Untitled 1

 

2019/5/23 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :1/4/2008 11:14 AM

.. في المسألة الطائفية!

 

عمران سلمان

في مؤتمر الحوار الوطني الثاني للجمعيات السياسية البحرينية الذي عقد أولى جلساته يوم السبت (30 مارس 2008) في المنامة، تساءل رئيس تحرير صحيفة الوقت إبراهيم بشمي: "إذا كانت كل الخطابات التي سمعناها صباح اليوم ضد الطائفية، إذاً من هو الطائفي؟".

هذا السؤال المهم والمحق يشكل في اعتقادي أحد مفاصل قضية الطائفية وقضايا أخرى كثيرة في الوطن العربي. ألا وهو الانكار، والنفي لوجود المشكلة.  

ولهذا السلوك جذر أعمق في الثقافة العربية. فالناس اعتادوا الهرب من الحديث عما هو قائم، خوفا أو طمعا أو جهلا، والانشغال بالتنظير والتفسير لما ينبغي أن يكون. 

ولأن الوصول إلى "ما ينبغي أن يكون" يمر عبر طريق واحد وهو الاعتراف "بما هو كائن"، فإن المجتمعات العربية تدور في نفس الحلقة المفرغة، ولا تصل لما تطمح إليه، لأنها تواصل إنكار ونفي الواقع الذي تقوم عليه.

ماذا يقول الواقع القائم في المنطقة العربية؟
الواقع يقول إن معظم مجتمعات المنطقة مكون من أتباع أكثر من دين أو طائفة. بعضها يشكل أقلية وبعضها أغلبية.

وحين تحكم أغلبية في بلد ما، فلا توجد مشكلة كبيرة، خاصة في ظل ثقافة الاخضاع والتسليم المفروضة على الأقليات.

لكن المشكلة تنشأ حينما يكون لدينا وضع مقلوب، حيث الأقلية هي التي تحكم.

وتتفاقم المشكلة حين تمارس الأقلية تمييزا ضد الأغلبية. وتتعقد المشكلة أكثر حين تنكر الأقلية أن ما تمارسه هو تمييز، أو أن الوضع القائم بحاجة إلى تغيير.

حينها نكون إزاء وضع مركب، سمتاه الأبرز هما القلق والتوتر الدائمين.

هذا هو الحال مثلا في بلدان مثل البحرين وسوريا والعراق حتى عام 2003. ففي هذه البلدان الثلاثة الأقليات هي التي تحكم الأغلبية، وتقصيها من مراكز القرار الاقتصادي والسياسي. وهذا ما يفسر حالة الاضطراب المستمرة داخل هذه المجتمعات.

المكابرة والإنكار
وبدلا من أن تنظر الأقليات الحاكمة في هذه البلدان والبلدان المشابهة في أصل المشكلة، فإنها تواصل رفض أي حديث عن الوضع القائم واتهام كل من يتطرق إليه بأنه طائفي، ومن جهة أخرى تصر على أن ما هو موجود هو وضع طبيعي، وأنه لا وجو لمشكلة طائفية.  

ومع تفاقم الأمور تلجأ إلى اتهام أطراف خارجية بالوقوف وراء ما تسميه "تأجيج طائفي"، وتوزع الاتهامات بالعمالة والخيانة يمينا وشمالا على الناس.

إنها تأمل عبر هذا السلوك أن ترهب المعارضين لهذا الواقع على أمل أن يتكفل الزمن بالباقي، ولكن حتى لو سكت هؤلاء فإن المشكلة لن تحل، لأنها موجودة في أصل المجتمع.   

أمثلة على الإنكار
العراق: يحلو للكثيرين حينما يتحدثون عن العراق مثلا أن يقولوا إن هذا البلد لم يعرف الطائفية من قبل وإنها جاءت إليه مع مجىء القوات الأمريكية.

وهؤلاء إما أنهم لا يعرفون تاريخ العراق ولا مجتمع العراق، وإما أنهم يحاولون أن يرموا بالمشكلة على طرف خارجي، كي يخلصوا أنفسهم منها.

