Untitled 1

 

2018/4/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :6/9/2008 1:14 PM

الإساءة إلى سمعة مصر

 

سعد الدين إبراهيم

ما زالت أصداء حكم محكمة جنح الخليفة بحبس كاتب هذه السطور سنتين مع الشغل تتردد بالداخل والخارج. فقد تعمدت صحيفة "واشنطون بوست" إعادة نشر مقالنا، الذي استندت إليه المحكمة في إصدار حكمها، كما أفردت افتتاحيتها الرئيسية لنفس الموضوع، يوم 21 أغسطس 2008، وهو نفس تاريخ نشر مقالنا قبل سنة (21 أغسطس 2007).

كان المقال بعنوان "قهر في مصر بلا حدود". وفيه تحدثت بالحقائق والأرقام والتواريخ عن حالات الاختفاء القسري والتعذيب في سجون مصر، بناء على معلومات منشورة داخل مصر نفسها، في تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ومنشورة عالمياً في تقارير منظمة العفو الدولية. أي لم آت في المقال بمعلومات أو بيانات من عندي، وإنها من مصادر عالمية، في داخل مصر وخارجها.

وكانت حالتا الاختفاء القسري الشهيرتان اللتان ذكرتهما في المقال، على سبيل المثال لا الحصر، هما للصحفي المصري المعروف رضا هلال، وكان وقت اختفائه نائباً لرئيس تحرير الأهرام. وكانت الحالة الثانية للمنشق الليبي منصور الكيخيا، الذي اختفى من فندق "سفير" بالدقي.

ولأن السلطات المصرية لم تعثر على جثتي الرجلين، ولم تقدم تفسيرات شافية للواقعتين في حينهما أو بعدهما بسنوات، فإن هذا الصمت المريب، أعطى الفرصة لانتشار قصص وإشاعات شتى. كذلك لم تقدم السلطات المصرية ردوداً وافية أو شافية، إلى يومنا هذا، على وقائع أخرى، ذكرناها في مقالنا بـ"واشنطون بوست".

وهذا الإخفاق في تقديم تفسيرات أو حل ألغاز الاختفاء القسري للشخصيات، أعطى فرصة لشائعة وجود "فريق للموت" مُلحق بأحد الأجهزة السيادية.

وبدلا من أن ترد السلطات المصرية على محتويات المقال المذكور أعلاه، أوعزت لإعلامها الحكومي والمباحثي بشن حملة استعداء وكراهية ضد كاتب المقال. ثم أوعزت لعدد من أعضاء الحزب الوطني الحاكم بتحريك دعاوي قضائية ضده، منها القضية التي صدر بشأنها حكم بسجن صاحب المقال سنتين، بتهمة الإساءة لسمعة مصر في الخارج، رغم أن تقريراً من الخارجية المصرية، وقّعه السفير محمد النقلي، مدير الإدارة القضائية، في 26/4/2008، جاء فيه: "إنه من الصعب تحديد أو توصيف الحجم الحقيقي لتأثير مقالات الدكتور سعد الدين إبراهيم على علاقات مصر الخارجية، التي تحكمها مجموعة كبيرة من العوامل المتداخلة والمُعقدة".

وكانت "المصري اليوم" قد نشرت تقرير الخارجية كاملاً (رغم أنه كان يحمل كلمة سري) ومغزى الإشارة إلى تقرير الخارجية، هو أنه صادر عن الإدارة القضائية، التي يرأسها سفير ذو خلفية قانونية، ومن ثم فهو يجمع بين الخبرة الدبلوماسية والثقافة القانونية.

وبهاتين الصفتين لم يجزم الرجل بتأثير مقالانا في "واشنطون بوست" وغيرها، إيجاباً أو سلباً على سمعة مصر أو على مصالحها في الخارج. وفي العُرف القضائي إذا كان ثمة شك في أي واقع، فإن ذلك يفسر لصالح المتهم.

