Untitled 1

 

2018/5/27 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :10/9/2008 3:53 PM

اعتقال في محراب الصلاة

 

رائد قاسم

يشرب فنجان قهوته بصمت .. رأسه متجها إلى الأرض .. عيناه لم تعد تحلق في الأفق أو تنظر بتأمل  للحياة الواسعة .. يمسك الفنجان ببسالة ويمعن النظر فيه بعمق عله يرى ما لم يستطع رؤيته في الوجود من حوله..

- عاطف إلى متى صمتك هذا؟ منذ أن خرجت من المعتقل وأنت لا تمنح الحياة جزء من اهتمامك.

- الوجود من حولي ليس سوى زيف، الحياة المحيطة بي ليست سوى خيال وهم ومن الحماقة أن اتامل وهم لا وجود له  أو أن أهتم بخيال لا حقيقة له !

- أين عاطف الذي كان ينتقد كل شي؟ أين عاطف الذي كان يريد تغيير الوجود بقوة فكره؟ اين عاطف الذي كان يعتقد أن لا شخص أو فكرة  أو عقيدة  منزهة  عن النقد وان بالنقد وحده تصحح المسارات وتشيد المدنيات ويكون لحياة البشرية معنى؟

تتغير معالم وجهه، يبدأ الغضب بالتسرب إلى عضلاته التي أنهكتها سنوات المعتقل.. يقذف بكوب الفنجان على الأرض.. يصيبه قطع منه فلا يكترث .. يضع ثمنه ببرود ثم يهم خارجا من المقهى..

- عاطف انتظر هل تظن أن الأمر قد انتهى بدنانير معدودة وضعتها على الطاولة، ألا يستحق ما فعلته الانتقاد أم انه وهم أيضا؟  ..يقف بانتظار صديقه الذي ظل ينتظره طوال تلك السنوات التي قضاها في المعتقل..

- أنا لست متخصصا لكي انتقد، لكي يكون الانتقاد صائبا ومؤثرا، يجب أن تكون صاحب تخصص فيما تتناوله بالنقد وإلا كانت الحياة فوضى.

- ماذا تعني؟

- أنا كنت انتقد بعض العقائد والمفاهيم الدينية وبعض سلوكيات المتدينين وهذا خطا لاني لم لست متخصصا في الدين، وكنت انتقد بعض القيم والعادات الاجتماعية وانتقادي كان خطا لاني لست متخصصا في العلوم الاجتماعية .

- ولماذا انتقدت إذن الحكومة والنظام الحاكم؟ هل كنت متخصصا في السياسة وهي التي لها فروع تزيد عن العشرة؟ ولماذا ننتقد الصحافة وأجهزة الإعلام التابعة للنظام؟ هل كنا متخصصين في الأعلام وهو علم ينقسم إلى الكثير من الفروع؟

- انظر إلى هذا الشارع ! كم به من الحفر والتشققات؟ حري بنا أن لا ننتقد البلدية لأننا لسنا مهندسين ! وحري بنا أن لا ننتقد  المستشفيات وما فيها من إزهاق للأرواح جراء الإهمال لأننا لسنا أطباء وليس لنا أن ننتقد بعض القوانين والأنظمة لأننا لسنا حقوقيين ولا قانونيين أليس كذلك؟

- يا عزيزي لقد خدعونا بهذا المفاهيم التي تنتقص منا كبشر .. قالوا لنا بأننا في زمن التخصصات حتى يخرسوا ألسنتا ويجمدوا عقولنا ليتسنى لهم العبث بثرواتنا ومقدراتنا ولتسخيرنا لخدمة لمصالحهم  لنكون مجرد مماليك بين أيديهم؟

- أن ما تقوله هو الحق الذي أومن به، حاولت أن اقنع عقلي بقناعات جديدة ولكنه أبى ألا أن يكمل مهمته حتى النهاية.

- وما هي مهمته يا ترى؟

- أن يكون سببا في قتلي وإخراجي من هذه الدنبا حرا لا سلطان لأحد علي غيره.

