لقد كان منظر صلاح المختار أحد أيتام النظام العراقي السابق بائسا وهو يتحدث إلى برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة يوم الثلاثاء ((24/6/2008)، عن أوهامه وأوهام من بقي معه، باستعادة الأيام الخوالي ، أيام حزب البعث المقبور.
يمثل المختار نموذجا مثاليا للديماغوجيين ممن يرفضون الاعتراف بالواقع، والتمسك بأوهام الماضي وخيالاته. فهو لا يرى فيما جرى في العراق منذ عام 2003، سوى صورة أمريكا، وينسى أن العراق قد تغير كليا، وإلى الدرجة التي يستحيل معها إعادته إلى قمقم البعث الفاشي.
من الممكن القول إن العراق قد لا يصبح في المدى المنظور بلدا ديمقراطيا ناجزا مثل كوريا الجنوبية واليابان، ولكنه يسير في هذا الاتجاه وإن بصعوبة، تفرضها طبيعة تركيبته العشائرية والطائفية. كما تفرضها التهديدات الأمنية وعصابات القاعدة والبعثيين والجهاديين وأنصار الصدر، التي ستظل لبعض الوقت، تحاول عبثا إعادة عجلات الزمن للوراء.
بيد أن المؤكد اليوم أن العراق قد تخطى مرحلة العودة إلى الماضي، وأن المستقبل بدأ يشع بوضوح على ربوعه. فهو آخذ في ترسيخ مؤسساته الدستورية، وتجذير التقاليد الديمقراطية وإجراء الانتخابات البرلمانية والمحلية، كما بدأت الحكومة المركزية في استعادة هيبتها بفضل تنامي قدرات الجيش وأجهزة الأمن والشرطة العراقية.
ولن يمضي وقت طويل قبل أن يتمكن العراقيون من السيطرة على الأمن على الحدود ومنع تدفق المسلحين من سوريا وإيران، وبحيث لا يحتاجون فيه إلى القوات الأمريكية.
وبالموازاة أيضا العمل على إصلاح النظام الإداري (عبر التخلص من الفساد والمحسوبيات) واعتماد الشفافية والمحاسبة والتزام العدالة والمساواة في توزيع الثروة والسلطة، وهي قضايا لا تقل أهمية عن مواجهة التحديات الأمنية.
من جانبها استفادت الولايات المتحدة من أخطائها السابقة في العراق، بما في ذلك تجربة سجن أبو غريب السيئة الصيت، والتخلص من صورة "المحتل" التي ألصقها بها أعداؤها، وباتت اليوم اقرب إلى الشراكة والتعاون مع العراقيين.
وكان المستشار في وزارة الخارجية الأمريكية آدم إيرلي الذي ظهر محاورا ممتازا للمختار في برنامج الاتجاه المعاكس، خير دليل على أن الإدارة الأمريكية، قد استوعبت دروس الماضي، على عكس أيتام حزب البعث والقومجيين الذين لم يصلوا بعد إلى مرحلة الاعتراف بأخطائهم والتعلم منها.
فالولايات المتحدة لم تكن في يوم من الأيام قوة احتلال أو استعمار، وبالتأكيد هي لا تحتاج ولا ترغب في تحويل العراق إلى مستعمرة لها. والحديث عن النفط العراقي ونهبه، هو من الخرافات التي لا أصل لها من الصحة، وأبسط دليل عليها أن الولايات المتحدة تركز جهودها حاليا، ليس في الحصول على المزيد من النفط من الخارج، وإنما تقليل الاعتماد عليه.
أما الشركات الأمريكية العاملة في مجال النفط، فهي كغيرها من الشركات العالمية، موجودة في العديد من الدول، ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى صرف مئات المليارات من الدولارات في العراق وخسارة أرواح أربعة آلاف جندي من أجل حصول تلك الشركات على حقوق التنقيب.
وعلى أية حال كان صدام قد عرض على الأمريكيين امتيازات نفطية في أواخر أيامه، على أمل أن يتفادي مصيره المحتوم، لكن الولايات المتحدة رفضت عرضه، ومضت قدما لوضع نظامه في مزبلة التاريخ (إلى جانب العديد من الأنظمة الديكتاتورية).
باختصار، فإن الأحلام التي تراود البعثيين من أمثال صلاح المختار، بإعادة العراق إلى حظيرة النظام العربي الرسمي الفاسد، هي من قبيل أحلام اليقظة التي لن يكتب لها النجاح، وذلك لسبب بسيط وهو أن العراقيين أنفسهم قد تجاوزوها. |