Untitled 1

 

2010/9/6 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :11/6/2008 11:00 AM

العمل عبر الأمة وليس الدولة.. ممارسة للسياسة بأسلوب آخر "3 ـ 3"

 


جمال البنا

سنضرب مثالين للعمل عبر الأمة .. وليس الدولة، هما الجمعية الفابية، والحركة النقابية، وسيري القارئ أن هاتين الهيئتين خلفتا أثرًا عميقاً علي عالم السياسة وعالم الاقتصاد، وأنهما قدمتا إضافة منشأة ثمينة لم يقتصر أثرها علي بريطانيا، ولكن علي العالم الأوروبي أولاً، ثم علي بقية العالم .

أسس الجمعية الفابية سنة 1884 لفيف محدود من المفكرين البريطانيين، الذين أعجبوا بالاشتراكية كدعوة للعدالة قدر ما ضاقوا بالرطانة الماركسية عن "البروليتاريا" و"صراع الطبقات" واستئصال الرأسماليين وإقامة دولة البروليتاريا، لقد استبان هؤلاء ما في هذه الدعاوي من سرف وشطط وما تخلفه من آثار سيئة، فاستبعدوها تمامًا وأوجدوا نسخة من الاشتراكية البريطانية، تلحظ ظروف المجتمع البريطاني وتبرأ من التورط في العمل السياسي، خاصة عندما يقوم على صراع دموي عنيف، وكان البديل الذي قدموه هو "الحكمة والموعظة الحسنة"، ووسيلتها كتيبات تشرح فكرتهم بأسلوب بسيط واجتماعات وندوات تؤدي إلى "تسريب" الفكرة، واختراقها للأشخاص والهيئات واكتساب إيمانها الطوعي.

وكان على رأس المجموعة القليلة التي أسسها الزوجان سيدني ويب وزوجته بياتريس، وهما علمان في الفكر الاشتراكي الاجتماعي والإنساني، والكاتب المسرحي جورج برنارد شو، وهم الذين أعطوا الجمعية هذا الاسم الذي أخذوه من اسم الجنرال الروماني "فابيوس"، وهو الذي تصدي لهانيبال الذي أوقع الهزائم المنكرة بالجيش الروماني في معركتين فاصلتين، فلجأ الرومان إلى فابيوس الذي وضع خطة يتفادى فيها اللقاء المباشر، ويناور ويحاور حتى يستنزف قوي عدوه وعندئذ يضرب ضربته. في سنة 1920 انضمت الجمعية الفابية إلى حزب العمال الذي كانت الحركة النقابية قد أسسته، وأصبحت بمثابة الهيئة الأيديولوجية له، كما رزق العمال كاتبًا ومؤرخًا مرموقاً هو "ج. د. كول".

وظلت الحركة الفابية تعمل بوسائلها حتى شاعت الفكرة وآمن بها عدد كبير من الجمهور البريطاني، كما آمنت بها الحركة النقابية، وفي سنة 1945 حانت ساعة انتصارها عندما اكتسح العمال الانتخابات السياسية وهزموا تشرشل، الذي كان معبود الشعب البريطاني والذي قاده إلى الانتصار في الحرب العالمية، ولكن الشعب البريطاني كان من نضوج الفكرة وقوة الشخصية بحيث قال إن تشرشل هو بطل الحرب، وقد كسبها ونحن الآن نواجه السلام .. وأبطال السلام هم أبطال العمال. وبدأ العمال المتأثرون بفكر الفابية السلطة، وأعلنوا للمرة الأولى "دولة الرعاية" ووضع الميزانية على أسس جديدة "طبقاً للأيدي العاملة وليس طبقاً للنقود"، أن تكون "ميزانية إنسانية".

وأصدر السير وليم بيفردج كتابه "العمالة الكاملة في مجتمع حر" الذي وضع فيه أساساً اشتراكياً لاقتصاد تنتفي منه سوءات الرأسمالية من أزمة وبطالة. ووضع نظام للتأمين الاجتماعي يغطي جميع المجالات من مرض أو شيخوخة، كما قدمت الدولة "اللبن" لكل الأسر، بحيث كانت كل أسرة تجد زجاجات اللبن الكافية أمام بابها. كان حكم العمال سنة 1945 ثورة سلمية في التنظيم السياسي أثبت إمكان قيام دولة للرعاية، وليس للقهر والاستغلال، وتحقق هذا كله بوسائل سلمية من دعاية وفكر إلى انتخابات حرة. والحركة الثانية التي عملت مع الجماهير، وبالجماهير، وبعيدًا عن أي علاقة بالدولة هي الحركة النقابية.

