Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :28/6/2008 6:54 AM

لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟

 

سعد الدين إبراهيم

زرت لبنان للمرة الرابعة خلال سنتين، في الأسبوع الثالث من يونيو ٢٠٠٨، بمناسبة مؤتمر عن "تحديات العولمة للأسرة العربية"، نظمته جامعة لبنان الأمريكية، في بيروت، ومركز الدوحة الدولي للأسرة والتنمية بدولة قطر.

وتزامن موعد المؤتمر مع الذكرى الثانية لما أصبح يسمي "حرب الصيف" بين حزب الله وإسرائيل، التي صمد فيها مقاتلو حزب الله لستة أسابيع أمام هجوم آلة الحرب الإسرائيلية الرهيبة، أرضاً وبحراً وجواً. وأكثر من ذلك، شن مقاتلو حزب الله عدة غارات صاروخية، طالت مراكز سكانية رئيسية في الداخل الإسرائيلي. ولم يستسلم حزب الله، أو يذعن لأي من الشروط الإسرائيلية بإلقاء السلاح والإفراج عن جنديين إسرائيليين أسيرين عند حزب الله. ولم تتوقف الحرب إلا بعد تدخل مجلس الأمن وإرسال قوات دولية للفصل بين مقاتلي حزب الله وإسرائيل.

واعتبر الرأي العام الإسرائيلي ذلك هزيمة غير مسبوقة لـ"الجيش الذي لا يقهر". وشكّلت لجنة تحقيق مستقلة من كبار قضاتها وجنرالاتها المتقاعدين، لتقصي أسباب هذه "الهزيمة". طبعاً خلال هذه الأسابيع الستة تعمدت إسرائيل أن تدمر معظم البنية الأساسية اللبنانية من طرق وجسور ومطارات ومحطات طاقة، لكي تثير الرأي العام اللبناني على حزب الله، الذي استفز إسرائيل بأسر جنديين من جنودها، وتسبب ذلك في انفجار حرب الصيف. وكان حزب الله قد فعل ذلك، دون إذن أو تنسيق مع الحكومة اللبنانية الشرعية والمنتخبة ديمقراطياً (منذ عام ٢٠٠٥).

ولكن الشعب اللبناني في لحظة المواجهة وقف صفاً واحداً، مؤيداً لحزب الله. بل إن زعيم الحزب، وهو السيد حسن نصر الله، شكر الشعب اللبناني والأمة العربية على دعمها لمقاتلي الحزب، وتعهد أن تتم محاسبته بعد وقف المعارك. وبالفعل اعتذر الرجل، فيما بعد، بسبب ما حدث للبنية الأساسية، وقدم العزاء والتعويض للمئات ممن سقطوا شهداء أو جرحى من المدنيين. كما عرض إعادة بناء ما دمرته إسرائيل من مرافق. ولكن كيف لحزب ومقاتلين غير نظاميين أن يقوموا بما لم تنجح فيه كل الجيوش العربية في عدة حروب خلال الستين سنة السابقة؟ وكيف لحزب أن يقوم بما هو دور الدولة اللبنانية، سواء في الدفاع عن ترابها الوطني أو إعادة بناء ما دمرته الحرب؟

والإجابة عن السؤالين، وغيرهما من أسئلة عن حزب الله، ولبنان، هي أن لبنان ـ المجتمع والدولة ـ يختلف عن أي مجتمع عربي، وعن أي دولة عربية. إن "لبنان" كيان فريد بسكانه الذين لا يتجاوزون خمسة ملايين، يتوزعون على ثماني عشرة طائفة دينية ومذهبية مختلفة، وتعتز كل منها بذاتها وهويتها وتميزها. وتتفاوت هذه الطوائف في حجمها وثراء أبنائها، وتأثيرها السياسي والثقافي داخل لبنان. كما أن عدداً منها له علاقات خارجية وطيدة مع دول وقوى أخرى في المنطقة وخارجها.

