Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :30/6/2007 12:34 PM

علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

سعد الدين إبراهيم

شهد شهر يونيو 2007 انفجارات واسعة النطاق لعدة صراعات، كانت خامدة، أو ممتدة ولكنها تحت السيطرة، وكان بعضها جديداً، بلا مقدمات ظاهرة. ولأن شهر يونيو كان مناسبة الذكرى الأربعين لأكبر هزائم العرب عام 1967، فقد راعني ما يحدث في يونيو ٢٠٠٧، وتذكرت إحدى مقولات المؤرخ العربي الكبير قسطنطين زريق، الذي نبّه في بداية حياته العامة لأول نكبة حاقت بالعرب عام 1948 مع هزيمتهم وضياع فلسطين، على يد الكيان الصهيوني الوليد الذي سمى نفسه إسرائيل. كان عنوان كتاب قسطنطين زريق الأول عام ١٩٤٨ هو "دروس النكبة".

ولم يستمع للرجل أحد من القيادات العربية البارزة طوال السنوات العشرين التالية لصدور الكتاب، حتى وقعت هزيمة 1967 وكانت أقسى على العرب من هزيمتهم الأولى. فكتب قسطنطين زريق كتاباً جديداً بالعنوان السابق نفسه تقريباً، وهو "دروس النكبة مجدداً".

ومرة أخرى لم يقرأ الزعماء والرؤساء، ولم يستفيدوا من حكمة مؤرخنا الكبير. ثم حينما غزا صدام حسين الكويت عام 1990 رأي قسطنطين زريق هزيمة أخرى قادمة في الطريق، فكتب "دروس النكبة مثلثاً".

وكانت هذه الأخيرة في نظره الأشد قسوة على الحلم العربي القومي في القرن العشرين، لأن العرب سينفرط عُقدهم، فضلاً عن أن الوحدة العربية قد أصبحت بعد هذا الغزو بعيدة المنال، وأن الأقطار العربية نفسها، قد لا تستطيع المحافظة على وحدتها الوطنية.

وأذكر أن الرجل في آخر زيارة له للقاهرة حيث كانت إحدى كريماته، د. هدى زريق تعمل، تبادلنا حديثاً مؤثراً في شرفة شقتها التي كانت تطل على النيل، في الجيزة. قال الرجل: "يا سعد الدين... لقد ناهزت الثمانين من عمري... شهدت فيها، وكتبت عن ثلاث نكبات كبرى، وأرجو ألا أعيش لأكتب "دروس النكبة مربعاً"... وفي كل الأحوال يبدو أننا نحن العرب نستحق أن نباهي الأمم بأننا أبدعنا علماً خاصاً بنا هو "علم النكبات العربية".

لقد رحل قسطنطين زريق عن عالمنا منذ بضع سنوات، وفي ذلك رحمة به، فلو كان ما زال يعيش معنا في صيف 2007 لكتب عن "دروس الجهنميات العربية". فلدينا "جهنم" في لبنان، وجهنم أخرى في العراق، وثالثة في فلسطين، فضلاً عن جهنم السودان في دارفور، وجهنم الصومال. إن وصف "جهنم" لكل من هذه المشاهد على حدة، هو لأن من يعيشون فيها، وخاصة من نساء وأطفال، لا بد أنهم يتصورونها كذلك، فمع العنف والدمار والدماء والنار والفوضى، والهرج والمرج، وكل في ذُعر وهلع، يحاول أن ينجو بنفسه، لا بد أنهم يتذكرون الوصف القرآني البليغ ليوم الحشر: "يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (سورة عبس الآية 34-37).

ولأننا لا يمكن أن نتناول كل هذه "الجهنميات" في هذا المقال فسنقتصر في هذا المقال على آخرها، أي الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، الذي تصاعد بصورة غير مسبوقة في قطاع غزة، وتطور يومي الأربعاء والخميس، 13 و14 يونيو، بسيطرة مقاتلي حركة حماس (كتائب القسّام) على كل مواقع حركة فتح وعلى مؤسسات وأبنية السلطة الفلسطينية، بما في ذلك مقر ومنزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) وقد أنزل المقاتلون الأشاوس التابعون لحماس الأعلام الوطنية الفلسطينية (الأحمر والأبيض والأخضر) ورفعوا، بدلاً منها، أعلامهم هم (الخضراء)، كما أقاموا صلاة النصر على أعدائهم (مقاتلي حركة فتح). لقد كان المشهد غريباً علي شاشات التليفزيون العربية والدولية، خاصة أن مقاتلي حماس الملثمين، يسوقون أسراهم من مقاتلي فتح.