وأعلم أن سيادة الروح المظهرية والطبقية علي المجتمع المصري جعلته ينظر بازدراء إلى النقابات ويظن أنها جماعة من الحدادين والسباكين و"الصنايعية" يؤلفون جمعية للدفاع عن حقوقهم وتحسين حالهم، أو يحكمون على الحركة النقابية بواقع الحركة النقابية المصرية، وهذه كلها تصورات خاطئة، فالحركة النقابية حركة إنسانية، بل لعلها أكثر الحركات الإنسانية مباشرة وقد ظهرت كرد فعل لظهور الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر، وأحلت الآلات الحديدية محل "العدة" الحرفية، فدمرت الحرف وشردت العمال واصطحبت الآلات الحديدية بظهور "الرأسماليين" الذين يملكون المصانع، وتقطب معسكر العمل ما بين عمال دمرت طرق إنتاجهم وشردوا ورأسماليين يملكون المصانع ويتحكمون في ظروف عمل العمال.

ولما كان عدد العمال أكثر من عدد الوظائف كان قانون العرض والطلب ضدهم، فضلاً عن أن وضعهم كان بائسًا، لهذا استغل الرأسماليون العمال وشغلوهم ساعات طوال مرهقة، وفي ظروف سيئة تضر بالصحة. وانبثقت من أعمق أعماق الوعي العمالي فكرة هي أن يكونوا هيئة واحدة تتحدث باسمهم جميعًا، فهذا ما سيعطيهم قوة، كما يمكن أن يضع في أيديهم سلاحًا فعالاً هو الإضراب، وبعد أن كان الرأسماليون أحرارًا يوظفون من يشاءون ويفصلون من يشاءون، وجدوا أمامهم هيئة تتحدث باسم العمال، وتقول إن العمال يريدون تحديد ساعات العمل، وتحسين ظروف العمل... إلخ.

فإذا رفض الرأسماليون فإن العمال سيضربون، وأدى هذا التكنيك إلى شل قانون العرض والطلب الذي كان ضد العمال، وحاول أصحاب الأعمال الرفض فقام العمال بالإضراب وخسر أصحاب الأعمال أضعاف الزيادات المطلوبة للأجور، وهكذا تقبلوا الوضع. وجلس أصحاب الأعمال مع العمال على مائدة "المساومة" الجماعية لتسوية قضايا الأجور وساعات العمل والإجازات...، وكل فريق حريص على نجاح المفاوضة، لأن فشلها كان يعني الإضراب من العمال أو الإغلاق من أصحاب الأعمال وسيدفع كل فريق ثمنه وكانت المفاوضة تأخذ طابع التساوم والتنازل للوصول إلى الحل المشترك، وعند الاتفاق توقع "اتفاقية جماعية" لمدة من سنة إلى ثلاث سنوات، وعندما تنتهي المدة يجلس الفريقان مرة أخرى لتجديد الاتفاقية، ويفاجأ أصحاب الأعمال بالعمال يطالبون بزيادات جديدة في الأجور وتقصير ساعات العمل

ويدعمون ذلك بما تحقق للمؤسسة من ربح نتيجة لعمل العمال ولزيادة خبراتهم ولزيادة مسؤولياتهم.. إلخ، ويحاول الرأسماليون التملص ولكنهم يجدون أن إضراب العمال أفدح من الاستجابة، خاصة وأن العمال لم يبالغوا في الزيادات، وهكذا توقع اتفاقية جديدة بزيادة جديدة، وهكذا توصل العمال إلى زيادات دورية (كل سنتين أو ثلاث) في الأجور، وإنقاص في ساعات العمل، وتحسين في ظروف العمل.. إلخ، وكان هذا يعني أمرًا واحدًا الارتفاع التدريجي لمستوى المعيشة وتحسين ظروف العمل وارتفاع منزلة العمال، وكما يقولون عندما يرتفع أجر عامل الفحم يرتفع أجر "الأسقف"، لأن زيادة أجر فئة أو مجموعة لا تلبث أن تمتد حتى تشمل الجميع، وبهذا لا يكون عمل الحركة النقابية مقصورًا على أعضائها، ولكنه يمتد لكل العاملين ويأخذ صفة قومية.

