Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :12/4/2008 8:07 AM

في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى

 

سعد الدين إبراهيم

تشاء المصادفة البحتة أن أحل ضيفاً على الغداء مع سيدة أوكرانيا الأولى في عاصمة بلدها "كييف"، بينما كان زوجها ـ الرئيس فيكتور يوشينكو في ضيافة الرئيس حسني مبارك في القاهرة. بداية، لماذا ذهبت أنا إلى أوكرانيا؟

كانت المناسبة هي انعقاد المؤتمر الخامس للحركة الديمقراطية العالمية ( World Movement for Democracy WMD ) وهي حركة بدأت بعد سقوط حائط برلين (1989)، وتحول كثير من بلدان شرق ووسط أوروبا إلى أنظمة حكم ديمقراطية، بعد عقود طويلة من أنظمة حكم شمولية ماركسية. وتتكون الحركة من حوالي ألف منظمة من منظمات المجتمع المدني، النشطة في الدعوة للديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية، من كل بلدان العالم، في القارات الست، من استراليا لأمريكا اللاتينية.

وتجتمع الجمعية العامة كل سنتين في أحد البلدان التي بدأت تحولاً ديمقراطياً فعلياً. فيكون اجتماع الحركة في هذا البلد، نوعاً من الاعتراف، والتنويه، والدعم لهذا التحول ومباركته، والتضامن مع القائمين به. لذلك كان الاجتماع الأول في الهند، عام 2000، فإلي ذلك الوقت كانت الهند تكاد تكون البلد الوحيد في العالم الثالث، الذي بدأ نظام حكم ديمقراطي مدني، وحافظ عليه منذ استقلاله عام 1947. وجاءت الاجتماعات التالية تباعاً في ساوباولو ( البرازيل )، دربان ( جنوب إفريقيا )، واستانبول ( تركيا ).

وها هو الاجتماع الخامس يعقد في عاصمة أوكرانيا، التي ارتبط اسمها بما سُمي بـ"الثورة البرتقالية" Orange Revolution عام 2004، فرغم أن الحكم الشمولي الماركسي سقط عام 1990، إلا أن الذين قفزوا إلي مقاعد السلطة، هم أنفسهم أقطاب الحزب الشيوعي، بعد أن غيروا اسم الحزب، إلي الحزب الاشتراكي. واستمرت نفس الممارسات البوليسية القمعية، مع زيادة الفساد والنهب المنظم للمال العام وأملاك الدولة. فبدأت نواة حركة اجتماعية مضادة تدعو للديمقراطية، من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

ومع نمو واتساع هذه الحركة، أذعن أقطاب الحزب الاشتراكي ( الِشيوعي سابقاً )، وأعلنوا قبولهم لإجراء الانتخابات، وفي ذهنهم ومخططهم تزويرها، كما تعودوا في السابق. ولكن قوى المعارضة، دعت مراقبين دوليين من المنظمات الحقوقية والبرلمان الأوروبي. والأمم المتحدة لذلك حينما أُعلنت النتائج المزورة، التي أعطت نفس الحرس القديم الأغلبية، وهو ما خالف شهادة المراقبين الدوليين، الذين أقروا أن المعارضة هي الأحق بالفوز، حيث إن نسبة التصويت لصالحها تجاوزت 52 في المائة.

وخرجت جماهير غفيرة تحتج على تزوير الانتخابات. واستخدمت قوات الأمن الوسائل المعتادة في فض هذه المظاهرات. فما كان من المتظاهرين، إلا أن عادوا في المساء، وآلاف منهم تحمل الشموع، وتجمعوا في الميدان الرئيسي، الذي يضم نصب الجندي المجهول، وقاعة مؤتمرات كبرى تعرف باسم "ميدان الاستقلال"، وهو أشبه بميدان التحرير في القاهرة. وبدأوا يرددون الأغاني الاحتجاجية، وقادهم في ذلك أشهر مطربي أوكرانيا. ولم تعرف الأجهزة الأمنية ماذا تفعل مع مواطنين تجمعوا سلمياً للغناء، وهم يحملون الشموع.

فوقفوا يراقبون، على أمل أن ينفضوا، بعد ساعة أو ساعتين، ولكن مرت عدة ساعات، والناس لا ينفضون، ولا يتناقصون، وانقضت ليلة كاملة، واستمرت جموع وجماهير متجددة في التوافد على ميدان الاستقلال. ومرت ليلة ثانية، ويوم ثالث، والجماهير تتجدد، طوال النهار، وتشعل الشموع في المساء، ويعزفون الموسيقي، ويرددون الأغاني. ثم هطلت الثلوج وانخفضت درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، واعتقدت الأجهزة الأمنية أن ذلك سيكون كفيلاً بفض الجموع من ميدان الاستقلال. ولكن لدهشة الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام العالمية فإن ذلك لم يحدث. وظل الناس معتصمين في ميدان الاستقلال، في قلب العاصمة كييف.

