Untitled 1

 

2018/1/18 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :12/7/2008 8:55 AM

عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين

 

سعد الدين إبراهيم

رحل عن دنيانا د. عبدالوهاب المسيري (٣/٧/٢٠٠٨)، دون فرصة لوداعه، رغم اشتداد المرض عليه في السنة الأخيرة، والتي شاء القدر تزامنها مع بداية سنتي الأولى في المنفى.

قابلت عبدالوهاب المسيري لأول مرة في صيف ١٩٦٥، كان يدرس هو لدرجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي بجامعة روتجرز، بولاية نيوجرسي. وكنت وقتها رئيساً للطلبة العرب في الولايات المتحدة وكندا. وبهذه الصفة كنت أزور فروع المنظمة المنتشرة في كل الولايات الأمريكية الخمسين، ومنها ولاية نيوجرسي. وفاجأني عبدالوهاب المسيري وزميل آخر، اسمه محمد شقير ويدرس الطب، بأنهما يريدان حواراً خاصاً بعد لقائي مع أعضاء فرع المنظمة في جامعتهما. ولم يكن لدي مانع.

ودخل عبدالوهاب في الموضوع مباشرة، باتهامي بأنني "ناصري إصلاحي" بينما هو، كما يصف نفسه وقتها "ثوري ماركسي ماوي"، ومع ذلك فهو يريد الحوار معي، لأن معظم الناصريين الذين قابلهم إلى تاريخه يتسمون "بضحالة فكرية مُخزية". ولأنه قرأ بعض كتاباتي، فإنه يعتقد أنه عثر أخيراً على "ناصري" جدير بالحوار معه!. فبقدر ما كان عبدالوهاب المسيري متواضعاً علي المستوي الشخصي الإنساني، إلا أنه في تلك المرحلة من حياته كان "متعالياً فكرياً"، ولا صبر لديه لذوي "الثقافة" المحدودة، أو التفكير الشعبوي، أو الخطاب السوقي.

وحينما لفتّ انتباهه لهذه النزعة الفكرية المتعالية، ذكّرني بقول مأثور للسياسي البريطاني ونستون تشرشل، والذي كان واسع الثقافة، ويتعالى على خصومه السياسيين فكرياً. وفي الإجابة عن سؤال لأحد الصحفيين، لماذا لا تكون متواضعاً مثل منافسك زعيم حزب العمال، كليمنت أتلي، رد تشرشل، "أن غريمه أتلي لديه كل الأسباب التي تجبره على هذا التواضع"!. في هذا الحوار الأول مع عبدالوهاب، كان واضحاً ولعه الشديد بالمنهج الجدلي للفيلسوف الألماني "هيجل"، والذي بناه على صدام الأفكار..

ثم جاء أحد تلاميذه، وهو كارل ماركس، وبنى نظرية جديدة على صدام القوي المادية في التاريخ الإنساني، وهو ما أطلق عليه "صراع الطبقات". وكان انتقاد المسيري لثورة يوليو في مصر وللناصرية عموماً، أنهما بلا نظرية فلسفية. وكانت ردودي المتواضعة عليه هي أن معظم البشر، منذ بداية الخليقة إلي الوقت الحاضر، يولدون، ويشبون، ويعملون، ويموتون، دون نظرية فلسفية!. وأن عبدالناصر اجتهد في صياغة رؤية عامة تربط نضال المصريين من أجل حياة كريمة مستقلة، بجذورهم الحضارية كعرب ومسلمين..

وبواقعهم الجغرافي كأفارقة يعيشون مع شعوب أخري تناضل من أجل الكرامة والاستقلال في نفس القارة. وأن هذه الرؤية صيغت بلغة بسيطة يفهمها "العامة" ويستجيبون لها. كان المسيري متوقد الذكاء، وسريع الطلقات في حواراته، فكان يلاحقني أو يقاطعني بأسئلة، من قبيل ماذا تعني بـ"الكرامة"، و"الاستقلال"، و "العامة".. وقد عُرف عنه في تلك الأيام أنه يمكن أن يترك محاوره في ربع الطريق، أو منتصفه، إذا لم يجده على نفس المستوى السجالي. وحين لفت انتباهه بعض الأصدقاء إلى "عدم اللياقة"، في ترك متحدثه هكذا، كانت إجابته سريعة وحاضرة، إن السجال الفكري مثل رياضة التنس... حيث المتعة هي في وجود لاعب آخر، يرد الكرة بندّية.

