Untitled 1

 

2018/6/21 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :29/3/2008 9:22 AM

حديث العطاء من الميسورين المسلمين

 

سعد الدين إبراهيم

استضافت اسطنبول "المؤتمر العالمي الأول للمعطائين المسلمين" (22-23 مارس 2008)، وشارك فيه أكثر من مائتي من المعطائين المسلمين، واهتمت به الصحافة العالمية.

وقد تعلمنا ضمن ما تعلمناه من هذا المؤتمر:

١ـ أن "العطاء" (Philanthropy) يتجاوز الشفقة والإحسان، إلى ما هو خدمات مستدامة، تنطوي على تنمية إنسانية. فإذا كان من الشفقة أن تعطي جائعاً "رغيفاً" أو "سمكة"، فإن "العطاء" هو أن تعلم هذا الجائع كيف ينتج قمحاً وكيف يصطاد سمكاً.

٢ـ إن "الإسلام" كدين وثقافة يحض المؤمنين به على الشفقة والإحسان، وهي إشباع الحاجات المباشرة والملحة للسائلين والمحرومين. ولكنه أيضاً يحضهم على أن يتعاونوا على البر والتقوي لما فيه خير للناس جميعاً، لكي يؤمّنهم مستقبلاً ضد الجوع والخوف، وجعل سبيل ذلك العلم والمعرفة، وحض الرسول عليه السلام، المؤمنين على أن ينشدوهما حتى ولو في الصين.

٣ـ لذلك جاءت "الزكاة" ركناً أصيلاً من أركان الإسلام. وهي فرض عين علي القادرين، لإشباع حاجات الفقراء والمساكين. وبهذا المعنى أصبح التكافل الإجتماعي قيمة أساسية وممارسة يومية بين من يفقهون صحيح الإسلام.

٤ـ وتعلمنا من المؤتمر العالمي الأول للمعطائين المسلمين، أن جملة عطائهم السنوي المعلن، يبلغ حوالي أربعين مليار دولار سنوياً. وأن غير المعلن يقدر بضعف ذلك المبلغ أو يزيد. أي أننا نتحدث عما قيمته حوالي مائة مليار دولار سنوياً، وهو أكثر من عشرة أمثال المعونة الخارجية الأمريكية. وأن هناك أسباباً لعدم معرفتنا اليقينية بالجزء غير المعلن.

من ذلك أن الإسلام يحض المؤمنين علي أن يفعلوا "الخير"، دون إعلان أو مباهاة. ومن ذلك أيضاً توجس كثيرين من الإعلان عن عطائهم، اتقاءً لشر الأجهزة الأمنية الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً، والتي أصبحت منذ أحداث سبتمبر 2001، تتوسع في ظنونها وشكوكها حول تبرعات المسلمين، وادعاء علاقة ذلك "بالإرهاب".

٥ـ حسمت المناقشات الساخنة في المؤتمر المفاضلة بين توجيه "العطاء". هل هو "للأكثر قرباً" أو "للأكثر احتياجاً". وهو أن يكون العطاء الفردي للأكثر قرباً، عملاً بالحديث النبوي الشريف، "الأقربون أولى بالمعروف"، على أن يكون العطاء المؤسسي للأكثر احتياجاً، قبل أن تتفاقم الإحتياجات إلى "أزمات إنسانية" أو "كوارث جماعية" تصيب القريب والبعيد علي السواء.

٦ـ كشفت البحوث والدراسات عن الجذور العميقة "للعطاء" في التراث الإسلامي، ممثلاً في ممارسات "الأوقاف"، كما تسمى في مصر والمشرق العربي، أو "الحُبوس"، كما تسمى في تونس والمغرب العربي ـ حيث كان الميسورون يخصصون جزءاً من ممتلكاتهم المالية أو العينية، للإنفاق من عوائدها على خدمات وأنشطة تنفع الناس أو تشبع احتياجاتهم ـ ومنها المدارس، والمستشفيات، ودور العبادة، والحانات ( دور العبادة للمسافرين )، والتكايا ( دور الإعاشة والتغذية لغير القادرين على العمل وكسب قوتهم )، والملاجئ ( لليتامي وذوي الإحتياجات الخاصة )، وتوفير مياه الشرب ( السُبل ) والإغتسال.