وجلب بعضهم خياماً، نصبوها علي أطراف الميدان. وتصادف أن لون هذه الخيام كان "برتقالياً"، فأطلقت عليها بعض وسائل الإعلام اسم "الانتفاضة البرتقالية". ومع استمرار الانتفاضة واتساعها لأسبوع كامل، تحولت التسمية إلى "الثورة البرتقالية". ومع الأسبوع الثاني، انتشرت المظاهرات في بقية المدن الأوكرانية، والتي اتخذت من الأعلام البرتقالية شعاراً لها. فثبّتت الاسم، وأصبح اسم أوكرانيا والثورة البرتقالية مترادفين. واستمرت المظاهرات لثمانية عشر يوماً متتالية، إلى أن أذعن الحرس القديم.

وقبل إعادة عدّ الأصوات، وكان ذلك حلاً وسطاً لحفظ ماء وجه الحرس القديم، الذي كان يدرك في قرارة نفسه أن المعارضة هي التي فازت في الانتخابات. ومع الإعادة حسمت العملية لصالح الزعيم المعارض فيكتور يوشينكو، الذي أصبح الرئيس المنتخب. ولكن قبل تقلد الرجل مهام منصبه، أصابه مرض مفاجئ، أدى إلى تشويه وجهه. واتضح فيما بعد أن أحد الأجهزة السرية للحرس القديم هي التي دست له في طعامه المادة التي أدت إلى تشويه وجهه. وأصبحت الواقعة وصورة فيكتور يوشينكو قبل وبعد التشوه ملء وسائل الإعلام في الدنيا كلها. وتطوع عشرات الأطباء، وخبراء جراحات التجميل لعلاج الرجل.

وهو الأمر الذي استغرق عاماً كاملاً، وعدة جراحات مؤلمة. والذين سيشاهدون فيكتور يوشينكو في ضيافة الرئيس مبارك في القاهرة، سيرون إنساناً وسيماً رشيقاً، أقرب إلى نجوم هوليود. سمعت كل هذه التفاصيل مجدداً من زوجة الرئيس الأوكراني، كاتارينا يوشينكو. وهي بدورها سيدة حسناء، في أواخر الأربعينات من عمرها، وتجمع بين طلعة بهية ولسان فصيح، بعدة لغات. وهي التي افتتحت المؤتمر الخامس للحركة العالمية للديمقراطية، مساء الأحد 6 أبريل.

ثم دعتني ورئيس الحركة كارل جيرشمان، ومايكل داني رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الاسترالي، ود. مايكل ماكفول الأستاذ بجامعة سانفورد، للغذاء يوم الثلاثاء 8  أبريل. وفاجأتني السيدة الأولى، بسؤال استعلامي: "هل تعلم يا دكتور سعد الدين أننا نتناول الغداء هنا في كييف بينما زوجي فيكتور في القاهرة، وربما هو أيضاً يتناول الغداء مع رئيسكم حسني مبارك!".

والواقع أنني لم أكن أعلم ذلك، وأضافت "إنني تعمدت دعوتك للغداء وأشكرك على تلبية الدعوة، لأننا هنا في أوكرانيا نتعاطف مع المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، حتى لو كانت مصلحة الدولة تتطلب أن يقوم رئيسنا بزيارة رؤساء بلدان غير ديمقراطية ـ مثل مصر وليبيا... ". وكأن السيدة كاتارينا تريد أن تقول، كما يقول الأزهريون في مصر "ولكن هذه نقرة، وتلك نقرة أخري... ". وفتح ذلك نقاشاً مثيراً، بهرتنا فيه سيدة أوكرانيا الأولى باتساع ثقافتها، ومتابعتها الدقيقة للأحداث العالمية.

قضيت اليومين التاليين في التنقيب والبحث حول هذه السيدة، وحول الثورة البرتقالية. وعلمت أنها كانت العقل المدبّر لفكرة العصيان المدني السلمي في ميدان الاستقلال، وإشعال الشموع، وتعبئة أشهر نجوم السينما والموسيقي والغناء والرياضة للمشاركة في ذلك الحدث الكبير.. فقلت لأحد الزملاء الأوكرانيين إذا كان ذلك صحيحاً، فهي التي تستحق أن تكون رئيسة أوكرانيا. فقال محدثي: لا تستعجل الأمور.. فسيأتي دورها قريباً.. ولدينا بالفعل امرأة أخرى، وهي رئيسة وزراء اسمها يولينا تميشنكو، سألته بدوري: وهل تحب السيدتان بعضهما البعض؟ قال بسرعة وضحكة عالية: "نعم لدرجة الموت...!"

والله أعلم

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.