سألني صديق قبل أيام عن رأيي بخصوص الاتفاقية الأمنية بين دولة العراق والولايات المتحدة وما إذا كانت تنتهك سيادة العراق؟
فأجبته أنه لا رأي لي بخصوص هذه الاتفاقية أو أية اتفاقية مشابهة، فالأمر متروك للعراقيين ولحكومة العراق المنتخبة، بإمكانهم أن يقبلوها أو يرفضوها، لكني بدلا من ذلك سوف ألفت نظرك إلى مسألة أخرى. وهي:
أنه لجميع الدول في منطقة الخليج، باستثناء إيران إلى حد ما، قصة مع السيادة. أو لنقل أن لديها عقدة من موضوع السيادة.
السبب هو أن معظم دول الخليج، هي دول ذات سيادة فقط بفضل الأمر الواقع، وليس لأنها تتمتع بالسيادة فعلا.
إن دولا مثل البحرين وقطر والكويت على سبيل المثال، لم يكن لها أن تقوم أو تظل محتفظة بسيادتها إلى هذا الوقت لولا بريطانيا أولا، ثم الولايات المتحدة.
فبريطانيا الاستعمارية التي قدمت إلى المنطقة في القرن التاسع عشر، هي التي حافظت على هذه الدويلات، وحمتها بمعاهدات الحماية. ولما انسحبت بريطانيا من الخليج وجنوب اليمن في بداية السبعينات، تسلمت الولايات المتحدة الإرث البريطاني ووقعت اتفاقيات حماية مع دول الخليج. وبعض هذه الدول وقعت اتفاقيات مماثلة مع فرنسا وروسيا.
وبالطبع احتفظت الولايات المتحدة بالقواعد العسكرية والتسهيلات والمنشآت، التي كانت تعطى للبريطانيين، واستحدثت أخرى فيما بعد.
ولو لم تكن بريطانيا والولايات المتحدة في الخليج لأصبحت معظم الدول الصغيرة فيه، إما أقاليم أو محافظات ضمن دول أخرى أكبر حجما.
لذلك فإن أي انسحاب أمريكي اليوم من الخليج، من شأنه أن يعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاستعمار البريطاني.
مع ذلك فإن الرأي العام في المنطقة، بما فيه الكثير من الصحف الحكومية، الكويتية والبحرينية والقطرية والإماراتية، تصرخ ليل نهار مطالبة برحيل القوات الأمريكية من العراق، وبإنهاء الوجود الأمريكي في الخليج.
وأنا شخصيا أتعاطف مع هذه المطالب، وأضم صوتي لهذه الأصوات الطيبة وأتمنى اليوم قبل الغد أن تنسحب الولايات المتحدة من المنطقة لتترك دولها تمارس سيادتها بحريتها!
وأزيد على ذلك بالقول إنه لو يملك أي رئيس أمريكي عقلا راجحا لتفاهم مع الإيرانيين، وأوكل لهم الأمن في الخليج، مع شرط حماية طرق إمداد النفط، فالدولة الإيرانية كانت طوال التاريخ موجودة في هذه المنطقة، قبل البريطانيين وقبل الامريكيين.
وما نأمله هو أن يقرأ الرئيس الأمريكي القادم حقائق التاريخ والجغرافيا في هذه المنطقة ويتصرف في ضوئها. يساعده على ذلك حملة الكره والرفض والتشويه المنبعثة من دول الخليج (سيما قناة الجزيرة في قطر)، ضد كل ما هو أمريكي.
الواقع أنه لا أحد يكره الأمريكيين كما يفعل الناس في منطقة الخليج، ولذلك فإنه على الامريكيين أن يتصرفوا مثل من يحترم نفسه ولا يفرضها بالقوة على من لا يحبه. وبالتالي عليهم أن يفكروا بالرحيل من منطقة الخليج، ويتركوها لمصيرها.
وهذا ينطبق أيضا على العراق والعراقيين، فإذا كانوا لا يريدون الامريكيين أو لا يشعرون بالود تجاههم، فلماذا يتعين على أمريكا أن تبقى هناك وتخسر من دماء أبنائها وأموال الامريكيين كل يوم؟ لا شيء يستحق كل ذلك. |