Untitled 1

 

2018/1/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :19/4/2008 9:53 AM

في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات

 

سعد الدين إبراهيم

شاركت مع آخرين في لقاء ثقافي وروحاني مثير في العاصمة الإيطالية، على مرمى حجر من الفاتيكان، نظمته عدد من أشهر الجامعات الكاثوليكية في العالم ـ وعلى رأسها جامعات نوتردام، وليولا، وجورج تاون، والكلية الإكليريكية بالفاتيكان نفسه. وقد اختار المنظمون لهذا اللقاء عنواناً، لا يخلو من الإثارة والاستفزاز، وهو "الصليب والهلال وصندوق الانتخابات".

وحرص المنظمون على دعوة عدد متساو من المسيحيين والمسلمين، من إندونيسيا إلى موريتانيا، ومن الفلبين إلى الأرجنتين. وبدأ اللقاء بصلوات إسلامية ومسيحية، وقراءات من الإنجيل والقرآن، وانتهى على نفس الشاكلة. وكان مطلوباً مني أن أعد ورقة عن "الإسلام والديمقراطية"، وكانت إحدى ملاحظاتي المبكرة، هي عدم وجود ورقة موازية عن "المسيحية والديمقراطية".

ضمن أوراق اللقاء وتساءلت عن السبب، فواجهتني علامات تعجب، توحي بأنه لا توجد إشكالية بين المسيحية والديمقراطية، كما هو الحال، بالنسبة للإسلام، لذلك انصرف الجزء الأول من ورقتي لتصحيح المفاهيم والقراءات للعلاقة بين الأديان والسياسة، عموماً قبل الحديث عن الموقف من نظام معين للحكم، وهو "الديمقراطية".

١ـ فبداية، ليس لأي دين موقف محدد من أي نظام سياسي. هذا إذا احتكمنا للنصوص المقدسة، للتوراة والإنجيل والقرآن. فلا يوجد في أي منها ذكر لمصطلحات أو كلمات مثل "الديمقراطية" أو "الديكتاتورية"، أو "الفاشية" أو "الاشتراكية" أو "الشيوعية". فهذه جميعاً مصطلحات لمفاهيم مستحدثة، وتالية لظهور معظم الديانات السماوية والأرضية علي السواء.

كما لا يوجد في أي من الكتب المقدسة فصل أو باب خاص حول "أنظمة الحكم"، لذلك لا يجوز منطقياً أن نقول إن هناك موقفاً للإسلام أو المسيحية أو اليهودية تجاه أي نظام من أنظمة الحكم، ولكن هذا لم يمنع البعض في الماضي والحاضر، وربما في المستقبل، من الحديث بهذا الشكل المغلوط.

٢ـ فإذا كان ذلك كذلك، فما هو المقبول منطقياً وعلمياً؟ في رأينا، وكما قلنا كتابة في ورقتنا للمؤتمر، الحديث عن معتقدات وممارسات لبشر، وجماعات، وشعوب يدين أصحابها بهذا الدين أو ذاك. فهناك مسيحيون اعتقدوا في، ومارسوا كل أشكال السياسة وأنظمة الحكم التي عرفتها بقية البشرية جمعاء ـ من العبودية للإقطاع، ومن الفاشية للديمقراطية للفوضوية.

وما ينطبق على المسيحيين، ينطبق على غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، مثل الإسلام واليهودية والبوذية والهندوكية. إن الحديث عن معتقدات وممارسات أو سلوكيات بشر في مكان معين وزمان معين، يعصمنا من "الكبائر". فليس هناك مسلم أو مسيحي أو يهودي أو بوذي، يولد ديمقراطياً أو ديكتاتورياً ـ دعك مما يردده البعض عن "دين الفطرة"، من باب الحماسة أو التحيز لهذا الدين أو ذاك.

وكما لا يولد البشر ديمقراطيين أو فاشيين، فكذلك فهم لا يولدون مسلمين أو مسيحيين. ولكنهم يكتسبون أديانهم ومعتقداتهم من ذويهم، الذين يلقنونهم اللغة، ويعلمونهم دينهم وبقية عناصر ثقافتهم، التي تضفي على كل منهم "هويته".. فهذا "مصري، عربي، مسلم.. وذاك مصري، عربي، مسيحي.. وهذا إيطالي، أوروبي، مسيحي، كاثوليكي.. وذاك إنجليزي، أوروبي، مسيحي، بروتستانتي.. وذاك يوناني، أوروبي، مسيحي، أرثوذكسي..." وهكذا فلا أحد يولد، وهو يدرك أو يعي تلقائياً من هو ـ لغة أو ثقافة، ديناً أو مذهباً، جنسية أو أيديولوجية. ولكنه يتعلم كل هذه، سواء بالتلقين المباشر أو المحاكاة والتقليد، لمن هم حوله صغار وكبار.

٣ـ إن هذا الاقتراب السوسيولوجي من قضايا الدين والسياسة، يسمح بالرصد والتوثيق والتحليل الأكثر واقعية وموضوعية من قضية المؤتمر، وهو "الصليب، والهلال، وصندوق الانتخابات". ولا يخفى على فطنة القارئ أن الصليب يرمز للمسيحية، والهلال يرمز للإسلام، وصندوق التصويت يرمز للديمقراطية. وحتى لا أكون "اعتذارياً" في الدفاع عن الإسلام، أو "عدائياً" في التعرض للمسيحية، فإنني لجأت إلى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والتي يرأسها بابا الفاتيكان، الذي كان يراقب أعمال المؤتمر عن بعد، فاقتبست مما أصدره اثنان من الباباوات من فتاوى:

أولهما، هو البابا جريجوري السادس عشر، يوم 17 مايو عام 1835 حيث أفتى "بأن الله خالق هذا الكون، وكل ما فيه، هو الذي شاء لبعض البشر أن يحفظوا نظامه وأن يقودوا، ولآخرين أن يطيعوا، وأن يتبعوا...". وكانت هذه الفتوى هي الرد المباشر للكنيسة على الثورة الفرنسية، وعلى شعاراتها حول "الحرية، والإخاء، والمساواة".

