Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :30/8/2008 12:44 PM

ِمحَن الآباء.. وحنان البنات

 

سعد الدين إبراهيم

منذ الانقلاب العسكري في موريتانيا على الرئيس المنتخب محمد ولد الشيخ عبدالله، وإيداعه المعتقل، برزت ابنته آمال بنت الشيخ عبدالله التي لم تتجاوز الثلاثين عاماً من العمر، متحدية الضباط الذين تآمروا على والدها، الذي هو أول رئيس مدني يتم انتخابه ديمقراطياً، وتحت إشراف دولي، في تاريخ موريتانيا، التي حصلت على استقلالها عام 1960.

وربما لن يتذكر العالم عن موريتانيا في المستقبل إلا وجه العقيد محمد ولد عبدالعزيز بشاربه الكثيف، وملامحه الجافة الصارمة، ووجه آمال بنت الشيخ عبدالله بملامحها الأفريقية العربية الوديعة، وردائها وغطاء رأسها ذي الألوان والنقوش الزاهية. فحتى وجه الرئيس المخلوع ربما لن يتذكره كثيرون.

كما لن يتذكروا وجوه بقية من شاركوا في الانقلاب، أو وجوه من انقلبوا عليهم. فقط وجهي آمال والعقيد (الذي رقى نفسه إلى لواء بعد الانقلاب) محمد ولد عبدالعزيز.

وهكذا فإن حدثا أضخم بالنسبة لموريتانيا، وحدثا مؤلما لدعاة الديمقراطية العرب، الذين كانوا يتطلعون إلى تجربتها الفريدة، علّها تكون نموذجاً يحتذى في أقطار عربية أخرى، تم تكتيفه واختزاله بواسطة وسائل الإعلام في هذين الوجهين.

وليس هذا بالغريب في مشاهد التحولات الكبرى أو لحظات الدراما التاريخية. فلوحة الجيوكاندا للرسام العالمي بيكاسو قد عبّرت عن الحرب الأهلية الإسبانية، التي استمرت عدة سنوات وراح ضحيتها عشرات الألوف. وقد فعلت لوحة بيكاسو ذلك أفضل من مئات الكتب التي ظهرت عن تلك الحرب (1933-1936).

ولا أستبعد أن يكون ظهور هذه الفتاة الموريتانية الشجاعة، مُدافعة عن أبيها وعن الديمقراطية، أحد أسباب الإدانة الواسعة عالمياً وأفريقياً. وإذا أدت هذه الإدانة إلى إجبار عسكر موريتانيا إلى العودة لشرعية الرئيس المنتخب، أو إجراء انتخابات جديدة، تحت إشراف دولي، فإن آمال بنت محمد ولد الشيخ عبدالله، ستكون أحد الأسباب.

وفي ذلك نحن لا نبالغ علي الإطلاق. فلعالمة الأنثربولوجيا الشهيرة مارجريت ميد "Margaret Mead"  قول مأثور، هو "لا تستهينوا بما يمكن أن يفعله فرد أو حفنة صغيرة من الأفراد لتغيير التاريخ، إن هم صمموا على ذلك. بل إنه في حقيقة الأمر، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي حدثت بها التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية".

ولعلنا مازلنا في مصر، نتذكر الدور العظيم الذي قامت به الفتاة إسراء عبدالفتاح، في تنظيم إضراب 6 أبريل 2008، الذي كان علامة فارقة في مقاومة طغيان النظام الذي يجثم على صدور المصريين لسبعة وعشرين عاماً.

المهم، هو أن ما تقوم به البنت آمال بنت محمد ولد الشيخ عبدالله في الدفاع عن والدها المنتخب، في وجه الانقلابيين من عسكر موريتانيا، هو الذي أجبرهم عن الإعلان عن مكان اعتقاله، والسماح لأسرته وللصليب الأحمر الدولي بزيارته وتزويده بالدواء الذي يحتاجه لعلاجه من أمراض الضغط والقلب. ربما يكون للرئيس الموريتاني المخلوع أولاد وإخوة ذكور.

