لم تزل صناعة الموت رائجة وسوقها قائمة وزبائنها في ازدياد، وهي صناعة تبدأ باليقين الزائف والتعصب الأعمى، وتنتهي بالقتل والتفجير والإرهاب، مروراً بتوزيع تهم التفسيق والتبديع والتكفير... هكذا هي الصناعة في جانبها النظري، ولكن ماذا عن الجانب الواقعي لصناعة الموت؟ بمعنى كيف يتم تحويل الشخص أو المجتمع من حالة التسامح والسلم والتعايش إلى حالة التعصب والتكفير والإرهاب؟..
ومن أين تبدأ حلقة هذه الصناعة؟ هل تبدأ بالتفجير أم أن التفجير هو نهايتها وثمرتها؟ أم أنها تبدأ بالقطع في موارد الظن وبالتعصب وتصنيف المجتمع ونشر البغضاء والكراهية؟. إن القصة الواقعية لصناعة الموت تبدأ بشحن المجتمع برأي أحادي حدّي في قراءة الدين ينتشر على كافة المسائل صغارها وكبارها على حدٍ سواء، فالاختلاط حرام قطعاً، وكشف الوجه حرام قطعاً، وحلق اللحية حرام قطعاً، وإسبال الثوب حرام قطعاً، والتصوير حرام قطعاً...
وهكذا مسائل هي بالإجماع محلّ خلاف بين الفقهاء منذ القديم يتم تحويلها في أروقة هذه الصناعة إلى ثوابت، ويشحن الأتباع الصغار بأن المجتمع الذي يتفشى فيه ما يناقض هذه المسائل هو مجتمع فاسق هالك، ويعيش على شفا جرفٍ هارٍ، ثم في مرحلة تالية يتم إقناع هذا الشاب بأنه لن ينجو يوم القيامة إلا إذا أنكر هذه المظاهر ويتم تحريضه على الغلظة في إنكارها...
هنا تم شحن الشاب المتحمس وتم تمهيده نفسياً وعملياً للقيام بأي عمل يستطيعه، والأهم "يوجهه" إليه من وضع ثقته فيهم ظاناً بأنهم دعاة خير وطوق نجاة وعلماء دين، وهذه الفئة التي توجه الشباب المتحمس هي أخطر الفئات في صناعة الموت، فهي التي تقود مَنْ تحتها من الشباب المتحمس كما ذكرنا، وتقود من فوقها من الفقهاء الغافلين أو الدراويش، وتستحلب منهم ما تشاء من الآراء والأحكام والفتاوى كما سيأتي.
عرفنا كيف تؤثر هذه الفئة فيمن تحتها من الشباب المتحمس، فكيف تؤثر على من فوقها من العلماء؟ إنها تتبع طريقة القيادة من الخلف، فهي تأتي لهذا الشيخ الهرم المعزول عن المجتمع وتطوراته، فضلاً عن العالم وصراعاته، وتبدأ في شحنه بأن الإسلام في خطر، وأن العقيدة انتهكت، وأن الأمة ستضيع وسيعاقبها الله إنْ لم يصدع أحد بالحق، ثم يقولون لهذا الشيخ المسكين: من أجدر منك بالصدع بكلمة الحق؟ وبعد أن تتم تهيئة هذا الشيخ نفسياً لاتخاذ موقف متطرف تقرب تلك الفئة القلم والورقة وتكتب للشيخ سؤالاً موجهاً لا يمكنه الإجابة عليه إلا بطريقة واحدة، ويشرع هذا الشيخ في الإجابة، ثم تسعى هذه الفئة الى نشر الجواب أو الفتوى على أوسع نطاق.
إن هذه الفئة الخطيرة، والتي تشكل واسطة بين الشباب المتحمس والعلماء، لا تكتفي بذلك، ولكنها تعود بهكذا فتوى إلى أتباعها المتحمسين، وتبدأ في شحنهم من جديد استناداً لتلك الفتوى المستحلبة، وشحنهم ضد وضع اجتماعي أو كاتب أو مسؤول أو دولة، أو غير ذلك من أصناف الفتاوى المستحلبة، ويصل الشحن مداه الأقصى حين تكون الفتوى بالتكفير والنبذ بالردة عن الدين، حينذاك تكون خميرة الشباب المتحمس قد نضجت، وثمرتهم قد أينعت وحان قطافها...