وأنا أرجح السببين معا.

فواقع العراق يقول إن سكانه يتكونون من الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة والأيزيديين واليهود ومن العرب والأكراد والتركمان، وبعض الأقوام الأخرى.

هل لأمريكا أو جنوب أفريقيا يد في هذا التركيب السكاني؟

الأمر الآخر أن النزاعات الطائفية بين الشيعة والسنة كانت جزءا من واقع العراق طوال الـ500 عاما الماضية على أقل تقدير. وصراع الامبراطورية العثمانية والدولة الإيرانية الصفوية على العراق طوال تلك السنوات، يعود في سببه الأساسي إلى التنافس الشيعي السني.  

وتذكر كتب التاريخ أنه حينما تتمكن الدولة الصفوية من السيطرة على العراق أو على الأقل على بغداد والأجزاء الجنوبية من البلاد فإنها تقرب لها الشيعة وتجعل لهم اليد الطولى في الحكم، وبالعكس فحينما تسيطر الدولة العثمانية على العراق، فإنا تصطفي السنة.

ولأن فترة السيطرة العثمانية على العراق كانت هي الأطول، وجدنا أن السلطة كانت في معظم الوقت في يد السنة.

وحينما هزمت الأمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى وتفككت وتم توزيع مستعمراتها السابقة، كان العراق من نصيب بريطانيا والتي جلبت الملك فيصل الأول لحكمه وإنشاء الدولة العراقية الحديثة.

وقد حافظت بريطانيا على الإرث السابق وهو تسليم السلطة للسنة العرب، رغم كونهم أقلية.

ومضى العراق على هذا الطريق، حتى سقوط نظام صدام، وتغير موازين القوى واتاحة المجال للمفاعيل العددية أن تأخذ طريقها حسب الطائفة والدين والقومية.

ويجادل البعض بأنه منذ نشوء الدولة العراقية وخلال فترة حكم البعث لم نشهد أي عنف طائفي، فهل يعني ذلك أن المشكلة الطائفية لم تكن موجودة؟

لقد كانت موجودة بطبيعة الحال، لأن الطائفة لم تختف من العراق، ولكن الصراع الطائفي أخلى مكانه مؤقتا للصراعات القومية والسياسية.  

ولأن هذا الصراع لم يختف ولم يتم حله بصورة حقيقية، فقد تسيّد المشهد مع سقوط نظام صدام.

البحرين: ومثلما العراق تعيش البحرين نفس الواقع. فالبلد مكون من طائفتين، أغلبية شيعية وأقلية سنية، وحيث الأقلية هي التي تحكم الأغلبية.

ومن مظاهر هذا الواقع أن معظم السلطة تتركز في أيدي السنة، حيث الملك والحكومة ومعظم الوزراء وأهم الوزارات، مثل الدفاع والداخلية والأمن والخارجية والإعلام وغيرها.

ومن مظاهره أيضا وجود انقسام طائفي على صعيد المجتمع وفعالياته، مثل المؤسسات الأهلية والصناديق الخيرية وما شابه.

وحتى الجمعيات السياسية فهي مشكلة على أساس طائفي، حيث هناك جمعيات للشيعة وأخرى للسنة.

وهذه من حقائق الواقع البحريني المستمرة منذ قرنين ونصف من الزمن، والتي لا يستطيع أحد أن ينفيها، ولا علاقة لأمريكا أو كوريا الشمالية بذلك!

سوريا: ولا يختلف النموذج السوري عن نظيريه العراقي والبحريني إلا في التفاصيل.

فهنا أيضا توجد أقلية (علوية) حاكمة في موازاة أغلبية (سنية). وتحتفظ الأقلية بالسلطة في يديها، بما في ذلك المناصب الحساسة والمهمة. وهي تحاول كما فعلت سابقتها العراقية، طلاء الحياة السياسية والمجتمع بطلاء قومي وسياسي، ولكن حينما يتعلق الأمر بمن يمسك بزمام الأمور ومن يتحكم في القرارين السياسي والاقتصادي، تطل الطائفة بوجهها مزيلة ذلك الطلاء، ككل حقائق الواقع الصعبة.   

