في العدد الماضي تحدثنا عن الجحيم الذي قادتنا إليه الثانوية العامة، وكان قد وقف عند النشيج والبكاء دون أن يتطور إلى الإغماء والانتحار، لأن كل مادة تأتي كانت أصعب من سابقتها، مما حول البيت المصري إلى مأتم، ووعدنا بالحديث عن السياسة التعليمية الرشيدة التي تخلصنا من هذا المأزق الضخم الذي تنفق عليه الحكومة المليارات، وينفق عليه الآباء والأمهات مليارات مماثلة، ثم لا يحقق إلا الحسرة والتخبط.
وقد كانت السياسة التعليمية موضوعًا لكتابات متصلة ومستفيضة من كبار المختصين، لعل أبرزهم الدكتور حامد عمار - متعه الله بالصحة والعافية - ولا يتسع المقال لأن نفيض كما أفاضوا ولكننا سنعرض ـ في تركيز شديد بحكم محدودية المساحة ـ بعض الأفكار عن:
أولاً: الخطوط العريضة الرئيسية للسياسة التعليمية.
ثانيا: التعريف بمدرسة يابانية في الفكر التعليمي يغلب أن يجهلها المختصون رغم أن لها ثلاثين عامًا وأنها تعقد مؤتمرات دولية.
إن أهم شيء في السياسة التعليمية هو التخلص من الأثر المهيمن لفكرة "المادة" أو "المعلومة" التي سيطرت علي مناخ العملية التعليمية كما لو كان غرضها الوحيد تزويد التلميذ بها، أو صبها فيه كما لو كان جوالاً، لأن للعملية التعليمية أهدافاً ومآرب أخرى، ومن ثم يفترض الاقتصار على نصف المادة التي تقدم حاليا ويمكن للطالب إن شاء أن يلم بالباقي عن طريق المطالعة، ويستتبع تقليص المادة تقليص الأهمية الكبيرة والمخيفة للامتحانات التي تأخذها الآن، خاصة عندما نعتبر أن الرسوب لا يعد مانعًا من التقدم للسنة التالية إلا في حدود معينة.
سيفسح لنا هذا المجال للتركيز على تنمية شخصية التلميذ سواء كانت بالتعرف على قابلياته الشخصية والطبيعية، وهل هي علمية، أو أدبية، أو فنية، أو رياضية.. إلخ، وفتح الباب أمام هذه القابليات مع تنمية النزعة الاستقلالية، والاعتماد على النفس، والثقة في قدراته، إن الدراسة - خاصة في المراحل الأولى - يفترض أن تكون تربوية أكثر منها تعليمية وبحيث تكون المدرسة كالبيت. ويفترض أن تقسم الفصول حسب القابليات مما يسمح بتنميتها.
كما يجب التركيز علي التخصص طبقًا للقابليات في الدراسة الثانوية بحيث تكون المدارس الثانوية نوعًا من المعاهد المتوسطة المتخصصة التي يمكن للنابغين والمتقدمين دخول كليات تخصصية (هندسة ـ طب ـ تعليم.. إلخ )، كما يجد من لا يدخل الجامعة مجالاً في تخصصه، وبهذا يمتص الخريجون جميعًا: المتفوقون إلي الجامعات، والأقل إلى سوق العمل.
ويجب تحديد التخصصات في كليات الجامعة تبعًا لحاجة خطط التنمية والمشروعات الموجودة بحيث يوجد تناسق بين الأعداد وبين الحاجة ولا يزيد العدد في ناحية غير مطلوبة ويقل في ناحية مطلوبة.
وفي كل كلية لابد من تكوين "معهد أبحاث" يتولى تنمية الدراسة الفنية البحثية للمادة العلمية من الناحية النظرية والوصول بها إلى أعلى مستوياتها، ويجب أن يخصص لهذا المعهد أعلى النابغين مع اشتراط القابلية والإيمان بقيمة البحث العلمي، وأنه أهم من المال الذي يمكن أن يحققه من ممارسة المهنة في السوق، ويجب أن ينفق على هذه الأقسام بسخاء، لأنها هي التي تقدم البحث العلمي، وهي التي تنهض به بحيث ينهض بالصناعة والتجارة والزراعة والخدمات.
وهناك فرع مهم من التعليم مهمل لدينا ولا يجد العناية اللازمة هو تعليم الكبار. إن تعليم الأطفال مهم بالطبع، ولكنه لا يؤتي ثمره إلا بعد عشرات السنين، أما تعليم الكبار فإنه يؤتي ثمره في الحال ويستدرك أو يستكمل المهارات الناقصة والمطلوبة، ولتعليم الكبار وسائله الخاصة التي لا تتطلب إعداد فصول وإحضار دارسين، لأن الدراسة تذهب إلى الدارسين في أماكن أعمالهم، بل قد يمكن أن تكون بالمراسلة.
لم يحدث في عهد ما أن كانت الأبحاث العلمية الطبيعية، أو الكيميائية، أو الكهرباء.. الخ، عاملاً في تقدم الصناعة وإيجاد الطاقة، والكشف عن أسرار المادة وتفاعلاتها، والبحث العلمي هو الذي مكن الإنسان - لأول مرة - من الخلاص من قوة الجاذبية والوصول إلى الكواكب واستخدام الأقمار الصناعية في التليفزيون والتجسس وتخليق مواد يقوم عليها الكمبيوتر، وكل ما نشاهده من روائع العصر هو حصيلة البحث العلمي النظري، والتجدد للمعرفة، إن معهد الأبحاث يجب أن يكون بمثابة "التاج" في كل كلية تفخر به وتراه من رمز تفوقها وإبداعها وإسهامها في التقدم.
