فإنه يجد العودة للناخبين في مصلحته من ناحية، ويقيه شر غضب المؤسسة العسكرية من ناحية أخرى. وربما هذا ما تعلمه رجب أردوجان من أخطاء سلفه في حزب الفضيلة المهندس سيد أربكان، والذي استفز المؤسسة العسكرية حتى هددت بالاستيلاء على السلطة، وهو ما حدث ثلاث مرات من قبل خلال العقود الأربعة الأخيرة.

وربما هذا أيضاً ما يجعله هو وحزبه يديران معاركهما بأعصاب باردة وعقلانية شديدة. بتعبير آخر، فقد تركوا الغضب والانفعال لخصومهم السياسيين. فحققوا بذلك مكاسب سياسية عديدة، الواحد تلو الآخر.

٧ـ ومن المفارقات أيضاً، أن حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، رغم نفيه المستمر على لسان زعيمه أنه حزب إسلامي، وجد حليفاً خارجياً مهما، وغير متوقع، وهو الاتحاد الأوروبي.

حيث إن أحد شروط هذا الأخير لانضمام أعضاء جدد إليه بما في ذلك تركيا، هو خضوع المؤسسة العسكرية فيها للسيطرة المدنية. وهذا الخضوع العسكري للسيطرة المدنية هو ممارسة راسخة ومستقرة في البلدان الديمقراطية، ولكنه ممارسة غير معتادة في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي.

وقد كان هذا هو الدواء الشديد المرارة الذي لابد أن تتجرعه المؤسسة العسكرية التركية. وربما هذا هو أيضاً، أهم أسباب ضبط النفس الذي تمارسه المؤسسة العسكرية، ويجعلها تكظم غيظها ويجعلها تبدو كما لو كانت تتقبل الخسارة المعنوية بروح رياضية.

فنرجو أن يتعلم العرب والإسلاميون من التجربة التركية المبهرة. وأن يهديهم الله لدواعي السبيل لمصلحتهم ومصلحة شعوبهم. وللحديث بقية...

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.