وهنا يأتي دور جماعات الإرهاب والعنف الديني، ليقطفوا ثمرة ما غرسته تلك الفئة الخطيرة ويملأوا البلاد ناراً ودماراً، ورؤوس الفتنة إما أنهم يختبئون ويضعون رؤوسهم في الرمال، ويتبرؤون من تلاميذهم الذين حرضوهم أو ينضمون إلى جماعات العنف تماماً كما كان يفعل عبدالله الرشود قبل أن ينضم رسمياً لـ"القاعدة". وتلفّتوا من حولكم اليوم، وستجدون كثيرين يمثلون نسخاً مطابقة لعبدالله الرشود.
كان منظّرو التكفير في السعودية عديدين ومن شتى الفئات، فالفئة الخطيرة كان يمثلها نوعاً ما أشخاص من أمثال ناصر الفهد وأحمد الخالدي ونحوهم، وكانوا يستحلبون الفتاوى من أمثال حمود العقلا وغيره. وما أشبه الليلة بالبارحة، فها نحن نرى اليوم كيف أن هذه الفئة الخطيرة بدأت في تحريك بعض المنسوبين الى العلم لتشحن المجتمع من جديد بشحنات التطرف والكراهية والبغضاء من خلال استحلاب فتاوى تكفيرية شملت- حتى الآن- كتّاباً وتيارات ووصلت في مداها الأقصى إلى تكفير رأس الهرم السياسي!
لقد رفعت القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية شعار الإصلاح من أول يوم، الإصلاح بمعناه الشامل، أي الإصلاح الديني والإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وغيرها من المجالات، وفيما يتعلق بالإصلاح الديني ثمة شاهدان بارزان أحدهما: قضية توسيع المسعى، والآخر: حوار الأديان. وكلاهما مشروعان ملكيان يؤيدهما عدد من العلماء في الداخل، ولكن رافضي الإصلاح الديني يرفضونهما، لأنهم عاجزون عن مواكبة التطور، فكان أن لجأت القيادة إلى علماء المسلمين في الخارج في المسألتين..
وقد أدلوا بدلوهم في التأييد الكامل للفكرتين الإصلاحيتين، مما يعني أن الأمرين لا علاقة لهما بالكفر والتكفير من قريب أو بعيد، وإنما هما مسألتان فقهيتان خلافيتان قابلتان للرأي والرأي الآخر، للاجتهاد والاجتهاد المقابل، وما إثارة اللغط حولهما إلا تشويش على السلم الاجتماعي واتكاء على موقف ديني للظفر بنجاح سياسي، أي أن المسألتين قد تم تحويلهما بشكل منهجي إلى مسألتين سياسيتين، وتم إبعادهما عن مجالهما الطبيعي، الذي هو الفقه القابل للأخذ والرد والمشهور باتساعه ليشمل مواقف شديدة التباين، دون أي تعصب أو عناد.
إن ما تشير إليه هاتان القضيتان والموقف المتطرف منهما يظهر بوضوح وجوب تطوير المؤسسة الدينية وإعادة النظر في بنيتها وإحالة بعض رموزها للتقاعد وضخ الدماء الفقهية الشابة فيها وتوسيع دائرتها لتشمل عدداً أكبر من المعتدلين المتسامحين، خصوصاً ونحن نجد في بعض طلبة العلم الكثير من التسامح والميل الى التيسير وانتهاج الاعتدال والوسطية، وهم متفتحون على ثقافة العصر ومدركون لتحدياته وشروطه التي يفرضها بقوة على المشهد العالمي، وهؤلاء الشباب بحاجة للرعاية والعناية والتقديم على غيرهم، خاصة في المؤسسات الدينية الرسمية من مدارس وجامعات ومؤسسات وعظ وإفتاء وإرشاد وتوجيه.
في المؤسسات الدينية الرسمية يجب دائماً ضخ دماء شابة فيها حتى لا تهرم وتنقطع عن العصر من جهة، وحتى لا يتم تشويهها من قبل بعض متطرفيها أو من بعض الجماعات الدينية التي تعمل خارجها بالتوازي معها تارة وبمعارضتها تارات وتارات. إن التاريخ الحديث ينبئنا أن استتباع هذه المؤسسات بشكل كامل من قبل المؤسسة السياسية، قد أضر كثيراً بمصداقيتها ومرجعيتها، والمتابع يستطيع رصد هذه الأضرار في أكثر من بلد عربي ذي تاريخ طويل ومشهور. |