ولكن القاضي "الفاضل"، سامحه الله، أصرّ في حيثيات حكمه على "أن تقرير وزارة الخارجية المصرية جاء به أن المتهم قد مارس نشاطا من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد".

وليت "المصري اليوم" تعيد نشر تقرير الخارجية المصرية، ليتأكد القارئ أنه لم يرد به من قريب أو بعيد أي من الكلمات التي أوردها القاضي في حيثيات حكمه.

وتحديداً لم يذكر تقرير الخارجية كلمة "ضرر" أو "أضرار" على الإطلاق. كما لم يذكر عبارة "مارس نشاطاً"، على الإطلاق، ولا أعلم من أين أتى القاضي "المحترم" بهذه الادعاءات.

المهم في البداية والنهاية، أنني عبّرت في مقالي بـ"واشنطون بوست" (21/08/2007) عن "رأي"، يقبل الصح والخطأ. فكان على من لا يتفق مع هذا الرأي أن يرد عليه برأي مقابل، أو يفنّد ما ورد به من حُجج، أو يصحح ما جاء به من أرقام وحقائق، ولا يكون الرد حكماً بالسجن.
فهذا الأخير، أي السجن، هو الذي يسيء لسمعة مصر بالخارج. لأنه يظهر الدولة المصرية كقاهرة لحرية الرأي بلا حدود.

وقد كان هذا تحديداً هو عنوان المقال في العام الماضي. ولذلك تعمدت "واشنطون بوست" إعادة نشره في نفس اليوم من العام التالي (21/08/2008) كما لو كانت توحي لقرائها، وللعالم، أن الدولة المصرية قد أصبحت أكثر كبتاً لحرية التعبير، وأكثر قهراً لأصحاب الآراء الحرة.

وهذا هو المعنى الذي دارت حوله افتتاحياتها التي صاحبت إعادة نشر المقال. أي أن ما كان الحديث عنه في العام الماضي "كفضيحة"، أصبح هذا العام "فضيحة بجلاجل".

وهذا ما تردد في الداخل المصري بعد صدور حكم محكمة جنح الخليفة 2/8/2008 على لسان، وبأقلام، عشرات الكتّاب ومئات المدونين (Bloggers) ومن هؤلاء أذكر علي سبيل المثال الإعلامية الجريئة فادية الغزالي حرب (11/08/2008) في مقال لها بعنوان "من الذي يسيء إليك يا مصر؟"، الذي تجاوزت فيه القضية الفردية إلى ما هو أكبر، والذي تحوّل إلى ظاهرة إرهاب جماعي تقوم به الجدولة المصرية ضد أصحاب الرأي المخالف. واستشهدت في ذلك بملاحقة رؤساء تحرير الصحف المستقلة.

وفي مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، تدعو الكاتبة "المعارضة المشتتة في مصر إلى أن تنتزع مكاناً لها في مواجهة النظام الحاكم، دفاعاً عن ضحايا النظام، وحفاظاً على هيبة القانون، في هذا المناخ المأزوم".

ويذهب الدكتور زكي سالم (13/8/2008) أبعد من ذلك إلى اتهام صريح للنظام لاستخدام القضاء لأغراضه، ليس لإقرار العدالة بين الناس. وهو يذكر أن "الأحكام تصدر بناء علي هوي أهل الحكم وأوامرهم!" وهذا يعيدنا إلى ما تعرض له نادي القضاة من حرب شعواء بسبب المطالبة المستمرة بحق الشعب في قضاء مستقل، فلا ضمان لتحقيق العدالة في مصر بدون استقلال حقيقي للقضاء.

وقد سبق للدكتور سعد أن قضى ثلاث سنوات من حياته في السجن، بسبب حكم سياسي، ثم صدر له الحكم بالبراءة من محكمة النقض، بعد أن أصيب بالشلل في سجنه، وكاد أن يفقد حياته.
وهذا أسلوب من أساليب التعامل مع المعارضين!. فما هي جرائم د. سعد؟. إنها مرة أخري مجرد كلمات، عبّر بها عن استيائه من الفساد والاستبداد، وطالب بربط المعونة بالإصلاح السياسي. قالها بشجاعة على الهواء مباشرة بالفضائيات، أو ذكرها في حوارات منشورة، أو كتبها في بحوث وصحف ومجلات.

