Untitled 1

 

2018/1/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :24/5/2008 4:06 AM

حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية

 

سعد الدين إبراهيم

مما يخفف من لوعة الغربة أن ينعم الله عز وجل على عباده الصابرين بما يعوضهم عن الشوق لتراب الوطن، ويذكرهم أن أرضه واسعة، ورحمته باتعة. فقد رزق ابننا، المهندس أمير، بحفيد سمّاه آدم، من أم أندلسية، في مدينة أشبيلية، في العاشر من شهر مايو عام 2008.

وما كان لي أن أشرك قراء هذا المقال في التعبير عن بهجتي إلا لأنني أثقلت عليهم مراراً بالتعبير عن لوعتي في الغربة بعيداً عن بقية الأهل والطلاب والزملاء والأصدقاء. ثم إنه بحكم مهنتي كعالم اجتماع، فإن هذا الحدث العائلي كان مدعاة للتأمل في ظواهر أكبر وأعمق.

وقد تناولت بعضها في مقالات سابقة عن المصريين والعرب والمسلمين في بلاد "الفرنجة"، في القرن الحادي والعشرين ـ وهي أوروبا، وأمريكا، واستراليا ـ التي تضاعفت هجرتهم إليها، طلباً للعلم، أو سعياً للعمل وبحثاً عن الرزق، أو هرباً من الجور والظلم.

ومما تأملناه في حالة حفيدنا، آدم، هو، بداية، سر إطلاق هذا الاسم عليه. فقال أبوه المصري (أمير) وأمه الإسبانية (مكارينا) إنه تيمناً بالأصل المشترك لكل البشر، طبقاً لكتبنا السماوية (التوراة والإنجيل والقرآن)، وهو سيدنا آدم عليه السلام. ثم إن الاسم يسهل نطقه بكل الألسنة واللغات واللهجات. فلا هو احتكار مصري عربي مسلم، ولا هو احتكار إسباني أوروبي مسيحي، ولكنه هذه جميعاً وأكثر.

ومما تأملناه أيضاً كيف وأين التقى الوالدان، أو كما يتساءل المثل الدارج: ما الذي جمع الشامي على المغربي؟ أو في هذه الحالة، هذا المصري وتلك الإسبانية؟ إن الذي جمعهما هو العمل في شركة عالمية، لا هي مصرية ولا هي إسبانية، ولكنها بريطانية الأصل ـ وهي شركة البترول البريطانية. وقد التقيا وتعارفا، وتصادقا، أثناء عملهما في المقر الرئيسي للشركة في لندن.

وقد اختارا أن يعقدا قرانهما في رحاب أحد القصور الأندلسية بمدينة أشبيلية، مسقط رأس العروس، وحيث تقيم أسرتها، ثم حفل الزفاف في قرية بدين، مركز المنصورة، دقهلية، بلد العريس، وحيث تقيم أسرته المصرية الممتدة. أي أنه بقدر عالمية كل جوانب علاقة أمير ومكارينا، إلا أنهما حرصا على العودة إلى جذورهما عند القران وإتمام الزواج.

وطبعاً، كانت هذه المرة الأولى لمأذون قريتنا (الشيخ عبد السميع) التي يقوم فيها بعقد قران من هذا القبيل ـ والعروس الإسبانية تعيد وراءه بلغة الخواجات العربية كلمات العهد وقبول الزواج.
أما الجانب الأكثر طرافة في ميلاد حفيدنا آدم، فهو مدى الاحتفاء بمقدمه، ليس فقط من أسرتي الوالدين، ولكن أيضاً من الحكومة الإسبانية. فبداية، قام بمتابعة الأم أثناء الحمل، ثم التوليد، الدكتور أنريك كندا، والد مكارينا، وأستاذ طب الأطفال بجامعة أشبيلية، وكان ذلك بلا مقابل.

واعتقدت في البداية، أن ذلك بسبب العلاقة الأبوية، إلا أنه يفعل ذلك بمعدل ثلاثين مرة أسبوعياً في المستشفي الجامعي لإسبانيات أو مقيمات أو زائرات، وأيضاً بالمجان. وكان ذلك مدعاة لأسئلة عديدة، من التي يهوى علماء الاجتماع توجيهها.

أتضح، إن إسبانيا، مثل بقية بلدان الاتحاد الأوروبي، تعاني من انخفاض معدل المواليد، وأن بعضها بدأ بالفعل يشكو من تناقص مطلق في السكان، أي أن معدل الوفيات يفوق معدل المواليد سنوياً. ولذلك بدأ بعضها، وفي مقدمتها إسبانيا، بتشجيع مواطنيها ـ ذكوراً أو إناثاً ـ على الزواج والإنجاب.

