Untitled 1

 

2018/4/27 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :31/5/2008 6:13 AM

لبنان.. النقمة والنعمة

 

سعد الدين إبراهيم

لبنان من أجمل البلدان العربية طبيعة، وأكثرها تنوعاً من حيث المِلل والنحَل والأعراق، وقد نتج عن طبيعته الخلابة هذه وتنوعه البشري ذاك نعمته ونقمته في نفس الآن، ورغم مساحته الصغيرة (التي لا تتجاوز ١٠،٥٠٠ كيلومتر مربع) فإنه يحتوي على جبال شاهقة تغطي الثلوج قمتها، وسهول خصبة، وسواحل جميلة تتخللها خلجان صالحة لموانئ طبيعية صالحة لإرسال واستقبال السفن من كل الأنواع والأحجام.

فوجود الجبال الشاهقة جعل من لبنان ملجأ آمناً لكل الجماعات المضطهدة في منطقة الشرق الأوسط على مر العصور، فإليها لجأ المسيحيون الموارنة بعد أن خسروا معركتهم اللاهوتية مع أغلبية مسيحيي الكنيسة الشرقية في بلاد الشام، منذ القرن الرابع الميلادي، ثم لجأ إليها المسلمون الشيعة من أنصار علي بن أبي طالب بعد أن خسروا معركتهم العقائدية والسياسية والعسكرية مع أنصار معاوية، في نهاية القرن الهجري الأول (الثاني الميلادي).

وإليها لجأ الدروز، إحدى الفرق المنشقة من أنصار الحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر، خلال القرن العاشر الميلادي، وإليها لجأ أرمان وأكراد بسبب اضطهاد الإمبراطورية العثمانية - ثم الكماليين الأتراك - لهم في الربع الأول من القرن العشرين، وأخيراً، لجأ إليها فلسطينيون بعد هزيمة ١٩٤٨، وهكذا أصبح لبنان بلداً للأقليات المهزومة واللاجئة بحثاً عن الأمن والأمان، خلال التاريخ، ومع ذلك تتوتر العلاقات بين هذه الجماعات اللاجئة نفسها بين الحين والآخر، وأحياناً يتصاعد هذا التوتر وينفجر في صراع مسلح أو حرب أهلية.

ولكن الاختراق الأوروبي، وخاصة الفرنسي، وجد في المسيحيين الموارنة استعداداً أكثر للتفاعل والتعاون، ومن ذلك أخذهم بالممارسات التعليمية والصحية الحديثة، وأدي ذلك بدوره إلي زيادة أعداد الموارنة ووعيهم، مقارنة ببقية السكان، فبدأوا في تحدي سلطة أمرائهم الدروز، ونشبت حربان أهليتان خلال القرن التاسع عشر، أدت كل منهما إلى تبديل موازين السلطة بين طوائف لبنان لصالح الموارنة، وعلى حساب الدروز، بينما ظلت الطوائف الأخرى على حالها.

ومع النصف الأول من القرن العشرين بدأت الطائفة السُنية تأخذ بنفس أسباب التقدم التي كان الموارنة قد أخذوا بها قبل قرن ونصف، لذلك بدأوا بدورهم يتحدون سلطة الموارنة، وظلت فرنسا، التي كانت القوة الخارجية الأكثر نفوذاً وتأثيراً، تحابي وتدعم الموارنة، وانعكس ذلك فيما يسمي الميثاق الوطني، الذي رتب اقتسام السلطة التنفيذية ـ على أساس أن يكون رئيس الجمهورية "مسيحياً مارونياً"، ورئيس الوزراء "مسلماً سُنياً".

وفي السلطة التشريعية كانت القسمة هي ما يسمى معادلة خمسة أعضاء لكل المسيحيين مقابل أربعة أعضاء لكل المسلمين، ولإرضاء المسلمين الشيعة، رئي أن يكون رئيس البرلمان منهم، ونعم لبنان - طبقاً لهذه الصيغة - بحوالي ربع قرن من الاستقرار والحرية والازدهار، وحينما كان أحد الأطراف يحاول التلاعب بهذه الصيغة، كان شبح الحرب الأهلية يؤدي بالفرقاء إلى العودة إلي الأصل، وهو اقتسام السلطة بين الطوائف الأربع الرئيسية: الموارنة، والسُنة، والدروز، والشيعة.

وقد تناوبت ثلاث منها علي المراكز الأكثر هيمنة ـ إلا الشيعة، الذين ظلوا حتى نشوب الحرب الأهلية الأخيرة (١٩٧٥-١٩٩٠) هم الأضعف شأناً، رغم أنهم مع ذلك الوقت كانوا قد أصبحوا الأكثر عدداً، ومن مفارقات التاريخ اللبناني والعربي أن يلعب الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي دوراً حاسماً هذه المسيرة الشيعية، كذلك أسهم فيها بنفس الحسم قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٧٩. من ذلك أن مقاومة فلسطينية انطلقت ضد إسرائيل من جنوب لبنان، بعد هزيمة العرب الكبري عام ١٩٦٧.