من ذلك أن المسيحيين الموارنة على علاقة وثيقة بفرنسا والفاتيكان، والمسيحيين الأرذوكس على علاقة وطيدة بروسيا واليونان، والدروز على علاقة قوية تاريخياً ببريطانيا ومصر، والمسلمين السُنة على علاقة قوية بالسعودية ومصر، والمسلمين الشيعة علي علاقة قوية بإيران والعراق... وأصبحت كل طائفة تستقوي بحلفائها خارج لبنان. ومن هنا الإجابة عن الكيفية التي استطاع بها حزب الله أن يواجه إسرائيل وحده، دون إذن أو تصريح أو تنسيق مع الدولة اللبنانية.

فحزب الله هو الجناح السياسي والعسكري للمسلمين الشيعة في لبنان، وتدعمه إيران بالسلاح والمال، وتسمح سوريا، لأسباب إقليمية، بمرور هذا المال والسلاح عبر أراضيها. ومن هنا استطاع حزب الله أن يفعل ما فعل في "حرب الصيف" (٢٠٠٦) ويحوز إعجاب العرب والمسلمين جميعاًَ، وأغلبيتهم الساحقة هي من غير الشيعة. بل ربما تضطهد هذه الأغلبية السُنية الشيعة في بلدانهم، حيث يطلقون على الشيعة "الفرقة الرافضة"، أو تنظر إليهم نظرة متدنية. ولكن حينما يأتي الأمر لإسرائيل، التي يعتبرونها أعدى الأعداء، فإن معظم العرب والمسلمين يعجبون، ويصفقون لمن يتصدى لها.

ومن هنا الإعجاب بحزب الله وزعيمه رجل الدين الشيعي السيد حسن نصر الله. ومن هنا استعداد الجميع لالتماس الأعذار لهما علي عدم التنسيق مع الدولة اللبنانية، أو أخذ تصريح منها لمحاربة إسرائيل!. وهكذا فإن عرباً كثيرين ممن يحبون لبنان يحبونها كرامة وتكريماً لحزب الله، وللسيد حسن نصر الله. ولكن هناك حباً سابقاً يحمله عرب كثيرون، ويعود إلي قرن سابق علي مولد حسن نصر الله وحزب الله. ومن هذا، حب العرب من خارج لبنان لطبيعته الخلابة، التي جذبت الميسورين العرب للاصطياف فيه. ومنهم أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي نظم شعراً عذباً في لبنان، جعل الذين لم يزوروه يقعون في حبه ويتشوقون لزيارته.

إلى جانب الطبيعة الخلابة فإن لبنان كان من أوائل البلدان العربية انفتاحاً علي العالم الخارجي. وتعود جذور هذا الانفتاح إلى الفينيقيين القدامى، الذين استخدموا خشب "الأرز" الشهير في بناء سفن، جابوا بها البحر الأبيض المتوسط، وشيدوا محطات لأساطيلهم التجارية ـ منها طرابلس الشرق، وطرابلس الغرب (ليبيا)، وتونس.. وغيرها. ومع هذه التقاليد التجارية العريقة نمت صناعة البنوك، ومع التواصل المبكر مع الغرب تحول لبنان إلى عاصمة مالية للشرق الأوسط والعالم العربي. ومع كل انقلاب عسكري، أو ثورة، تحدث في البلاد العربية، كانت رؤوس الأموال، تهرب وتجد مأوي أميناً في لبنان. ومن هنا اكتسب لبنان سمعة مصرفية أشبه بتلك التي تتمتع بها سويسرا.. ومن هنا أيضاً أحبه الأغنياء، إلى جانب الشعراء.