استمرت وقويت علاقتنا طوال سنوات الدراسة في الولايات المتحدة.. وكثيراً ما كان يأتي خصيصاً لزيارتي في جرين كاسل بولاية أنديانا، حيث كنت أقوم بالتدريس بعد حصولي على الدكتوراه في علم الاجتماع.. وكانت المسافة بالسيارة بين الولايتين تستغرق عشر ساعات على الأقل. وحينما وقعت الواقعة في يونيو ١٩٦٧، التقي الطلبة العرب في مؤتمرهم السنوي، بعد شهرين من الهزيمة.. وكان اليوم الأول للمؤتمر عبارة عن "مندبة" أو بكائية جماعية.. واليوم الثاني كان اجتهادات جماعية للإجابة على السؤالين "كيف" و"لماذا" وقعت الواقعة؟. وكان اليوم الأخير للمؤتمر، هو للإجابة عن السؤال: ما العمل؟

قبل هزيمة ١٩٦٧، كانت أحلام بعض أبناء جيلنا، نحن الدارسين العرب في الخارج في عقد الستينيات تدور حول تحقيق مجتمع اشتراكي عادل وعصري.. وكانت أحلام بعضنا الآخر هي كيفية تحقيق الوحدة العربية من الخليج إلى المحيط، وأحلام البعض الثالث هي تحقيق مجتمعات حرة ديمقراطية مفتوحة.. وأحلام البعض الرابع هي بعث أمة الخلافة الإسلامية الراشدة.. وكان أصحاب كل من هذه الأحلام يتنافسون على قيادة منظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة وكندا.

ولكن واقع الهزيمة المرة دفع بهذه الأحلام جميعاً إلى خلفية وهوامش الوعي. أما مركز الوعي وبؤرته فقد أصبح منذ صيف ١٩٦٧ هو كيفية الخروج من فاجعة الهزيمة. وضمن مناقشاتنا، كان هناك سؤلان محوريان طرحناهما في مؤتمرنا بمدينة ايست لانسينج بولاية ميتشجان، في ذلك الصيف الحزين، هما:

ـ ماذا نعرف عن "العدو" الذي هزمنا، وبدد أحلامنا؟

ـ بل ماذا نعرف، نحن كعرب، عن أنفسنا؟

وكان السياسي العراقي د. سعدون حمّادي، أحد رؤساء منظمة الطلبة العرب السابقين، والذي كان لاجئاً في دمشق، قد أرسل لنا رسالة مطولة، بث فيها همومه من إحدى العواصم العربية المهزومة، وقال لنا بصراحة إن دمشق والقاهرة وعمان، مازالت في حالة صدمة وشلل، يقعدها عن التفكير الجدي والجريء، والشجاع لمواجهة الكارثة، وأن الطلبة العرب في الولايات المتحدة وكندا، بحكم هامش الحرية الكبير، الذي يتمتعون به، هم في موقف أفضل لبدء هذا التفكير الجريء والشجاع.

استرعت العبارة الأخيرة في رسالة د. سعدون حمّادي اهتماماً غير عادي من زميلنا عبدالوهاب المسيري. وضمن ما علّق به وكان جديداً علينا هو مفهوم "القطيعة المعرفية" مع الماضي، وقال إن هذا ما يقصده سعدون حمّادي، حيث إن فكرنا وخطابنا وممارساتنا الحالية هي التي أدت بنا إلي الهزيمة، وأن من هُزموا قبلنا في القرن العشرين مثل ألمانيا واليابان، مارسوا هذه القطيعة المعرفية، وبدأوا من جديد، ونهضوا نهضة جبّارة.

واقترح عبدالوهاب أن نواصل حوارنا، بعد مؤتمر الطلبة العرب، لعدة أيام في خلوة، أقوم أنا باستضافتها، في مقر جامعتي في جرين كاسل، التي كان يحبها لهدوئها وجمالها.. وهو ما كان.. وأذكر ممن شاركوا في هذه الخلوة، المرحوم فوزي هيكل والمرحوم كمال الإبراشي، وممن ما يزالون أحياء يرزقون، د. محمود وهبة ( رجل الأعمال بنيويورك )، ود. أحمد صقر ( أستاذ إدارة الأعمال بتجارة الإسكندرية )، ود. محمد الضوي ( عميد صيدلة طنطا ).