وكانت إسرائيل بدورها ترد على هجمات المقاومة بالإغارة على جنوب لبنان، حيث يتركز الشيعة، ورغم التعاطف المبدئي لهؤلاء الشيعة تجاه المقاومة الفلسطينية، فإن الإغارات الإسرائيلية المتكررة خلقت توتراً مكتوماً بين شيعة لبنان والمقاومة الفلسطينية. ثم تطورت أو تدهورت الأمور حتى وصلت إلي اجتياح إسرائيلي لكل لبنان في صيف ١٩٨٢، واحتلال بيروت، وإجبار المقاومة الفلسطينية علي مغادرة كل الأراضي اللبنانية، إلى تونس واليمن، وغيرهما من بلدان عربية لا تجاور إسرائيل بالمرة.

ومع خروج الفلسطينيين أصبح المسلمون الشيعة في جنوب لبنان وجهاً لوجه مع احتلال إسرائيلي مُستغل ومُهين، فبدأوا يقاومون هذا الاحتلال بأنفسهم، وتطورت حركاتهم الاحتجاجية السلمية ضد أوضاعهم في لبنان، التي حملت في البداية أسماء مثل "حركة المحرومين"، التي أسسها أحد رجال الدين الشيعة، وهو الإمام موسى الصدر، الذي اختفي في ليبيا فيما بعد، ثم إلى "حركة أمل" التي قادها المحامي الشيعي نبيه بري، إلى حركة مقاومة مسلحة، حملت اسم "حزب الله"، قادها في البداية أحد رجال الدين الشيعة وهو السيد حسين فضل الله، ثم السيد حسن نصر الله.

وقد نجحت حركة المقاومة المسلحة هذه في إجبار قوات الاحتلال الإسرائيلي على الجلاء من آخر معاقلها في جنوب لبنان، عام ٢٠٠٠، بعد احتلال استمر ثمانية عشر عاماً، وكان هذا الجلاء دون قيد أو شرط، في صيف عام ٢٠٠٦ حدثت مواجهة واسعة النطاق بين إسرائيل وحزب الله، استمرت ستة أسابيع، واستخدمت فيها إسرائيل كل قوتها العسكرية الرهيبة ـ جواً وبراً وبحراً، ودمرت معظم البنية الأساسية، ليس في جنوب لبنان فقط، حيث تتمركز قوات حزب الله، ولكن في كل لبنان، حتى طرابلس في أقصي الشمال.

ومع ذلك صمد حزب الله، ولم يستسلم أو يفرج عن جنديين إسرائيليين كان قد أسرهما، ولم تتوقف هذه الحرب إلا بتدخل من مجلس الأمن الدولي، وإرسال قوات من الأمم المتحدة لحراسة الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وتضاعفت شعبية حزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله داخل وخارج لبنان في العالمين العربي والإسلامي. بدأ حزب الله يتجه إلى الداخل اللبناني، لتسوية حسابات تاريخية ومعاصرة للطائفة الشيعية تجاه طوائف لبنان الأخرى.

وضمن ذلك، رفض السيد حسن نصر الله نزع سلاح الحزب، بل بدأ الحزب يطالب بإسقاط الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطياً، بدعوى أنها حكومة عميلة للغرب عموماً، وللولايات المتحدة خصوصاً، ولتصعيد ضغوطه دعا أنصاره إلى اعتصام سلمي في الميادين الكبرى في العاصمة بيروت، في ديسمبر ٢٠٠٦، ثم ضغط على النواب والوزراء الشيعة لمقاطعة الحكومة والبرلمان، واستمر السجال بين الفريقين ـ الموالين للحكومة والمعارضين لها، حوالي ستة عشر شهراً، ثم انفجر في الشهر الأخير إلى اشتباكات مسلحة، سقط فيها ثمانون قتيلاً.

وأصبح شبح الحرب الأهلية يخيم على لبنان من جديد، وهنا تدخلت دولة قطر بوساطة ناجحة بين الفريقين، حقق فيها الشيعة بعض مطالبهم وحقق الفرقاء الآخرون بعض مطالبهم، وفي مقدمتها انتخاب اللواء ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وفض الاعتصام من ميادين بيروت، وتعرف هذه الصيغة في اللغة السياسية اللبنانية بتعبير "لا غالب ولا مغلوب"، وابتهج الشعب اللبناني بكل طوائفه. والسلام عليكم ورحمة الله.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم" 

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail،com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.