ولأن معظم شبكات التليفزيون العالمية كانت تعرض مشاهد حرب يونيو 1967 ، ومنها لقطات مماثلة للأسرى المصريين، يسوقهم الجنود الإسرائيليون في سيناء، فقد أحسست أنا شخصياً بمرارة شديدة. وكنت قد كتبت منذ أسبوعين عن الجراح العميقة التي تركتها حرب يونيو في جيلي قبل أربعين عاماً (حرب الأربعين عاماً، "المصري اليوم" ٩/٦/٢٠٠٧). نعم، لم يكن المشهد هذه المرة إسرائيلياً - عربياً، ولكنه كان فلسطينياً ـ فلسطينياً.

كل ما هنالك أن فريقاً منهم ادعوا أنهم هم "المؤمنون"، وأنهم انتصروا علي الفريق الفلسطيني الآخر من "الكفار"! فيافرحة إسرائيل، وهي تشهد كما شهدنا، الفلسطينيين "الحماساويين"، يقاتلون ويأسرون الفلسطينيين "الفتحاويين". لقد حمدت الله أن مؤرخنا الكبير قسطنطين زريق رحل عن عالمنا قبل أن يأتي هذا المشهد العبثي المأساوي.

إن عبثية ومأساوية المشهد الفلسطيني الحالي هي أن البقية الباقية من فلسطين، والتي لا تتعدى ٣٠% من الوطن الأصلي، علي وشك أن تنشطر إلي دويلتين، إحداهما في غزة تحت سيطرة حماس، والثانية في الضفة الغربية تحت سيطرة فتح، ورئاسة السلطة بقيادة محمود عباس (أبو مازن).

وقد شرعت كل منهما تصفي وجود الآخرين من الفريق المنافس، وتقوم بتطهير منطقتها من أي وجود للخصوم. إن مسلسل الانقسام الفلسطيني هو ما نبهنا إلي قرب حدوثه، قبل ثلاثة أسابيع، ينذر بألا يتوقف عند هذا الحد، فقد تنقسم غزة إلي شمال وجنوب. وقد تنقسم دويلة الضفة إلى عدة كانتونات، رام الله، والخليل، ونابلس، وطولكرم، وجنين، وهلم جرا.

إن الكابوس المزعج لم يعد، في الوقت الحاضر، هو كابوس الهيمنة الإسرائيلية أو الأمريكية علي الفلسطينيين، وإنما استمرار الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني. وكما يقول علماء الاجتماع السياسي إن أبشع أنواع الصراع هو الصراع الأهلي، فإذا تدهور ذلك إلي صراع مسلح، فإنه يصبح "قتال إخوة"، مثل قتال هابيل وقابيل، الذي يمكن أن يتحول إلي صراع أبدي، فكل طرف في الصراع لا يكف عن الشك والكراهية والرغبة في الانتقام من الطرف الآخر.

وكل سلوك لطرف ينظر إليه الطرف الآخر نظرة ريبة وشك وتهيؤ للانقضاض على الطرف الآخر، وهكذا إلى أبد الآبدين. وها هي حماس تقتل كل من تصادفه من مقاتلي فتح في غزة، وها هي فتح تقتل كل من تصادفه من مقاتلي حماس في الضفة الغربية.

وها هو الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يقيل رئيس الوزراء الحماساوي، إسماعيل هنية، ويعين رئيس وزراء آخر، هو سلام فياض، ويعتبر ما حدث في غزة انقلاباً على الشرعية، وتمرداً على السلطة الوطنية.

ومن ناحيتهم لم يوافق لا إسماعيل هنية ولا زملاؤه في حماس علي قرارات الرئيس عباس، ويرفضونها ويتمسكون بمواقعهم في غزة. ويبدو الأمر كله للمواطنين العرب خارج فلسطين غير مفهوم، وكأنه قتال على "فتات".

ويبدو وزراء الخارجية العرب، الذين اجتمعوا في القاهرة، الجمعة 15/6/2007 لإطفاء حريق الفلسطينيين بلا حول ولا قوة. فأصدروا بياناً لا يقدم ولا يؤخر، وحاولوا موازنة ما لا يمكن موازنته بين حماس وفتح.

 فقد سبق أن أكد زعماء الحركتين أن "الدماء" الفلسطينية خط أحمر لا يمكن اختراقه، وأن "الوحدة الوطنية" خط أحمر، وأن "الشرعية" خط أحمر. وقد اخترقت الحركتان الخطوط الحمراء جميعاً، ومزّقتها وتمرغت بها حتى الثمالة. وكما ظهرت حماس لتتحدى فتح، فقد ظهرت حركتان أخريان تتحديان حركة حماس. وهكذا يبدو أننا بصدد سيناريو أفغاني في غزة. فليس للتطرف ولا للغلوّ نهاية.

لقد قام الطغاة العرب بارتهان ثلاثمائة مليون عربي إلى أن تحل القضية الفلسطينية (حيث لا ينبغي أن يعلو صوت فوق صوت المعركة). وها نحن بصدد غلاة عرب يرتهنون ما تبقي من فلسطين تحت شعار "الإسلام هو الحل". وقد كذب الطغاة والغلاة، فعليهم اللعنة أجمعين.

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني:  

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.