وكان من أهم الأفكار التي طُرحت، في هذه الخلوة، وقام عبدالوهاب المسيري بتنفيذها هو تأليف عمل موسوعي عن اليهودية والصهيونية، وهو ما استغرق عشرين عاماً للانتهاء منه، بعد أن فرغ من دراسة الدكتوراه. وكانت الموسوعة محاولة لملء الفراغ المعرفي العربي عن اليهود، واليهودية، والصهيونية، وإسرائيل. واستغرق البحث عن ناشر لهذه الموسوعة، عشر سنوات أخري، من عمر عبدالوهاب المسيري، بعد أن خذلته مؤسسة الأهرام.

ويحمد للفقيد أنه لم ييأس، وصبر وثابر، وظل يحدّث وينقح ويضيف إلى الموسوعة إلى أن خرجت إلي الحياة في السنوات الأخيرة. أما إجابة السؤال الثاني، ماذا نعرف عن أنفسنا نحن العرب، فقد تولاه مركز جديد، هو مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، والذي رأس مجلس أمنائه د. سعدون حمادي، رحمه الله، ويديره الدكتور خير الدين حسيب، أطال اله عمره، والذي يستحق الحديث عنه مقالاً خاصاً. مرت تحت جسور حياة عبدالوهاب المسيري مياه كثيرة في الأربعة عقود التي مضت بين لقاءي به بنيوجرسي ورحيله في قاهرة المعز. اقتربنا، وابتعدنا، واختلفنا، ودخلت معه في سجالات علنية، كان معظمها في السنوات الأخيرة في رحاب الجامعة الأمريكية.

وكثيراً ما كنت أداعبه، وخاصة منذ التقيته في السعودية، حيث كان معاراً للتدريس في جامعة الملك عبدالعزيز في السبعينيات ـ حيث رأيته يرتدي جلباباً سعودياً، فقلت له: "سبحان مُغير الأحوال، عبد الوهاب، من ماركسي ـ ماوي، إلى إسلامي ـ وهابي...!". فرد على بسرعة بديهته المعتادة، وكنت في مهمة استشارية للبنك الدولي في السعودية "نعم، سبحان مُغير الأحوال، وأنت من ناصري ـ اشتراكي، إلى مبعوث للبنك اللي بيسلف ويدي» ( مقطع من أغنية لعبد الحليم حافظ عن معركة مصر مع البنك الدولي لبناء السد العالي ).

لم يكن عبدالوهاب المسيري رجل تنظيمات جماعية، فرغم ماركسيته السابقة وإسلاميته اللاحقة، إلا أنه لم ينضم لحزب شيوعي ولا لجماعة إسلامية، فقد كان المسيري "عازفاً منفرداً"، لذلك استغرقته الموسوعة عشرين عاماً، وكان يمكن إتمامها في ربع هذه المدة لو كان قد توفر عليها فريق من الباحثين تحت قيادته. ولمعرفتي به "كعازف منفرد"، اندهشت لانضمامه "لحركة كفاية"، ثم لقبوله أن يكون منسقاً عاماً لها، خلفاً للناشط الوطني الكبير، جورج إسحق، ورغم تهديدات الأجهزة الأمنية له، ثم تنفيذ هذه التهديدات، باختطافه، والتنكيل به، وتركه عارياً قرب طريق القاهرة ـ السويس الصحراوي، إلا أنه ظل صامداً إلى النهاية..

وجاء هذا التحول الحركي، وهذا الصمود، تتويجاً لحياة حافلة بالعطاء. رحم الله الفقيد، وألهم شريكة حياته د. هدي، وكريمته، د. نور المسيري، ومحبيه الصبر والسلوان.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

1 - كى تظل نجمآ
حسام | 24/7/2008 ,12:20 PM
دع الايام تفعل ما تشاء وطب نفسآ إذا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالى فما لحوادث الدنيا بقاء وكن رجلآ على الاهوال جلدآ وشيمتك السماحة والوفاء

2 - العملاق الوفي
ابو بدر | 12/7/2008 ,8:03 PM
هكذا العمالقه مثلك بادكتورسعدالدين دائما اوفياء مع الكبارمثل الدكتور المسيري رحمه الله000مهما حصل بينهم من خلاف اواختلاف 000

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.