Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :3/8/2008 7:24 AM

من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش

 

سعد الدين إبراهيم

حينما كتبنا مقال الأسبوع الماضي عن الحّكام العرب الذين يلوّثون سُمعة العرب والمسلمين، بمناسبة إحالة الرئيس السوداني عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية، توقعنا أن يتضامن معه بقية الحكّام المستبدين العرب. فبيوتهم هم الآخرون من زجاج، ولكن غير المفهوم أن يسارع مثقفون عرب، بمن فيهم نقيب محامين إلى إدانة الإدانة الدولية، والمسارعة للطيران إلى الخرطوم للتعبير عن هذا التضامن.

 إنني أفهم أن يطالب الجميع بمحاكمة عادلة لعمر البشير، وأن يتطوع منهم من يريد الدفاع عن الرجل، فهذا حق إنساني وقانوني، فضلاً عن أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم بات ونهائي. وهذا هو الموقف الذي نرجو أن يتخذه نادي القضاة في مصر، دون أن يتسرع، مثل ذلك النقيب، لنصرة الرئيس السوداني ظالماً أو مظلوماً. كذلك مفهوم بل ومطلوب من المحامين والقضاة وبقية المثقفين العرب أن يطالبوا بوحدانية المعايير الجنائية الدولية، وتطبيقها علي كل من يشتبه في ارتكابه جرائم مماثلة، بمن في ذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش.

أي أن يطالب باتساق معايير العدالة، وليس الانتصار الجاهلي لرئيس لمجرد أنه عربي. وفي ذلك تطبيق لروح الحديث الشريف، الذي صحح به الرسول صلي الله عليه وسلم مفهوم الانتصار للأخ المسلم، إذا كان ظالماً، وذلك بإثنائه عن ظلمه. كذلك حينما كتبنا مقال الأسبوع الماضي، لم تكن السلطات الدولية قد ألقت القبض بعد على رئيس صربي سابق هو رادوفان كراديتش، المطلوب للمحاكمة أمام محكمة حرب دولية علي جرائم ارتكبت بأوامر مباشرة أو بتحريض منه، وراح ضحيتها الآلاف من مسلمي البوسنة والهرسك في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وكان كراديتش هارباً من العدالة لأكثر من ثلاثة عشر عاماً، حيث غير اسمه وملامحه ومقر سكنه طوال تلك السنوات.

ولكن يد العدالة الدولية طالته في نهاية المطاف، كما طالت رؤساء سابقين من قبل ـ مثل الرئيس التشيلي الجنرال بينو شيه، والرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفتش، والرئيس الليبيري شارلز تيلور. كما كادت تطول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريل شارون، والرئيس الليبي معمر القذافي.

وحقيقة الأمر أن الطغيان لا دين له... والاستبداد لا جنسية له. ومع ذلك، فإن الطاغية أو المستبد لا يتورع عن استخدام "الدين"، أي دين، و"القومية"، أي قومية، و"الأيديولوجية"، أي أيديولوجية من أجل البقاء في السلطة حتى الرمق الأخير، أو في رواية أخري "آخر نبضة في قلبه" ومن أجل هذه السلطة لا يتورع أي حاكم منهم، عن الكذب، والقتل والتنكيل بشعبه، والاعتداء علي الغير أو غزو أراضيهم. هذا ما فعله صدام حسين، وعمر البشير، ورادوفان كراديتش، علي سبيل المثال. ولأن القراء العرب يعرفون ما يكفي عن صدام والبشير، فإننا نخصص بقية هذا المقال لرادوفان كراديتش.. ونترك لفطنة القارئ استخلاص أوجه الشبه بين هذا الدموي المسيحي الصربي، وصدام حسين العربي القومي، والبشير السوداني الإسلامي.

كان رادوفان كراديتش شيوعياً ماركسياً في شبابه، أيام كان يعيش في يوغسلافيا، التي وحّدها وحكمها الزعيم الكاريزمي "تيتو"، ولكن برحيل تيتو، بدأت كل مجموعة قومية أو دينية تحاول الاستقلال أو الحكم الذاتي داخل الاتحاد اليوغوسلافي. وفي هذه اللحظة فإن الشيوعيين الذين كانوا ينكرون "الدين" ( لأنه أفيون الشعوب، كما كانوا يسمونه في أدبياتهم ) و"القومية" ( التي دمغوها بالتعصب والشوفينية ) أعادوا اكتشاف مسيحيتهم الأرثوذكسية، وقوميتهم الصربية. ووظفوهما معاً للبقاء في السلطة، تحت مسميات أخري، وبمبررات جديدة.

ويصف الكاتب الروائي ألكسندر هيمون (A.Hemon)، هذه اللحظة في مقال مهم بصحيفة "هيرالد تربيون" (28/7/2008)، كما جسّمها أو تقمصها رادوفان كراديتش، وكان معاصراً له وشاهداً علي صعوده الناري، واختفائه المفاجئ، ثم القبض عليه متنكراً، توطئة لترحيله من صربيا إلي لاهاي لمحاكمته دولياً علي ما ارتكبه من جرائم ضد مسلمي البوسنة والهرسك. وهو ما يصنفه القانون الدولي بجرائم ضد الإنسانية، وإبادة الجنس (Genocide)، والتطهير العرقي (Ethnic cleansing) ويصف هيمون خطاباً حماسياً ألقاه الطبيب الشاب، والشيوعي السابق، رادوفان كراديتش، أمام برلمان البوسنة والهرسك يوم 14 أكتوبر 1991، والذي توعد فيه المسلمين في يوغسلافيا السابقة "بالفناء" (Annihilatio) إن هم صوّتوا للاستقلال والانفصال في استفتاء، قادم...