ولكن العالم الخارجي لم يسمع عنهم أو منهم، ولم ير لهم وجوهاً. فقط رأى العالم آمال بنت محمد ولد الشيخ عبدالله، فهي التي بدت مقهورة على والدها. وهي التي عبّرت عن اللهفة في وصول الأدوية إليه، ومعرفة مكان حبسه.

وليس هذا غريباً على من درسوا وخبروا العلاقات الأسرية: فالبنات عموماً أكثر تعبيراً عن حُبهن للوالدين، والأكرم عطاء وحناناً، وقد لفت ذلك انتباه الشعراء والأدباء وعلماء النفس والاجتماع، من قديم الأزل. فقال أحد شعراء العربية في العلاقة الوجدانية الخاصة: "إن كل فتاة بأبيها مُعجبة".

وبالغ عالم النفس النمساوي الشهير سيجموند فرويد، في توصيف تلك العلاقة، حيث ذهب إلى أنها في أعماقها، أي باطنها، هي جاذبية جنسية يجري كبتها، بتقاليد وتشريعات صارمة للعلاقات بين المحارم. وقد أطلق فرويد على هذا الكبت عقدة "إليكترا" بين الأب وبنته، وعقدة "أوديب" بين الأم وابنها.

وكانت ضمن كوكبة من البنات التي عاني آباؤهن محن السجون والمنافي ابنة جواهر لال نهرو المناضل الهندي العظيم، ورفيق المهاتما غاندي في المسيرة الأسطورية السلمية من أجل الاستقلال.

كانت ابنة نهرو اسمها أنديرا. وكان من أبدع وأعمق ما كتبه نهرو في حياته هو رسائله من السجن لابنته أنديرا. وهي رسائل مطولة، يحكي فيها لابنته التي كانت في العاشرة، قصة الهند، ولماذا تركها في طفولتها، من أجل أن يضمن لها ولأطفال الهند حياة أفضل، في وطن ديمقراطي حُر.

وقد جمعت هذه الرسائل التي امتدت لعدة سنوات، في كتاب بعنوان "تاريخ الهند". فنهرو قام بتعويض ابنته عن غيابه بتنشئتها من خلال المراسلة. وبعد الإفراج عنه هو وغاندي، ظلت أنديرا إلى جوارهما، وأصبح السجين السابق رئيساً لوزراء الهند بعد الاستقلال.

وكان هو وغاندي من المعجبين للغاية بتجربة حزب الوفد في مصر، بل نسجا حزب المؤتمر على نموذج حزب الوفد. وبعد رحيل نهرو بعدة سنوات، لم يجد حزب المؤتمر أفضل من أنديرا لقيادته، حيث أصبحت رئيسة للوزراء ثلاث مرات، إلى أن اغتالها أحد المتطرفين السيخ. فخلفها ابنها راجيف، الذي اُغتيل بدوره بعد فترة قصيرة.

وليس بعيداً عن هذا السيناريو "البناتي"، ما حدث في الجارة باكستان: فقد قطعت بي نظير بوتو دراستها في جامعة أكسفورد، حينما قاد اللواء ضياء الحق انقلاباً عسكرياً على والدها، ذو الفقار على بوتو، ولفّق له تهماً، أدين فيها وحكم عليه بالإعدام.

وظلت بي نظير إلى جانب أبيها طوال تلك المحنة، ثم حينما نفّذ العسكر حكم الإعدام، دخلت بي نظير "السياسة"، وهدفها الرئيسي بقية حياتها هو إخراج العسكر من "السياسة"، ووضعهم، كما الحال في الهند وكل الديمقراطيات الأخرى، تحت سيطرة المدنيين، وليس العكس.