٤ـ وإحقاقاً للحق، لا بد من استعراض السياق الذي صدرت فيه فتوى الفاتيكان الأولي ضد المساواة والحرية ـ وهما معاً يعنيان الديمقراطية، فحينما انفجرت الثورة الفرنسية، فقد كانت ضد الملكية والإقطاع والكنيسة، لأن هذا الثلاثي كان هو عنوان النظام القديم Regime Ancient، الذي هبت الثورة لتعويضه. وقضت بالفعل على ركنين من أركانه الثلاثة، وهما النظام الملكي والنظام الإقطاعي. وظلت الكنيسة قائمة، وقوية، وخاصة خارج فرنسا، فلم يستطع "الثوار".

إلا أن يشنوا عليها وعلى رجالها جملة كراهية مستمرة، وأن يلغوا أي تأثير لها في مناهج التعليم، وكذلك الأعياد والمناسبات الدينية. وكان الفريق الذي يقود هذه الحملة علي الكنيسة ورجالها هم "يعاقبة" الثورة الفرنسية، وهم الذين ابتدعوا أو روجوا لما يسمي "العلمانية"، على الطريقة الفرنسية ـ أي المعادية للدين والكنيسة، وفصلهما تماماً عن الدولة وشؤونها. وردت الكنسية الكاثوليكية دفاعاً عن نفسها، بالحط، إن لم يكن بتحقير شعارات الثورة الفرنسية، ومنها الحرية والديمقراطية.

٥ـ ولكن خلال المائة وخمسين سنة التالية للثورة الفرنسية، جرت مياه كثيرة في أنهار أوروبا والبشرية، وتحت جسورها، ومنها ما هو أكثر بشاعة وهولاً من الثورة الفرنسية، فقد جاءت ثورة أخري هي البلشفية الشيوعية (1917)، لا لتعادي الكنيسة فقط، ولكن لتعادي الأديان جميعاً، وتحاول اقتلاعها وإبادتها. فإذا كان "يعاقبة" الثورة الفرنسية قد هاجموا الكنيسة بسبب تحالفاتها السابقة مع "العرش"، فإن "بلاشفة" الثورة الروسية قد هاجموا الدين عموماً، لأنه "أفيون"، روّج له الحكّام والإقطاعيون والرأسماليون، "لتخدير الشعوب".

ثم جاءت "النازية الألمانية" و"الفاشية الإيطالية"، و"العسكرية اليابانية"، لتدفع بالبشرية جمعاء في أتون حرب عالمية لم تشهد لها من قبل مثيلاً. وراجع الفاتيكان نفسه، واستخلص العبر من مسيرة المائة وخمسين عاماً السابقة. وفي يوم عيد الميلاد (25 ديسمبر) عام 1944، أفتي بابا الفاتيكان "ببوس الثاني عشر"، بفتوي مضادة تماماً لما كان قد أفتي به البابا جريجوري السادس عشر.

ففي خطابه في ذلك اليوم، تحت عنوان "الديمقراطية والسلام الدائم"، قال: "تحت أهوال الحروب الكريهة، ونيرانها اللاظية، استيقظ الناس بعد طول غيبوبة في مواجهة الدولة ليسألوا، وينقبوا، ويشكوا، ويعارضوا بجرأة تركيز السلطة في ديكتاتوريات، لا يراقبها ولا يحاسبها أحد. إن من حق الناس أن يطالبوا بحكومات تحترم كرامتهم كمواطنين. وليس هذا ضد تعليمات الكنيسة. كما أنه ليس ضد هذه التعليمات الدعوة لأنظمة حكم شعبية، ما دامت لا تعادي الكنيسة أو تتعصب ضدها...".

٦ـ إن هذا التعبير في موقف الكنيسة الكاثوليكية من النقيض إلى النقيض له معنى واحد. وأن السياق التاريخي والمجتمعي هو الذي يملي على أتباع دين مواقفهم من أنظمة الحكم. وإذا كان هذا هو شأن قيادات الكنيسة الكاثوليكية، فلماذا نستغرب أن يحدث نفس الشيء للمسلمين وقياداتهم.

٧ـ وحتى لا نطلق الأحكام على عواهنها، استعرضنا حالة الديمقراطية بين المسلمين في الوقت الراهن. وأهمها، أن ثلثي المسلمين في عالم اليوم يعيشون في ظل أنظمة حكم ديمقراطية ـ في إندونيسيا، وبنجلاديش، وماليزيا، والهند، وتركيا، ونيجريا والمغرب والسنغال، ومالي، وموريتانيا، والكويت، والبحرين. وفي ظل أنظمة حكم شبه ديمقراطية في لبنان والأردن وقطر والإمارات.

وأما الثلث المتبقي، والذي لا يتمتع بعد بأنظمة حكم ديمقراطية، فهو في مصر والسعودية وسوريا وليبيا والسودان.. أي أنه يتركز بين "عرب مسلمين"، فالمشكلة هي أساساً في عروبتهم وليس في إسلامهم. أي أن بعض العرب، أو بالأحرى بعض حكامهم، هم الذين ألصقوا بالإسلام والمسلمين تهمة "العداء للديمقراطية".

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.