٧ـ تناقصت الأوقاف والحبوس في القرن العشرين، مع ميلاد الدولة الحديثة في معظم بلاد المسلمين، حيث إن هذه "الدولة"، خاصة في أعقاب التحرير من الاستعمار الأجنبي، بالغت في تقدير مواردها، وفي إمكانية قيامها بكل الأنشطة الخدمية والإنتاجية. كما أن القائمين على شؤون هذه "الدولة" نزعوا إلى السيطرة واحتكار السلطة والثروة في مجتمعاتها.

فلم تُشجع أو تحترم تقاليد وحُرمات الأوقاف والحبوس. بل وقامت بالإستيلاء عليها أو تأميمها وإدارتها بيروقراطياً، بدعوى ترشيدها أو حمايتها، من خلال ما يسمى وزارات الأوقاف. وكانت النتيجة هي عزوف الأجيال الجديدة من الموسرين في القرن العشرين عن استمرار الأوقاف والحبوس.

٨ـ ولكن كما كشفت ورقة د. باربارا إبراهيم، مدير مركز جيرهارت لدراسات العطاء الإنساني والمشاركة المدنية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، هناك جيلاً جديداً من أصحاب الأعمال العرب الأكثر ثقافة وتعليماً وانفتاحاً على العالم الخارجي بدأوا في إحياء روح العطاء في القرن الحادي والعشرين ـ من أمثلة آل ساويرس في مصر، وآل شومان في فلسطين، والحريري في لبنان، وآل ثان في قطر والمكتوم في الإمارات، والبابطين في الكويت، من خلال إنشاء مؤسسات ومبرّات للنفع العام، تقوم على نفس مفهوم الأوقاف والحبوس، ولكن بإدارة مهنية حديثة.

٩ـ أظهرت دراسات ومناقشات "المؤتمر الأول للمعطائين المسلمين" في اسطنبول أن المفهوم الجديد للعطاء لم يعد يقتصر على المال أو العقار، بل أصبح يشمل العمل التطوعي. وفي كثير من الأحوال، يكون مثل هذا النشاط التطوعي أهم وأكثر جدوى من التبرع بالمال أو العقار. ويكون هذا العمل التطوعي حيوياً للغاية في حالات الإغاثة والطوارئ، فالعمل التطوعي للطبيب أو الممرضة أو المهندس أو الإخصائي الاجتماعي في هذه الحالات يكون أكثر إلحاحاً من التبرع بالمال والكساء والدواء.

ومرة أخرى، كشفت المناقشات عن الضعف الذي كان قد لحق بالروح التطوعية بين العرب والمسلمين. فكما أمّمت الأنظمة الإستبدادية الأوقاف في بعض بلدانها، فإن نفس الأنظمة كانت ومازالت تتشكك في أي مبادرات تلقائية شعبية لا تخرج من عباءتها مباشرة، أو تكون تحت سيطرتها غير المباشرة.

ولكن مع الإنفتاح السياسي المحدود في بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة، بدأت روح التطوع تنتعش من جديد. وقد ذكر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي شارك في المؤتمر كيف تطوع آلاف الشباب التركي، لزراعة مليون شجرة في اسطنبول، خلال السنوات التي كان هو فيها عمدة للمدينة في تسعينيات القرن الماضي، وكيف أن المدن التركية سارت على نفس المنوال، وانخرط ملايين من الشباب التركي في العمل التطوعي لأول مرة.

ومهّد ذلك لمشاركة نفس الشباب في العمل السياسي بعد أن كانوا زاهدين فيه. ولم يأت اختيار مدينة اسطنبول لعقد أول مؤتمر عالمي للعطاء الإسلامي من فراغ. فمعظم مؤسسات النفع العام في هذه المدينة العريقة، كما في بقية المدن التركية، هي من ثمرات أوقاف جارية منذ خمسمائة عام. ومن حسن حظ تركيا أنه حتى العلمانيين الكماليين الأتراك، الذين ارتكبوا حماقات عديدة أخرى في حق الإسلام وتراثه، لم يمسوا "الأوقاف" في تركيا.

وحينما صعد ترجوت أوزال إلى السلطة في ثمانينيات القرن الماضي، أشاد بهذا التقليد. وهو ما شجع البرجوازية التركية لكي تنعش وتتوسع في العطاء. فعلى كل المعطائين، مسلمين ومسيحيين ويهود وملحدين، السلام

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.