وأراد الرأسماليون أن يخدعوا العمال فتقبلوا الزيادات في الأجور، ولكنهم لجأوا إلى رفع الأسعار، ووجد العمال أنهم خسروا بالشمال ما كسبوه باليمين، وتنبهوا إلى وضع مادة في الاتفاقية الجماعية يطلق عليها مادة الميزان المتأرجح "Gliding Scale"، تنص علي أنه إذا زادت أثمان الفحم والزبد واللحم.. إلخ، على نسبة 3% وقت توقيع الاتفاقية، فإن الأجور تزيد تلقائيا بالنسبة نفسها ولدى اتحاد العمال، كما لدى اتحاد أصحاب الأعمال الآلات الحاسبة التي تحسب الزيادة، وحاول الرأسماليون الرفض ولكن العمال تمسكوا بها واستسلم أصحاب الأعمال، وبهذا لم يجابه المجتمع مشكلة "دعم" الفئات محدودة الدخل لأن الحركة النقابية خلفها. هل تريد كل الدعوات إلا هذا؟

هل يمكن أن تفعل الاشتراكية شيئاً أكثر من هذا؟ هل تستطيع الديمقراطية أن تجعل العامل مواطناً ديمقراطيا أكثر مما فعلته النقابة عندما جعلت له صوتاً ومشاركة في تحديد موارد عيشه. إن الحركة النقابية في بريطانيا كافحت طوال مائتي سنة قبل أن تصل إلى تكوين نقابات راسخة تقف للرأسمالية، لأن الحكومات والرأسماليين بالطبع أعلنوا عليها الحرب، وكان عليها أن تدفع الثمن وأن يزج بأعضائها في السجون وأن ينفي بعضهم إلى مجاهل أستراليا، وكان القانون البريطاني يعتبر النقابات "مؤامرة لتعويق حرية التعامل" تحل ويجازي أعضاؤها بالسجن أو النفي، وظل هذا القانون ساريا طوال خمسة وعشرين عامًا حتى توصل العمـــال إلى إلغائه.

***

كان يمكن للإخوان المسلمين أن يفعلوا مثل ما فعلت الجمعية الفابية، وكنت أقول إن الإخوان المسلمين هي الهيئة الوحيدة التي يمكن أن تمحو الأمية، لأن الإيمان بها جعل الشيخ في الصعيد يلبس الشورت ويمارس التمارين السويدية، فلو جعلوا محو الأمية هدفهم لتمكنوا من ذلك وكسبوا مجدًا لهم ولأمتهم، ولكنهم قضوا خمسين عامًا من الصراع على السلطة، أوهن السلطة وأوهنهم، وأخر البلد.. وهذا كله للتصور الزائف الذي استقر في أذهانهم عن تكوين دولة تطبق الشريعة.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
كاتب إسلامي مصري
البريد الالكتروني:

 

 

 

