كثير من المحللين العرب مولعون بالعامل الديمغرافي فيما خص حسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بحسبان أن عدد الفلسطينيين آخذ في التزايد قياسا بعدد اليهود. لكن العامل الديمغرافي نفسه يصلح للقياس أيضا على كثير من الدول العربية، ولعل لبنان أبرز هذه الدول.
فالاحصائيات تؤكد أن لبنان اليوم هو بلد ذو أغلبية مسلمة. وعدد المسيحيين فيه لم يعد يتجاوز 39 في المائة من عدد السكان وهو آخذ في التناقص بسبب الهجرة وتردي الأوضاع الاقتصادية. في المقابل يبلغ عدد المسلمين حوالي 60 في المائة. وهذه الإرقام هي عكس ما كان عليه الحال قبل بضعة عقود من الزمن، حين كان لبنان بلدا ذا غالبية مسيحية.
وإذا ما استمر الحال نفسه، يتوقع أن يصبح لبنان في غضون عقد أو عقدين من الزمن بلدا ذو غالبية إسلامية كبيرة وواضحة، في حين يتعاظم عدد الشيعة فيه باضطراد (نسبتهم حاليا تصل إلى 38 في المائة من مجموع السكان)، وقد يصل عددهم في حدود نصف عدد السكان أو أكثر من ذلك.
وفي جميع الأحوال، وما لم تتغير هذه الاتجاهات، فإن الزمن يبدو أنه لا يسير لصالح المسيحيين في لبنان، وينطبق الأمر نفسه أيضا على بعض الطوائف الإسلامية المغلقة مثل الدروز.
بالطبع ستكون للتغيرات الديمغرافية الجديدة انعاكاسات كبيرة على الوضع السياسي والاجتماعي في هذا البلد. فحتى الآن ظل المسيحيون يحتفظون بمنصب الرئاسة في لبنان، والسنة برئاسة الحكومة والشيعة لهم مجلس النواب. لكن تغير الوضع الديمغرافي على الأرض قد يدفع الشيعة للمطالبة بالرئاسة أو رئاسة الحكومة، في حين تترك المناصب الباقية للسنة والمسيحيين حسب توازن القوى فيما بينهم.
وسينتج عن ذلك صراعات ومناوشات مسلحة كتلك التي شهدناها في الفترة الماضية، وقد لا تكون المطالبات بصورة واضحة، بل قد تغلف كما هو حاصل الآن بقضايا إسرائيل ومواجهة أمريكا وما شابه.. قضايا أبعد ما تكون عن السبب الحقيقي.
بالطبع مشكلة لبنان الحالية لا تكمن فحسب في الوضع الديمغرافي، لكنها تكمن أيضا في الوضع السياسي المعقد. فلبنان بلد تتصارع فيه المصالح الإقليمية والدولية. وما حدث في الأسابيع الماضية من استخدام حزب الله لسلاحه ضد الحكومة وأحزابها، أظهر أن لبنان يشكل بامتياز ساحة لحسم تلك المصالح.
ورغم أن الاتفاق الذي توصل إليه الفرقاء اللبنانيون في الدوحة قد نزع فتيل تصعيد أكبر للوضع، إلا أنه جاء ليعكس في جانب منه الحقائق الديمغرافية على الأرض، لا سيما التفوق الشيعي العددي والسياسي، ولم يكن من باب الفراغ أن أول نقطتين تحسمان في هذا الاتفاق هما تعديل تركيبة مجلس الوزراء والقانون الانتخابي.
ولذلك فإن ما جرى حتى الآن هو خطوة في طريق طويل يؤذن بدخول لبنان مرحلة جديدة، يكون عنوانها إعادة رسم النفوذ وأنصبة السلطة في ضوء الوضع الديمغرافي والسياسي.
إن جميع التوقعات تشير إلى أن لبنان الذي يعيش مرحلة غليان وعدم توازن لن يهدأ قبل أن يستقر على صيغة جديدة للحكم.
لكن المشكلة في هذه الصيغة أنها، وككل صيغة، تبتعد عن إطار المواطنة وتلتصق بالطوائف والأعراق والقوميات، تخلف خاسرين ورابحين. ومن الصعب أن يقبل الخاسر التسليم بالواقع والتخلي عما في يديه من دون مقاومة، لذلك فإن احتمالات العودة للسلاح في لبنان ستظل واردة باستمرار.
الحل الوحيد لتلافي مصير كهذا هو التأسيس لفكرة المواطنة والانتماء المتساوي بين أبناء الشعب اللبناني، وبحيث ينتخب الناس وفق كفاءاتهم وليس أديانهم أو طوائفهم. لكن هذا الامر يبدو بعيد المنال في بلد مثل لبنان، كما في العديد من البلدان العربية، التي بنيت شرعية الحكم فيها على أساس الانتماءات الطائفية والقومية والعرقية.
وكان يمكن للبنان أن يصبح مثل سوريا المجاورة حيث تحكم الأقلية العلوية (من دون إزعاج كبير) الأغلبية السنية، أو البحرين حيث الأقلية السنية تحكم الأغلبية الشيعية أو كما كان الوضع في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين، لكن ما يميز لبنان هو وجود السلاح ووجود اللاعبين الإقليميين والدوليين ووجود .. إسرائيل.
إن لبنان يدفع هنا ثمن الاختالالات الهيكلية في الدولة العربية الحديثة، لكنه يدفعها على طريقته، مغلفة بمقاومة إسرائيل وتحرير فلسطين. ولأن مقاومة الأولى وتحرير الثانية قد تستغرق سنوات وربما عقود، فإن الاضطراب في لبنان يراد له أن يستمر إلى حين ذلك .. أو على الأقل إلى حين يتكفل الزمن بحسم الوضع نهائيا عبر الديمغرافيا وقوة الأمر الواقع على الأرض. |