Untitled 1

 

2018/1/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :9/8/2008 8:12 AM

الاستخدام السياسي للقضاء

 

سعد الدين إبراهيم

من المبادرات الطيبة التي استحدثتها صحيفة "المصري اليوم" القاهرية، إتاحة الفرصة لقرائها على موقعها الإلكتروني للتعبير عن آرائهم تجاه الأحداث العامة، أو ما تنشره الصحيفة من افتتاحيات ووجهات نظر أصحاب الأعمدة الدورية.

وقد استفدت شخصياً من هذه المبادرة، حيث أكتب فيها دورياً، كل يوم سبت منذ ميلاد "المصري اليوم". وحين صدر حكم من محكمة جنح الخليفة بإدانتي غيابياً، وبالحبس لمدة سنتين والغرامة بمبلغ عشرة آلاف جنيه، بتهمة "الإساءة لسمعة مصر والإضرار بمصالحها في الخارج"، وكان قد حرك تلك الدعوي محاميان مغموران من أعضاء الحزب الوطني. كما قبلت نفس المحكمة دعوى أخرى من شخص اسمه أحمد عبد الهادي، يدعي رئاسته لحزب أسمع عنه لأول مرة، هو "حزب شباب مصر"، لإسقاط الجنسية المصرية عن شخصي، لنفس السبب وهو "الإضرار بمصالح مصر في الخارج".

وهناك عشرون قضية مماثلة يحركها إما أعضاء في الحزب الوطني الحاكم، أو رؤساء أحزاب كرتونية، لم يسمع بها أحد، مثل حزب المحافظين، والحزب الجمهوري، وحزب العدالة. كما يدخل ضمن سباق تحريك هذه الدعاوي ضباط شرطة سابقون ( مثل اللواء نبيل لوقا بباوي ) ونقابية مخضرمة للاجتماعيين ( ثريا لبنة )، وآخرون تجمعهم عضويتهم للحزب الوطني، من اللاهثين وراء الشهرة، أو السلطة، أو الثروة. والجدير بالتنويه أن نفس التهم تظهر في كل الدعاوي، وبنفس العبارات والكلمات منذ عشر سنوات. ورغم تبرئة محكمة النقض لنا من كل التهم المماثلة عام 2003، إلا أن المايسترو أو الجهاز الذي يوحي ويشجع أو يحرض على رفع هذه القضايا ضد سعد الدين إبراهيم، هو:

أولاً، فقير الخيال، ومحدود المعرفة، حيث يكرر نفس الادعاءات، دون كلل، أو ملل. فهو لم يرتفع لمستوى أجهزة دول أخرى، سنتحدث عنها في مقالات قادمة.

وهو ثانياً، يجد متطوعين أو متزلقين جدداً، بعد أن ملّ الجمهور الاسم المتكرر لكل من المحامي نبيه الوحش، واسم مستشار سابق ومحام لاحق، من أبناء محافظتي (الدقهلية) اسمه مرتضي منصور. ولعل عثور نفس الجهاز الأمني على متطوعين جدد جعله يهمل تجديد اتهاماته!

أو ثالثا ربما يدرك نفس الجهاز اليائس أو المايسترو غير الماهر، أن كل هذه القضايا الملفقة، يتم رفضها في النهاية من المحكمة العليا، كما رفضت من قبل، ولكنه ينفذ أوامر وتعليمات سلطة أعلى، أو هو ينتقم لنفسه للفشل أو الهزيمة في محاولاته السابقة.

ورابعاً، ربما يعتقد صاحب القرار الأعلى، أنه يكسب في كل الأحوال. فرغم براءتي السابقة ( عام  2003)، إلا أنه نجح في سرقة ثلاث سنوات من عمري، ودمر صحتي، وشوه سمعتي، واستنزف موارد أسرتي. وبالتالي، فإن هذا الآمر الناهي في مصر المحروسة يهدف إلى نفس الشيء أو أكثر قليلاً هذه المرة أيضاً. خاصة وأنا على مشارف السبعين من عمري، وهو وأجهزته لن يعدموا أن يجدوا دائرة جنح، أو حتى استئناف، يرأسها أحد خريجي هذه الأجهزة الذين التحقوا بسلك القضاء، فمنذ بدأت كلية الشرطة تدرس لطلابها مناهج كلية الحقوق، أصبح بعض الضباط يلتحقون بسلك القضاء. وفي المرتين اللتين أدانتني فيهما محاكم أمن الدولة، كان الذي يرأس الدائرة مستشاراً من هذا النوع.