أهلاً بالنقابات الشرعية وسُحقًا للنقابات "الأرزقية"
إذا كنتم تريدون تجديد الفكر الإسلامي (1-3)
الإمام البخاري ليس ملاكًا (3-3)
الإمام البخاري ليس ملاكاً (2-3)
كارثة في مجلس الشعب
إسرائيل غلطة تاريخية يصححها المصـير
الحزب الديمقراطى الاشتراكي الإسلامي هو الحل (3 ــ 4)
الحركة النقابية يمكن أن تنقذ غزة
الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل (2-4)
الحزب الديمقراطي - الاشتراكي - الإسلامي هو الحل (1-4)
تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تـُلزِم
فيم نأتلف.. وفيم نختلف؟ (2-2)
جناية "قبيلة حدّثنا" (3 ــ 3)
جناية "قبيلة حدّثنا" (2-3)
جناية "قبيلة حدثنا" (1-3)
فصل المقال فيما بين الشيعة والسُـنة من اتصال
الخيار الصعب بين حكم القانون والحكم بالأصوات (1-2)
350 ألف معتمر و 75 ألف حاج..ما معنى هذا؟
قسمات الائتلاف والاختلاف بين اللوثرية المسيحية والإحياء الإسلامي
إنها دعوة لإثارة الفكر وإعمال العقل
صحفي شــاب يصحح للأئمة الأعلام خطأ ألف عام
إسلام الإنسان.. وإسلام السلطان (2 ـ2)
إسلام الإنسان وإسلام السلطان (1ـ 2)
الإسلام ليس موضوعًا فنيا يعكف عليه المختصون.. ولكن الإسلام هو الإنسان والوجود والقيم
كل ما جاء بالشريعة قابل للتعديل (1-2)
بين الجزر والحجر لا مكان لفكر حر
الثانوية العامة: الوهم الذي قادنا للجحيم (2-2)
الثانوية العامة: الوهم الذي قادنا للجحيم (1 - 2)
مانيفستو المسلم المعاصر
العمل عبر الأمة وليس الدولة 2 ــ 3
العمل عبر الأمة وليس الدولة (١-٣)
ماذا في ليبيا؟
الإعجاز القرآني في العصر الرقمي (2-2)
الإعجاز القرآني في العصر الرقمي "1- 2"
هل أحكام القضاء أكثر قدسية من القرآن؟
الإسلام صالح لكل زمان ومكان
"وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً"
ترخيص بالذبح
حديث القبلات (3-3)
حديث القبلات (2-3)
حديث القبلات
الأديان لا تنسخ بعضها بعضاً.. ولكن تكمل بعضها بعضاً (3-3)
الأديان لا تنسخ بعضها بعضاً..ولكن تكمل بعضها بعضاً (2-3)
الأديان لا تنسخ بعضها بعضًا ولكن تكمل بعضها بعضًا (1-3)
هل من الضروري أن نتعلم الإنجليزية حتى نعايش العصر؟
"غزة" عار المجتمع الدولي.. والقيادات الفلسطينية أيضاً
ولا يجْرمنكمْ شنآن قوْمٍ على ألا تعْدِلوا.. اعْدِلوا هو أقرب لِلتقوى
زراعة الأعضاء البشرية
محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية عار على القضاء وانتهاك للدستور
كلكم سيدخل الجنة "إن شاء الله".. إلا المارد المتمرد
للمرة الثالثة: التجربة التركية.. لماذا نجحوا ولماذا فشلنا؟
نوعان من الشيوخ: نوع ينقرض.. ونوع يرتزق
إلى الذين يدَّعون أنهم أهل الذكر: أهل الذكر هم اليهود!
هل هناك أمل ؟
الرجعية تكتسح العالم الإسلامي
وثيقة محاولة الترشيد ما لها وما عليها (2-2)
وثيقة محاولة الترشيد ما لها وما عليها (1-2)
فدمّرناها تدميرًا
أكتب عن إيه.. ولا إيه..!
أوثان في فكر الدعوات الإسلامية (2-2)
أوثان في فكر الدعوات الإسلامية (1 ـ 2)
حرصًا على سمعة ضباط البوليس
واجب مقدس على الكنيسة
فضيلة الإمام شيخ الأزهر... ولماذا لا يكون أمرًا بالمعروف ونهيا عن منكر يثاب فاعله؟
الجمع بين الصلاتين
العمال.. الجيش المدني للشعب
جامعاتنا: لم تعد منابر.. ولكن مقابر
ماذا توحي به "لا إله إلا الله محمد رسول الله"؟
وجاء رمضان
ليست المشكلة هي خانة الديانة.. المشكلة هي الجهالة والتعصب
التحقيق مع ضباط التعذيب له أصول أخرى
نهايات واحدة.. ووسائل مختلفة
إسرائيليات في البخاري
درس من تركيا (3-3)
درس من تركيا (2-3)
درس من تركيا (1-3)
كل تفسير للقرآن افتئاتٌ.. وتقويل القرآن ما لم يقله
القرآنيون (٢ - ٢)
حول طريقة انتخاب البابا
القرآنيون (١ ــ ٢)
كان الله في عون المفتى .. وفي عوننا أيضاً
ستون يوماً إضراباً .. هل نترك هؤلاء العمال يموتون أو يقهرون؟
ليس سُنة ولا مكرمة ولكن جريمة
أندلس جديدة في قلب الوطن العربي
أحاديث تناقض القرآن.. إذن تستبعد

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2010 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.