- وهل يكون ذلك سببا في أن تقتل؟

- نعم يا صديقي، فنحن في زمن العهر، فان أعملت عقلك زاحمت الوهم المطبق على حياتنا كبشر وهنا ستكون نهايتك لأنه سوف يقضي عليك أو أن تستسلم  له لتصبح  جزء منه ليكون عقلك مسخرا في خدمته أو مجرد آلة صدئة لا قيمة لها.

تحاصره السلطات في كل مكان، فلا يجد متسعا في الأرض يذهب إليه، فالمخبر يتبعه في كل مكان يرتاده، تضيق عليه الدنيا على اتساعها، الناس من حوله تتجنبه خوفا منه أو من الذي يواجهه منذ سنوات طويلة، يجد نفسه وحيدا إلا من القليل من الأصدقاء القدامى الذين ظلوا ثابتين على المبادئ التي جمعتهم طوال أكثر من 20 عاما من النضال الذي انتهى بالاعتقال والحرمان من كافة الحقوق القليلة المبتورة التي تمنح للخاضعين من الناس ..

لم يجد مكان يذهب إليه سوى المسجد القريب من منزله، كان في كل فريضة يأوي إليه يؤدي فروضه في إحدى زواياه ويدعو ربه والمخبر رغم ذلك ورائه كأنه يحاول أن يسمع ماذا يقول في صلاته وبماذا يتمتم؟ ..

كان يطيل في قنوته مما آثار فضول المخبرين والناس المحيطين به ... الهي ادعوك بان ترزقني الحرية والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة ... ... الهي ارزقني الحرية والكرامة أو خذني إليك فلا حاجة لي في حياة أكون فيها عبدا لغيرك .. الله إني أسالك أن تبعث في روحي العنفوان والإباء والرفعة لأعبدك بها كثيرا وأسبحك بها كثيرا يا رب العالمين.. الهي إني ذليلا فاعزني وسجين فحررني ومظلوما فانصرني وفقيرا فأغنني يا رب العالمين ...

- ماذا يفعل هذا العلماني في مسجدنا كل يوم؟

- سمعت انه ليس علمانيا بل ليبراليا !

- وما الفرق بينهما ؟  

- ولكن العلمانيين لا يصلون!

- ولماذا يصلي إذن؟ أتراه قد تاب عن أفكاره الباطلة؟

- ولماذا يطيل في قنوته كل هذه المدة؟

- إنني أخشى منه، ما رأيك أن نطرده من المسجد؟

- لا هذا عمل غير لائق ما دام يأتي للصلاة فقط فلندعه وشانه

أصبح المسجد مأواه الذي يركن إليه من العزلة والوحشة والظلام الدامس، كان يرى المخبر يدخل معه المسجد فلا يكثر له، ما أن يبدأ بالصلاة حتى يغفل عما يجري بالقرب منه ويسرح في عالمه الخاص الذي لا يشاركه فيه احد، عاد يدعو ربه مجددا وفي هذه المرة بدأت الدموع تنهمر من عينيه .. أغمضها بخشوع ألا أنه أحس بتلك القيود التي ألفها سنوات طويلة ماضية تكبل معصميه مرة أخرى، فتح عينيه مجددا ليرى مجموعة من المخبرين تحيطه به وتقيد رجليه ويديه وتقطع صلاته ... يأخذونه بقسوة وسط ذهول المصليين .. لم ينبت بشفه كلمة فقد كان يعرف قواعد اللعبة ..

- الم اقل لكم انه رجل خطير؟

- لقد فهمت الآن! لقد كان يأتي للمسجد ويصلي ليموه على أفعاله!. انه رجل ماكر حقا ولكن ما ذنب الصلاة ليشركها في أفعاله الذميمة الباطلة؟ 

يفك القيد عن يديه ورجليه، يجلس فترة طويلة بانتظار تهمته الجديدة، يدخل عليه الضابط المسئول عن جريمته..

- أهلا يا عاطف افتقدك كثيرا .

يتطع إليه بكل جأش...