بسبب هذا الانفتاح التجاري والثقافي حرص اللبنانيون على حرية التفكير والتعبير. فانتعشت الصحافة والطباعة والنشر وأصبح لبنان مقصداً وملجأ لدعاة الحرية وأصحاب الأيديولوجيات، الذين يضيق بهم حكام بلادهم من الطغاة والمستبدين. وهكذا أصبح العرب من عُشاق الحرية يحبون لبنان، حتى لمن لم يزوروه في حياتهم. إن لبنان هذا ـ المتنوع دينياً وطائفياً ومذهبياً، وذو الطبيعة الخلابة، من جبال وسهول ووديان وأنهار- ألهم في أوقات سِلمه واستقراره إبداعاً ثقافياً هائلاً.

فارتبط لبنان منذ ثلاثة أجيال بأشعار جبران خليل جبران، وبألحان فريد الأطرش والأخوان رحباني، وبأصوات أسمهان وفيروز وماجدة الرومي، وبإعلاميين أفذاذ بدءاً من غسان تويني وانتهاء بجورج قرداحي، وبممثلين عمالقة بداية بنجيب الريحاني وبشارة واكيم، وانتهاء باستعراضيات فاتنات، مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي. ولبنان هذا -المتنوع، والمنفتح، والحر، والجميل- هو الذي أتاح إنشاء أشهر جامعة حديثة، وهي الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) في منتصف القرن التاسع عشر، والتي أصبحت نموذجاً يحتذي.

فسرعان ما نشأت شبيهات لها في القاهرة(AUC) ، واستانبول(Robert Collage) في القرن العشرين، ثم تكاثر نفس النموذج، حتى وصل إلى حوالي مائة جامعة أمريكية من الخليج إلي المحيط. ومنها الجامعة التي استضافت مؤتمرنا، وهي جامعة لبنان الأمريكية. وهكذا أصبح لبنان قاعدة وطيدة للتعليم الحديث المتميز. لهذه الأسباب جميعاً أحب العرب لبنان، وهم يسعدون حينما يكون آمنًا مستقرًا. لأنه يصبح وطناً ثانيًا لكل عربي، من المحيط إلى الخليج. وهم يحزنون حينما يعصف اللبنانيون أو جيرانهم باستقرار لبنان وأمنهم. فهم حينئذ يشعرون بأنهم كما لو كانوا قد فقدوا وطنهم الثاني.

لذلك ابتهج العرب جميعاً، حينما نجحت الوساطة القطرية في إنجاز مصالحة بين الفرقاء المتنازعين في لبنان منذ ما بعد حرب الصيف في أبريل الماضي. وهو نزاع أصاب الحياة في لبنان بما يشبه الشلل. وحينما تبادل العرب من خارج لبنان خواطرهم، وعبّروا عن بهجتهم للعودة إلى لبنان الآمن المستقر، نبهنا بعض المشاركين الأجانب إلى أن العالم كله- وليس العرب وحدهم- يحب لبنان، وقد ابتهج العالم كله باتفاق الدوحة. فسألنا- نحن العرب المشاركين- زملاءنا الأجانب: لماذا تحبون لبنان؟

أجاب أحدهم، وهو فرنسي: لأن اللبنانيين يجيدون اللغة الفرنسية ويحبون فرنسا! وقال آخر، وهو أمريكي: لأن اللبنانيين هم الأكثر انفتاحاً وتقبلاً وتعايشاً مع الآخرين والثقافات الأخرى. وقال ثالث، وهو إيطالي: إن المطبخ اللبناني (الكوزين) هو الوحيد الذي يتفوق على المطبخ الإيطالي. وقال رابع - وهو بريطاني - بشيء من السخرية: لأن لبنان هو المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي استطاعت بريطانيا أن تنشئ فيه مدرسة الجاسوسية في بلدة شملان الجبلية، يتعلم فيها جواسيس المستقبل اللغة العربية بطلاقة، وكذلك كل اللهجات المحلية...! وقالت سيدة فرنسية: إن اللبنانيات هن الأكثر أناقة، حتى منا نحن "الباريسيات"!

وهكذا اكتملت الصورة، والإجابة أو الإجابات عن السؤال: لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟.. والله أعلم.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني:

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.