إن أصغر دولة - إسرائيل - تنفق على البحث العلمي أضعاف أضعاف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة وبما فيها دول البترول بملياراتها، وهذا هو سر تفوقها، لأن المعرفة هي سر القوة والطريق إليها.
ومما يسيء إلى قضية الخريجين، أن رغبة الخريجين في وظيفة مكتبية جعلت الجهاز الإداري الممثل في دواوين الحكومة متخم بموظفين يجلسون على المكاتب ولا حاجة للعمل بهم، وبقدر ما يكون الجهاز الإداري صغيرًا يضم عددًا محدودًا من ذوي القدرة الإدارية بقدر ما يكون نجاحه في إدارة المرفق الذي يمثله، والعكس بالعكس.
وهناك اختلالات غير مفهومة، فهل يعقل أن يتعطل خريجو الزراعة فلا يجدون عملاً ونحن دولة زراعية، والتحدي الزراعي يمثل أحد التحديات الكبري في السياسة الإنتاجية/الاقتصادية.
القضية الثانية التي أود الحديث عنها هي تعريف الباحثين التربويين المصريين بمدرسة في الفكر التعليمي والتربوي قد لا يعلمون عنها شيئاً رغم أنها قامت في اليابان منذ أكثر من ثلاثين عامًا ولها مؤتمرات سنوية في عواصم العالم كان آخرها بباريس سنة 2006 بمقر "اليونسكو" بباريس.
بدأت السيدة يوشيكو نومورا دراسات تطوعية في التعليم مع مجموعة من ربات البيوت سنة 1962 وتطورت الفكرة شيئاً فشيئاً بحيث أخذت التجربة اسمها "مشروع التعليم التكاملي المستمر مدى الحياة"، وعقدت أول مؤتمراتها سنة 1970 ومنذ ذلك الحين حتى سنة 2006 عندما توفيت السيدة يوشيكو نومورا بعد أن قطعت شوطًا كبيرًا في إقامة مؤسسة ناجحة لها فروعها في مختلف دول العالم وتقوم بنشاط دائم وتعقد كل عشر سنوات مؤتمرًا دوليا.
إن الجديد في تجربة التعليم المتكامل مدي الحياة هو دراسة "الحكمة" جنبًا إلي جنب المواد النفعية مثل "الكومبيوتر"، إن اليابان قد لا تكون من الأمم التي ظهر فيها أحد الأنبياء من أولي العزم، ولكن من المؤكد أن لديها رصيدًا أو أصلاً إيمانيا عميقًا يجعلها توجب دراسة الحكمة، وهي أقرب "مادة" إلى الدين، وبالطبع فإنها تخلص مما تعلق بالدين من أوهام وخرافات.
وفي الوقت نفسه فإن العملية التعليمية يجب أن تخرج من صدفة المدرسة لتسهم في مناشط الحياة ومجالاتها باعتبارها أداة في المجتمع تعمل ليكون هذا المجتمع إنسانيا متكاملاً، كما لا يجوز ربط العملية التعليمية بمدد الدراسة لأن التعليم يجب أن يستمر بطريقة أو بأخرى.. طوال الحياة، وبتعبيرنا العريق "من المهد إلى اللحد".
ومن خصائص نظرية السيدة نومورا أن التعليم يجب أن يتعايش مع بيئته، إنها ليست بيئة ميتة، إنها حية، ولها طبيعتها ويجب على التعليم أن يتعرف عليها ويتصالح معها بحيث يحقق تعايشًا مثمرًا.
لقد عملت السيدة نومورا طوال أربعين عامًا متصلة في خدمة قضية التعليم في ضوء فكرها، ولخصت هذه التجربة في مجلد من جزأين يضم 396 صفحة، وقد صدر الكتاب باليابانية سنة 1996 وترجم إلى الإنجليزية سنة 1998 وكان من آمال السيدة نومورا أن يترجم إلى العربية ويطبع بها، وهذا ما حققته لها دار الفكر الإسلامي فتولت تحت رعاية اليونسكو طبع ونشر الترجمة العربية، وكتبت مقدمة لها، وصدرت الطبعة العربية في السنة التي توفيت فيها، وكانت سعيدة بها كل السعادة، وعندما دعيت إلي مؤتمر المؤسسة عام 2006 كنت لهذا السبب محل احتفاء وتكريم من خليفتها في رئاسة المؤسسة.
إن ألفي نسخة من هذا الكتاب الفريد تقبع في مخزن دار الفكر الإسلامي تنتظر من يطلبها، وقد قمت بتعريف دائرة محدودة به، وتصورت أن القراء سيحرصون على اقتنائه والاستفادة منه، وما أكثر المعنيين بالتعليم، وما أحوجهم إلى الفكر الجديد الأصيل فيه، ولكن ما حدث كان نقيض ما تصورناه، عزوفاً كاملاً من الناشرين عن توزيع الكتاب، ومنهم أصدقاء لنا، ولكن خبرتهم كانت لسبب ما تأبى قبول الكتاب، ولعل هذا هو أحد مؤشرات أزمة التعليم، فالذين يعملون لعلاج الأزمة لا يقرأون ما كان يمكن أن يقدم لهم الحلول. ولعل هذا التعريف به أن يكون حافزًا لهم على قراءته.
نقلا عن صحيفة "المصري اليوم" |