اعتراضات
رب قارىء يقول، إن الحديث عن الطائفية على هذا النحو، مبالغ فيه، ولا يعكس حقيقة الوضع السياسي في البلدان التي أشرنا إليها. في حين يذهب آخرون إلى التحذير من أن أي محاولة للحديث عن المشكلة الطائفية هو تعميق لها.

إن هذا النوع من الحجج والذي نسمعه كثيرا في أجهزة الإعلام العربية، يندرج في إطار استراتيجية الإنكار التي تتبعها الأقليات الحاكمة أو من يمثلها أو المستفيدين من الوضع السائد.

الواقع أن الأقليات الحاكمة طورت مع الزمن تكتيكات وأساليب للتمويه على الواقع الطائفي غير الطبيعي في مجتمعاتها.

من هذه الأساليب جذب أفراد أو جماعات موالية من الأغلبية، ومنحها بعض المكاسب أملا في تشويه الوضع والتعمية عليه. وهو ما يعرف بالتنازل عن البعض  في سبيل الاحتفاظ  بالكل.

منها أيضا اللجوء إلى الشرعيات التاريخية أو الدينية لتصوير الوضع القائم بصورة شرعية ومقبولة.

ومنها محاولات تغيير التركيبة السكانية عبر التجنيس، أو نقل السكان من منطقة إلى أخرى أو العمل على تغيير الانتماءات الطائفية داخل المجتمع.

وأخيرا، منها إطلاق التحذيرات من مغبة التغيير، وضرب الأمثلة على بشاعة القادم وأهواله.

إن هذه التكتيكات قد تصادف بعض النجاح من وقت لآخر ومن منطقة لأخرى، لكنها لا تحل المشكلة الأصلية، بل ربما فاقمتها بصورة حادة وخطيرة.

الحلول
تبدأ الخطوة الأولى لحل المشكلة الطائفية، من الاعتراف بالواقع الموجود بكل تبعاته وامتداداته. لأنه من دون الاعتراف بذلك لا معنى لكل حديث لاحق. فمن لا يعترف بوجود مشكلة، لن يشغل نفسه بالبحث عن حل لها.

من التجارب الكثيرة في العالم، هناك عدة حلول للمشكلة الطائفية، من بينها:

الحل الأول يقوم على توزيع السلطة السياسية على الطوائف، حسبما هو معمول به في لبنان. ومن عيوب هذا الحل أنه يؤبد الطائفية بدلا من أن يقضي عليها. كما أنه يوفر خلاصا مؤقتا من المشكلة، إذ سرعان ما ستزيد إحدى الطوائف من أعدادها، ومن ثم ستطالب بإعادة تقسيم السلطة حسب الواقع الجديد، مما يستدعي نزاعات جديدة.

الحل الثاني، وهذا يناسب البلدان ذات الحكم الوراثي أو الملكي، مثل البحرين. وهو أن تبقى العائلة الحاكمة محتفظة بدورها الرمزي في المجتمع، فيما يتاح توزيع السلطتين التنفيذية والتشريعية حسب حجم كل طائفة، عبر عملية انتخابية حرة وعادلة ونزيهة.

الحل الثالث، وهو الأنسب بنظرنا، ويقوم على أساس توقيع عقد اجتماعي جديد (دستور) بين الفئات والطوائف المختلفة، يضمن توزيعا عادلا للسلطة فيما بينها، بحسب حجمها العددي، وفي الوقت نفسه يقدم ضمانات بصيانة حقوق الأقليات، وحمايتها من توغل الأغلبية.

يمكن ابتداع حلول أخرى كثيرة، فالعملية مفتوحة ولا يوجد حاد لها، لكن الأهم من كل ذلك وقبله هو: (1) تسمية الأشياء بأسمائها، (2) الاعتراف بأن وجود الطوائف هو حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، (3) سيطرة أقلية طائفية على الأغلبية هو واقع مقلوب لا سبيل أيضا إلى استمراره.   