ومن ذلك أن الدولة الإسبانية تقوم بالرعاية الطبية المجانية، منذ بداية الحمل، إلى الولادة، إلى سن البلوغ. أكثر من ذلك، تمنح الدولة الإسبانية كل أم جديدة مبلغ 2500 يورو (خمسة آلاف دولار أمريكي)، (حوالي ثلاثين ألف جنيه مصري) فور الوضع، لمواجهة طوارئ العناية بالمولود الجديد. وفي المقابل ستعوضها الدولة الإسبانية بمنحها خمسمائة يورو (ألف دولار) شهرياً.

ومرة أخرى، حينما أبديت دهشتي واستحساني، قال لي صهري، أستاذ الطب الإسباني، "إن هذا كله من أموال الضرائب التي نؤديها نحن المواطنين ... وهذا هو اختيارنا، دولة رفاهية، تحرص لا فقط على استمرار العنصر الإسباني، ولكن أيضاً على صحته وتعليمه..." قلت له مداعباً، ولكن آدم نصف مصري عربي مسلم. قال صهري، "لا يهم، ما دام فيه قطرة دم إسبانية!، ثم إنه في البداية كان من دماء عربية ـ أندلسية، حينما حكم أسلافكم هذا البلد لسبعة قرون".

وقد تزامن ميلاد آدم، المصري ـ الإسباني، مع ميلاد ابن لوزيرة الدفاع الإسبانية، كارما شيسون، التي هي مثل زوجة ابني مكارينا، في أوائل الثلاثينات من عمرها. وقد أثار تعيين امرأة شابة وزيرة للدفاع جدلاً واسعاً في المجتمع الإسباني، الذي لايزال أكثر مجتمعات الاتحاد الأوروبي محافظة. ثم إن صورها وهي حامل، تتفقد القوات الإسبانية، المشاركة في حفظ السلام في البوسنة وجنوب لبنان، كان مدعاة لمزيد من الإثارة والجدل.

ولكنها ورئيس الوزراء، هوزيه ساباتيرو (وترجمته حسين صانع الأحذية) لم يتراجعا في وجه الحملة أو ضغوط رابطة المحاربين القدماء، وهي من أقوى منظمات المجتمع الإسباني. بل إن رئيس الوزراء اليساري ذهب أكثر من ذلك، حيث عين أكثر من نصف الوزراء من النساء.

وبذلك تجاوز حتى البلدان الاسكندنافية التي حرصت في السنوات الأخيرة على المناصفة بين الذكور والإناث في كل المناصب السياسية القيادية. ومن المناصب الوزارية التي استحدثها ساباتيرو، وزيرة للمساواة، والذي تقلدته السيدة أدبيانا الدو، وعمرها 31 سنة.

وقد تزايدت شعبية هوزيه ساباتيرو، وخاصة بين نساء إسبانيا، اللاتي يشكلن أغلبية السكان الآن (53%). وربما يفسر ذلك إعادة انتخابه رئيساً للوزراء، حيث فاز على صديقي المحافظ هوزيه ماريا أزنار، منذ عدة أسابيع.

وكان أحد أسباب الجدل حول تعيين كارما شيسون، وزيرة للدفاع ليس فقط كونها امرأة، و"حامل"، وبلا أي خلفية في شؤون الحرب والدفاع، ولكن أيضاً لأنها تأتي من إقليم قطالونيا، الذي يشهد منذ سنوات حركة هزت كيان إسبانيا. والجيش الإسباني هو المنوط به إخماد هذه الحركة التي تدعو إلى استقلال قطالونيا. ولكن هوزيه ساباتيرو لم يأبه بذلك.

بل جعل من صورة "امرأة حامل" رمزاً للقوات المسلحة الإسبانية في رسالة واضحة، هي أن تلك القوات ستكون رمزاً للحياة المتجددة، لا للقتل والدمار.

كانت أم آدم، زوجة ابني، تحدثني عن كل ذلك بحماس شديد. ثم سألتني: هل سيأتي اليوم الذي يحدث فيه ذلك في مصر؟ قلت ربما إذا انضمت مصر إلى الاتحاد الأوروبي، أو حينما يصبح حفيدي آدم أمير سعد الدين إبراهيم رئيساً لمصر، والله أعلم.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.