- ما تهمتي هذه المرة؟

- يبدوا أنك متعجلا لمعرفة لماذا أنت هنا، أعذرك، في كل مرة تأتي إلينا كنت تعرف تهمتك جيدا ولكن هذه المرة خانتك البداهة.

- أنا لم افعل شي ضد قانونكم، لا يمكن أن أكون قد فعلت شيئا يغضب حكومتكم مني، مستحيل.

- أنت لم تفعل شي ولكنك قلت .

- قلت لمن وكيف، أنا التزم الصمت طوال الوقت  يا سيدي.

- هذه المرة يا عاطف تكلمت وبصمت ولم تقل لأحد ولكننا تمكننا من معرفة ما يجول في خاطرك وما تخطط له ولذلك تسحق العقاب، لأنك أضمرت ما سوف تريد أن تفعله لاحقا، او ليس الله يعاقب على النيات؟ لماذا لا نفعل ذلك نحن أيضا؟ فالله آلهة السماء ونحن آلهة الأرض !!

- هل دخلت إلى أعماق ضميري؟ هل تمكنت معرفة ما يفكر به عقلي؟ هل استطعت معرفة ما يجول في ذهني؟ وهل ما يضمره المرء في داخله يعاقب عليه يا ترى؟

- نعم تعاقب يا عاطف! كل جريمة كانت عبارة عن فكره أو مجموعة أفكار، تحولت إلى وساوس في العقل ثم اجتمعت لتصبح فكرة شيطانية، علينا منذ اليوم أن لا ننتظر الفعل، يجب أن نعاقب المرء منكم على ما في داخله  لكي لا يفعل أو يفكر أن يفعل ... يشعر عاطف بالإرهاق الشديد وانه بحاجة إلى إنهاء هذه الكوميديا السوداء...

- اسمع يا عاطف أليس هذا صوتك؟

أنصت لنفسه وهو يدعو ربه بان يرزقه الحرية والكرامة، تطلع إلى وجوه المخبرين والعجب قد تملك من قسمات وجهه، والضابط فرح يدخن سيجاره والابتسامة تملا تغره..

- انه مجرد دعاء لا اقصد به شيئا.

- لا شي يسير في هذه الوجود دون هدف أو مرمى وآلاف الكلمات التي تخرج من فم الانسان أو حتى زقزقة الطيور  وهدير الحمام أو  زئير الأسود كل منها له هدف وغاية .

- كيف يصل الأمر بكم أن تحاسبوا الناس على كلمات  تدعوا بها بارئها او أمنيات تختمر في قلوبها؟

- (بغضب) كيف لك أن تقول ذلك؟ كل حرف ضد الدولة جنحة وكل كلمة جريمة وكل عبارة تتفوهون بها تستحقون عليها الإعدام ألف مرة.

- ما تقوله غير صحيح إنكم لستم سوى مرتزقة تطلبون رضا ساداتكم على حساب شعبنا المستضعف.

- كلا إن جهاز الأمن الناجح هو من يقبض على المجرم والجريمة ما تزال في طور التكون في ذهنه، لذلك علينا أن نجعل على كل مواطن شرطي وعلى كل شرطي رجل مخابرات، علينا أن  نحاصر كل شخص ونراقبه حتى في أحلامه فمن الحلم تبدأ أولى خطوات الجريمة ...

يساق إلى المحاكمة، ينظر القاضي في تهمته فيدعن لجلادي الشعب ومروضي أجياله..

- سيد عاطف لقد دعوت على الحكومة وقلت بأنها تمنع الناس حريتها وتهدر كرامتها ودعوت الله أن يسقطها ما هو ردك؟

صمت مطبق، يرفض أن يدافع عنه محامي في اغرب تهمة وجهة له في حياته..

- اجب يا عاطف صمتك ليس حلا.

- هل أنت مقتنع يا سيدي القاضي بهذه التهمة من الأساس؟

تبدوا على القاضي إمارات الانكسار. يتدارك الأمر الجلاوزة المرتدين رداء القانون والعدالة ..