وممن تناولوا نفس الموضوع عربياً المفكر الإسلامي التونسي صلاح الدين الجورشي، في مقال له بعنوان "سعد الدين إبراهيم.. المثقف المُشاغب والمُلاحق" (العرب القطرية 13/8/2008)، وجاء فيه: د. سعد الدين إبراهيم شخصية مُثيرة للجدل لفترة طويلة، وسواء اتفقت أو اختلفت معه حول مكمل القضايا والمواقف التي دافع عنها ولا يزال، فإنه لا يجوز لك أن تستخف بذكاء الرجل وعمقه الفكري، وقدرته على المحاججة وسعة اطلاعه، إضافة إلى حبه لبلاده مصر، وإيمانه بالديمقراطية، وهي مسائل عرفتها فيه عن قرب بعد أن قرأت له بعض أهم ما كتب. ثم خالطه، فاختلفت معه في أشياء. ولكني وجدت لديه خصالاً إيجابية عديدة.

إنه من جيل عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي وحسين مروّة وهشام جعيط وعبد الباقي الهرماسي وسمير أمين وطيب هيزيني وأمين العالم وغيرهم، ممن ملأوا الساحة الثقافية العربية طيلة السبعينيات، ووصولاً إلى التسعينيات من القرن الماضي.. وإن الحكم الصادر عليه يشكل جولة جديدة في معركة قضائية وسياسية أخري، تُخاض ضد هذا الرجل المُصر علي مواصلة مشواره القاسي، والذي يجبره هذه المرة علي البقاء خارج مصر إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

لا شك أن آراء سعد الدين إبراهيم قابلة للنقاش.. لكن من وجهة نظر حقوقية ومبدئية، لا يمكن القبول أن يكون الرد على الأفكار بسجن الخصوم السياسيين وتشريدهم وتخويفهم. فعلى السلطات المصرية استخلاص الدروس الضرورية (من وقفة الرأي العام المصري والعربي معه هذه المرة).

أما الكاتب المصري وائل عبد الفتاح، في عموده "مُفترق الطُرق" في الشقيقة الدستور 5/8/2008، فقد كتب متعاطفاً معنا، ومنوّهاً بمبادراتنا في فتح ملفات لم يجرؤ أحد على طرحها من قبل، وجاءت الأحداث التالية لتؤكد صواب تلك المبادرات. إلا أن الزميل وائل في نفس العمود تحت عنوان "سعد على طائرة الرئيس"، ادعي أنني "كنت مستشاراً للرئيس حسني مبارك، وأنني سافرت معه على طائرته إلى واشنطون بالتحديد سنة 1999".

ولكنه من هذا الادعاء جانبه الصواب تماماً. لأنني لم أسافر أبداً مع الرئيس حسني مبارك بالطائرة إلى واشنطون، بل لم أسافر معه بالباخرة أو القطار، في أي مكان خارج مصر أو في داخلها.

فقد سافرت مراراً مع ملوك وأمراء ورؤساء آخرين، إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولو كان دعاني الرئيس حسني مبارك للسفر معه، لم أكن لأتردد في ذلك، ولكن حقيقة الأمر أنه لم يفعل ذلك أبداً، والمرات الست التي اجتمعت فيها به، بين عامي 1978 (وهو نائب للرئيس) وعام 1986 (وهو رئيس) كانت من منزله أو مكتبه.

فالسفر مع الرئيس علي طائرته ليس شرفاً أدَّعيه أو تهمة أنكرها، فقط للتصحيح. إن مقال الزميل الكريم هو "واقعة" لم "تقع". فأرجو أن يدقق معلوماته أو يراجع صاحب الشأن قبل النشر.

وعلى الله قصد السبيل، ورمضان كريم للقراء وللمسلمين أجمعين.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.