خامساً، أن ما يفعله النظام مع د.أيمن نور، رئيس حزب "الغد" هو نسخة نمطية من هذه النزعة الانتقامية من الخصوم، بلا رحمة أو شفقة، حتى حينما يكون هناك هامش شرعي لذلك، مثل قضاء نصف مدة العقوبة أو حالة المرض. وهو ما ينطبق على أيمن نور. وهذا بالضبط ما فعله معي النظام من قبل، ويحاول أن يفعله من بعد. إن هذه الانتقائية في استخدام القانون والدوائر القضائية، والاختراق الخبيث للسلطة الوحيدة التي احتفظت بالكثير من استقلاليتها إلى تاريخه ينذران بأوخم العواقب. فبعد أن امتطت مؤسسة الرئاسة حصان السلطة التنفيذية، وجرجرت بحبالها وأصواتها السلطة التشريعية، فها هي تحاول نفس الشيء مع السلطة القضائية.

ومن ذلك أنها، في ظل حالة الطوارئ، استحدثت أنظمة قضائية تلتف بها حول القضاء الطبيعي، مثل المحاكم العسكرية، ومحاكم الطوارئ وأمن الدولة. ومن ذلك التفرقة في معاملة القضاة، باختيار "المتعاونين" منهم للانتداب لوزارات ومؤسسات أخرى بأضعاف أضعاف رواتب ومزايا زملائهم "غير المتعاونين"، هذا فضلاً عن التلويح بمناصب المحافظين والوزراء للأكثر "انقياداً" من هؤلاء "المتعاونين". وهكذا أصبح قطاع من السلطة القضائية لعبة في يديه، يستخدمه بمهارة حيناً، وبحماقة أحياناً. لتسوية حساباته مع المعارضين والمنشقين، والخطورة هي في تضخم هذا القطاع، واتساع تلك الممارسات السرطانية.

ولكن الجديد، الذي أظهرته رسائل القراء على الخدمة الإلكترونية لـ"المصري اليوم"، وغيرها من الصحف المستقلة، هو الإدراك المتصاعد فلكياً في دوائر الرأي العام المصري لهذه الأخطار السرطانية علي سلامة السلطة الوحيدة الباقية لهم بقدر من الاستقلال كدرع تحميهم، ولو جزئياً، مما وصفته محكمة النقض نفسها في أحد أحكامها في (18/3/2003) "بتغول مؤسسة الرئاسة، التي ابتلعت السلطتين التنفيذية والتشريعية". وهذا الجديد في المشهد المصري عام 2008، يمثل قفزة نوعية شاسعة مما كان عليه المشهد عام 2000، حينما قُبض علي لأول مرة، ومعي 27 آخرون من العاملين وقتها في مركز ابن خلدون. فقبل ثماني سنوات كان هناك صوت واحد شُجاع يدافع، مقابل كل تسعة ينهشون. حتى المنظمات الحقوقية المصرية تجمدت أو لاذت بالصمت.

أما الآن فإن ثمانية من كل عشرة يعلقون في تلك المواقع الإلكترونية، يعبرون ليس فقط عن تضامنهم مع سعد الدين إبراهيم، واستهجانهم لمن حركوا الدعاوي القضائية، ولكن أيضاً عن سخطهم لاستخدام القضاء في ملاحقة أصحاب الرأي من المنتقدين والمعارضين من ناحية، واستخدامه لتمكين الأتباع والعملاء من الإفلات من العقاب في جرائم كبرى راح ضحيتها آلاف المصريين، وآخرهم ممدوح إسماعيل، صاحب العبارة "السلام"، والمحسوب على أحد كبار المسؤولين في رئاسة الجمهورية من ناحية أخرى. هذا فضلاً عن تآكل البقية الباقية من شرعية النظام في إشباع الحد الأدنى من احتياجات أبناء الشعب الأساسية، وهي الخبز والخدمات العامة من مياه شرب نظيفة وكهرباء وأمن وعدالة.

وربما أصبحت مصر في عهد مبارك حالة نمطية لما يطلق عليه علماء السياسة والاجتماع "الدولة الراسبة" (Failed State)، وهي دولة يعجز نظامها الحاكم عن تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع. وهي دولة تتعاظم فيها سطوة وحجم الأجهزة الأمنية قياساً بكل المؤسسات الأخرى في المجتمع. وهذا ما يفسر وصول حجم هذه الأجهزة في مصر إلى مليون ونصف، عشرة أمثال الجهاز القضائي.

هذا فضلاً عن ميزانيات الجهاز وفخامة مقاره ومميزات كبار العاملين فيه. ونظرة عابرة إلى فخامة مبنى أمن القاهرة مقارنة بتعاسة مبنى محكمة جنوب القاهرة، وهما متجاوران، في ميدان باب الخلق، تلخص مأساة مصر في اللحظة الراهنة. فلم يعد "العدل أساس الحكم... ولكنه الأمن عماد النظام... والشعب في خدمة الشرطة". فلا حول ولا قوة إلا بالله..

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.