- ليس لك أن تسال السيد القاضي مثل هذه السؤال، أنت دعوت على الحكومة أي انتقدتها وهذه جريمة.

- أن كنت قد فعلت ذلك ففي السر وبيني وبين بارئي، ليس للقانون سلطة علي في ذلك.

- لا فرق في نظر القانون أن يكون ذلك سرا أو علنا، سيدي القاضي أطالب بإنزال أقصى العقوبات على هذا المتهم.

ينظر القاضي إلى عاطف بشفقة، أحس عاطف بان القاضي يقف إلى جانبه ولكنه مسجون مثله وان كان يبدو حرا..

- حكمت المحكمة على المتهم بالحبس خمس سنوات مع الأشغال الشاقة.. رفعت الجلسة .

يخرج القاضي وما تزال عيناه تلامس عيني عاطف، يأخذه  السجان إلى سجنه، يلقي نظرة الوداع على الأشياء من حوله .... نحن جميعا مسجونين وان كنا نبدو أحرار.. الحياة دون الحرية ليست سوى سجن كبير والإنسان من دون كرامة جسده ليس سوى قبر يضم روحه المعذبة، سأظل أدعو ربي وسيكون سجني محراب صلاتي حتى النصر..

 
كاتب سعودي - القطيف
البريد الالكتروني:

 

 

 

إشكالية قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي
الدين بين الوجدان والبرهان
هل السلطة شي شرير؟
أنا مسلم ولكنني علماني !
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (2)
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (1)
الإباحية الدينية
كل الجهات الأربع قطيف
لا يكفي هذا يا خادم الحرمين !!
الشعائر الدينية بين سلطة الدولة وحق المجتمع (عاشوراء نموذجا)
رجال الدين.. تبا لكم!!
دين الله أم دين الفقهاء؟
الهزيمة الحضارية للفكر الديني
أحلى وقت وأجمل صيف في ربوع بلادي!!!
جمهورية السراب
آهات قاتلة
الانترنت الديني..... قمع الحرف واضطهاد الكلمة
وطني .. آه يا وطني!
آمنت بكم يا رجال الدين!
المتمردة (قصة قصيرة)
أبو ذر الغفاري وعريضة الخمس في القطيف
أيها القرضاوي ما قلت إلا حقا !! .. ولكن
المعمم الشيعي.... ضحية وجلاد
قناة التطبير الفضائية!
الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)
تحية إلى بزبوز ونذير وسلامة ووجيهة والى كل قلم حر في بلادي
الشيعي الجديد
شعوب ولاية الفقيه!
لا حرية في الحرية!
وجيهة الحويدر.. سيدة نساء هذا العصر!
عزيزتي المرأة... أرجو الإجابة!!
معجزة في العوامية !!
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية (2)
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية
رادود حسيني في مجمع السيف !
لا حرية في الحرية !
الثائر (قصة قصيرة)
فتاة القطيف والواقع المأساوي
فتاة القطيف.. عليك تحمل المسئولية !
نعم .. هذا هو الدين!
أسير الحرية
أيها الخطباء .. احترموا عقولنا!
الحمد لله: لقد دفعت الخمس !
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الثانية
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الأولى
القتيلة
زواج الأفاعي (قصة قصيرة)
الإمام علي .. ليبراليا عبر العصور
سلفيون ولكن !

1 - قيود عاطف ..
زين | 10/9/2008 ,9:38 PM
سلمت يمينك رائد .. لاشئ في الوجود يعادل حرية الضمير .. كل شئ يكاد ان يكون محاصرا ، ولو كان بمقدورهم تقنين الهواء الذي نتنفس لفعلوه .. حتى الضمير في دواخلنا مبعث لقلقهم ولكن لاسبيل لمصادرته .. النقد دليل الفكر المبدع والخلاق .. والنقد وحرية الضمير متلازمان .. بهما نعرف انفسنا والوجود من حولنا ..و قيود عاطف طريقنا للحياة الحره .. حياة دون رقباء !

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.