ولم يثن التهديد أغلبية مسلمي البوسنة عن التصويت من أجل الاستقلال. كذلك لم تمنع أنظار العالم المُسلطة علي شعوب يوغوسلافيا السابقة أمثال رادوفان كراديتش وسلوبودان ميلوسوفتش عن تنفيذ تهديداتهم بإفناء مسلمي البوسنة والهرسك، من أجل تحقيق حلم "صربيا العظمي"، المسيحية الأرثوذكسية الخالصة. فقتلوا مئات الألوف وشردوا الملايين، من أجل أسطورة. كانت الأساطير والأشعار والروايات الصربية قد خلّدت هذا الحلم منذ القرن السابع عشر، في أعقاب احتلال العثمانيين كل بلاد البلقان، باستثناء بلد صغير هو "الجبل الأسود" (Montenegro)، حكمه أسقف أرثوذكسي هو فلاديكا دانيلو (Vladika Danilo)، الذي ظل يحلم بتحرير البلقان من العثمانيين، وتطهيرها ممن تحوّل من أبنائها إلي الإسلام أو إجبارهم علي العودة إلي دين آبائهم وأجدادهم، أي إلى المسيحية الأرثوذكسية.

وقد ألهم هذا الحلم الصربي شاعراً صربياً مفوهاً هو "بيتر بتروفيتش نيجوس" (P.P. Niegos) أن يؤلف قصيدة عصماء بهذا المعني، سماها "إكليل الجبل" (Mountain Wreath ) عام 1847، والتي أصبح كل طفل صربي يحفظها عن ظهر قلب، مثلما كان جيلنا يحفظ "المعلقات" مثل معلقة امرؤ القيس، أو النشيد الوطني. ومن أبيات هذه القصيدة، التي كان رادوفان كراديتش يرددها دائماً "إن من حق كل ذئب أن يحصل علي كبش ... وأن من حق المستبد أن يدوس الضعفاء وهو في طريقه لتحقيق المجد واستعادة الشرف".

لقد كان التنافس بين متطرفي الصرب، خاصة بين الماركسيين السابقين، رادوفان كراديتش وسلوبودان ميلوسوفتش، عمن يكون الأسبق علي طريق المجد والشرف، ليحظي بإكليل الجبل الذي وعد به الشاعر نيجوس، وصدّقه الغاوون. ولا يعدم كل مستبد عربي، وكل طاغية مسلم أن يجد مُلهماً أو مُفتياً، أو شاعراً، مثل الصربي نيجوس، يبرر له التهام أبناء شعبه من الكباش والنعاج، وهو ينطلق في ما يتصور أنه مشوار المجد والشرف، لكي يحظي "بإكليل الجبل" أو "جنات الخُلد والنعيم".

وقد عرفنا ذلك في شكل "قادسية" صدام و"حطين" صلاح الدين، في القرن العشرين. لقد كان لدينا نحن العرب أساطيرنا ومستبدينا أيضاً. فلعنة الله على الطغاة والمستبدين، عرباً كانوا أو صرباً، مسلمين كانوا أو يهوداً أو مسيحيين، عجماً كانوا أو أمريكيين... آمين..

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

1 - عبدالحليم عبدالله: TO
Mohamed Nour- Sudani | 3/8/2008 ,4:45 PM
Please tell us from where you get this information

2 - وضع جورج بوش في قائمة البشير خلط للأوراق
عبدالحليم عبدالله | 3/8/2008 ,12:44 PM
رغم مكانة الدكتور سعدالدين إبراهيم في دفاعه عن الديمقراطية وتأسيسه لمركز بن خلدون، إلا إنه مع ذلك لم يتحرر من البداوة العربية والثأر البدوي، فرغم كونه مواطن أمريكي، ويتنعم بنعيم الحرية الأمريكية، وإصدار الحكم الأخير عليه بالسجن جاء نتيجة للقائه مع الرئيس بوش في براغ عندما طالبه بربط المساعدات المالية لمصر بالإجراءات الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر. والدكتور سعد الدين هو مواطن مصري وأمريكي في نفس الوقت، كل هذا العداء للرئيس بوش لأنه أسقط بطل العروبة الجلاد العربي بإمتياز صدام حسين. هذا البطل الذي حول العراق إلى مقبرة جماعية. فما الفرق بين الدكتور سعدالدين وغيره من العربان الطبالين لصدام حسين ويشتمون جورج بوش. إنها والله نفس الإخلاقية، لا فرق بين سعد الدين ومهدي عاكف ويوسف القرضاوي، والله كلهم في العروبة والدفاع عن الطغاة سوى. فأين الإنصاف في وضع جورج بوش مع كراديتش وعمر البشير؟ أين العدالة يا دكتور؟

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.