 
رئيس تحرير موقع آفاق
البريد الالكتروني: omrans@aafaq.org

 

 

 

مهمة أوباما العسيرة في الشرق الأوسط
لماذا يعادي معظم الإسلاميين المرأة؟
قمة الدوحة ومكافأة المجرمين
انتقاد الإسلاميين شيء والوقوف مع الأنظمة الفاسدة شيء آخر
هذا يوم من أيام الله المباركة
الأقربون أولى بالمعروف!
نعم لقانون الأحوال الشخصية في البحرين
افضحوا عنصرية هؤلاء الانتهازيين!
حذاء الزيدي يمنح بوش انتصارا مؤزرا
التمييز الطائفي يسننزف طاقة البحرين
فتوى المجلس الماليزي بشأن اليوغا
رجل الدين والعودة لأهل الاختصاص .. يالها من حيلة!
"السيرج" المزيف و"السيرج الحقيقي" في العراق
د. عبد الخالق حسين والانتخابات الأمريكية الحالية
لماذا يكره الإسلاميون العلمانية؟
حين لا تحترم الحكومة المصرية مواطنيها!
رأس الأفعى في باكستان
اعتقال كرادزيتش فأل سيء لعمر البشير!
رد على مقال "اعتقال عمر البشير .. خبر طيب"!
السعودية تهدر فرصة أخرى لتجديد نظامها السياسي الشائخ*
اعتقال عمر البشير .. خبر طيب!
هل تقع الحرب الأمريكية الإيرانية المنتظرة؟
وعاظ السلاطين و"خيشة" القاذورات
صلاح المختار وبعثه المقبور!
قناة الحرة مرة أخرى
على الأمريكيين التفكير في الانسحاب من الخليج
لبنان .. معركة صغيرة ضمن حرب طويلة!
إصلاح "قناة الحرة" بدلا من صب اللعنات على "الجزيرة"!
كلمة السر .. "الانتقالية"!
وجيهة الحويدر تصنع التاريخ
مرشحو الرئاسة الأمريكية ودرس الحادي عشر من سبتمبر
الشيخ عيسى قاسم وتدمير الشخصية الوطنية البحرينية
فعلها الأوروبيون .. فمتى يفعلها الأمريكيون؟
بدء عصر الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط
الحكومات العربية تكسب معركة "العقول والقلوب" في أمريكا!
الفيدرالية للعراق .. ولم لا!
نظرية المؤامرة .. الجزء المتبقي للعرب!
الفلسطينيون وخيار السلام
خرافة "الليبراليون العرب الجدد"َ!
لماذا المغالطات؟

1 - مقال رائع يا استاذ عمران
متابع | 31/3/2008 ,7:04 PM
لقد اصبت الحقيقه ايها الاستاذ العزيز عمران واحب أن أضيف اليمن الى القائمه التي ذكرت حيث تحكم الاقليه الزيديه الأغلبيه الشافعيه حكم القرون الوسطي فلا هي ادحلت اليمن الى الحداثه و لاهي تخلت عن حكمها القرقوشي القبيلي المتعفن.لقد قامت حركة الشوافع اليمنيين لتتخلص من الحكم الزيدي الموغل في التخلف ولتعيد اليمن الى وضع يحكم فيه ابنائه انفسهم بأنفسهم دون استعمار او وصايه. وأن غدا لناظره قريب. ولكم جزيل الشكر والتقدير.

2 - في المسألة الطائفية
Ameal Haddad | 31/3/2008 ,12:16 AM
Dear Omran, I appreciated your analytical article I Appreciated Your analutical article about the religioous affect in our lovely country.As it was said you "hit the nail on the head" The religious influence is the greater factor in shaping our educational, social and political systems. Our biggest need is that we get to the point to allow people to belive in the religion they choose, given the right to practice it, defend it and proclim itpeacefully, with out being subjecated to any to any reprisal or or harm.It is time that people who live in one country learn to judge each other based upon the content of their charecter and not on their religious affiliation. Thanks, and may God bless you

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.