وحينما وضعني النظام في سجونه ثلاث مرات (2000-20003)، كانت ابنتي راندا سعد الدين إبراهيم، هي الأكثر تألماً لمحنة أبيها. وكانت الأكثر تردداً عليه في السجن، في كل فرصة يسمح فيها بزيارته. كما كانت الأكثر دأباً في حضور جلسات التحقيق، ومشاركة المحامين ـ بوصفها محامية مبتدئة، وقتها ـ ثم التخطيط للدفاع وحضور جلسات المحاكمات.

ثم لأنها متعددة اللغات، فقد كانت هي المنوطة بالحديث لوسائل الإعلام المحلية والعالمية. وكانت تفعل كل ذلك، وهي زوجة وأم لطفلين (في الثالثة والخامسة وقتها). لقد كان هذا الحنان المتدفق من ابنتي، هو أحد خطوط الدفاع غير المرئية، الذي منحني القوة والصبر، خلال المحنة.

أما أين كان شقيقها، ابني المهندس أمير؟ فقد كان يتأمل، ويفكر، ويخطط، ويستخدم الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لإحاطة الدنيا علماً بمحنة أبيه، على حد قوله.!

ومن أين كان يفعل ذلك؟ من منتجعات البحر الأبيض في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا!. فهذه كانت الأهدأ والأجمل للمساعدة على التفكير وحسن التدبير، على حد قوله أيضاً! أما لماذا كان يصطحب معه دائماً حسناء أوروبية مختلفة؟  فقد كانت إجابته حاضرة، ولا تخلو من بعض "المنطق الأميري"، فقد كان مسؤولاً وقتها عن تسويق منتجات شركته (البريطانية للبترول) في بلدان الاتحاد الأوروبي. وبما أن رئاسة الاتحاد تتغير كل ستة أشهر، فقد كان هو يفعل نفس الشيء، فيغير ويبدّل صديقاته كل ستة شهور.

وادعي أن كلا منهن كانت تتولى الحملة الإعلامية عن محنة أبيه في بلادهن على التوالي!. طبعاً هذه المراوغات من الابن العزيز، لم تشككني أبداً في حبه لأبيه. كل ما هنالك هو أنه حب بلا تعبير عن الحنان، الذي كان طبيعة ثانية عند الابنة راندا.

ولقد لاحظت نفس الشيء مع بنات وأبناء زملائي الآخرين في السجن. ومنهم مدرس في طب قصر العيني. وكان في بعثة تخصصية بالولايات المتحدة خلال محنة أبيه. والمرة الوحيدة التي جاء فيها من فيلادلفيا إلى مصر، وكان أبوه الوزير السابق، في غاية الشوق للابن الغائب.

وكانت إدارة السجن، تُدرك ذلك، فسمحت هذه المرة للأب والابن بزيارة مفتوحة، تتجاوز الساعة الواحدة المقررة رسمياً كل أسبوعين لأهل كل سجين، ولكن الأب المشتاق للابن الغائب، عاد من مقر الزيارات إلى العنبر، بعد أربعين دقيقة! وسألناه لماذا عاد مبكرا؟

فقال إن ابنه، بعد العناق والسلام والحديث عن الأحوال، نظر في ساعته، وقال، "بابا، أنا مضطر للمغادرة، فقد أعطيت لبعض الأصدقاء موعداً، وهم في انتظاري في الكلية"، وصافح والده، داعياً أن يشدّ حيله. ولم ينتظر رد أبيه، وهرول مغادراً. وعاد الوالد، وهو مذهول وحزين.

هذا في الوقت الذي كانت فيه ابنته، مثل ابنتي راندا، لا تنقطع عن زيارته في كل فرصة سانحة. حاولت التخفيف عنه، بقصص ابني أمير. ولكن تظل الحقيقة، وهي أن البنات يتحملن العبء النفسي الأكبر خلال محنة الآباء.

فتحية لابنتي راندا سعد الدين إبراهيم، ولآمال بنت محمد ولد الشيخ عبدالله، ولكل بنات نشطاء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. أمين في هذا الشهر الرمضاني الكريم.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز بن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.