Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :1/11/2008 4:23 PM

ماذا لو كان أوباما مسلماً؟

 

سعد الدين إبراهيم

مع العد التنازلي للانتخابات الأمريكية، فجّر الجنرال كولين باول ثلاث قنابل، لا بد أن يكون لها تأثيرها، لا فقط على المعركة الرئاسية، ولكن أيضاً على مكانة ودور الأمريكيين المسلمين في الحياة الأمريكية العامة.

لقد تحولت الانتخابات الأمريكية في الستين عاماً الأخيرة، أي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أهم انتخابات في العالم. ويكفي أن نذكّر القرّاء العرب بأن الحركة الصهيونية العالمية كانت من أوائل من تنبّه إلى انتقال مركز القوة من أوروبا إلى أمريكا.

من ذلك أن هذه الحركة كانت قد حشدت قوتها وراء القوة الأوروبية الأعظم، وهي بريطانيا، في الحرب العالمية الأولى، حتى فازت بوعد بلفور، الذي مهّد لإنشاء "وطن قومي" (وليس دولة) لليهود في فلسطين، ثم بناء على رؤية ثاقبة، نقلت الحركة الصهيونية نشاطها إلى الولايات المتحدة، تمهيداً للضربة الثانية، وهي الانتقال من مجرد "وطن قومي" إلى "دولة يهودية".

وكان لا بد من دعم أمريكي لتحقيق هذا الهدف. وهو ما كان مع قرار التقسيم (1947)، ثم الاعتراف الأمريكي بإسرائيل بعد ميلادها بثماني دقائق بواسطة الرئيس الأمريكي هاري ترومان (1948).

وهو الذي قال قوله المشهور لوزير خارجيته، حينما طلب منه التريث في الاعتراف حتى لا يستفز العرب، "وكم صوتاً يملك العرب في نيويورك؟".

*فإذا كان ذلك كذلك. وكان لانتخابات الرئاسة الأمريكية كل هذه الأهمية عالمياً طوال الستين سنة الأخيرة، فما الجديد في الأمر هذا العام (2008)؟ الجديد، هو أن هناك مُرشحاً زنجياً، من أصل كيني إفريقي. وهذا يحدث لأول مرة في أكثر من ثلاثمائة سنة ـ أي منذ جلب تجار العبيد الأوروبيون الزنوج من موطنهم الأصلي (إفريقيا) ليعملوا في حقول القطن في الجنوب الأمريكي.

ورغم إلغاء العبودية بعد حرب أهلية طاحنة بين الشمال والجنوب (2860- 1864)، إلا أن الزنوج الأمريكيين ظلوا يعانون من التفرقة العنصرية لأكثر من قرن آخر، أي إلى أواخر ستينات القرن العشرين. وكان لا بد من حركة اجتماعية أخرى، قادها داعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج، حتى يستكمل الزنوج الأمريكيون كل حقوق المواطنة.

وفي خضم هذه الحركة، ولد باراك أوباما، لأم أمريكية بيضاء من أصل أيرلندي، وأب أسود، وهو طالب كيني مسلم ذهب إلى الولايات المتحدة في منحة دراسية في أوائل ستينات القرن الماضي.

*ورغم أن الطفل باراك أوباما، تم تعميده بواسطة أمه كمسيحي، بعد أن هجرهم أبوه وعاد وحده إلي كينيا، إلا أن منافسه عن الحزب الجمهوري، السيناتور جون ماكين، ظل هو وأنصاره يشكّكون في درجة أمريكية (ووطنية) باراك أوباما، خاصة أن أمه تزوجت ثانية من مسلم آخر من إندونيسيا، وعاشت معه هي وولدها باراك لعدة سنوات في جاكرتا.

وهنا يأتي كولين باول، القائد الأسبق للقوات المسلحة الأمريكية، وصاحب النصر العسكري الأمريكي الوحيد خلال ستين عاماً، في حرب تحرير الكويت (1991)، ووزير خارجية جورج بوش السابق (2000-2004)، وهو عضو الحزب الجمهوري الأكثر تقديراً واحتراماً. فماذا فعل كولين باول؟.

في مقابلة تليفزيونية شهيرة يوم الأحد 13/10/2008، فجّر كولين باول قنبلته الأولى، وهي أنه رغم عضويته في الحزب الجمهوري فإنه يؤيد مُرشح الحزب الديمقراطي، باراك أوباما، وسيصوّت له. ثم فجّر قنبلته الثانية بنقد لاذع لحزبه، الذي لجأ إلى دعايات انتخابية رخيصة، وتنطوي على عنصرية مُبطّنه.

ولكن القنبلة الثالثة والأكثر أهمية لموضوع هذا المقال، هي تصريح كولين باول، رداً على تشكيك رفاقه في الحزب الجمهوري في وطنية وديانة باراك أوباما، بعبارة استفسارية صارمة، وهي "ماذا لو كان أوباما مسلماً؟ فهل هذا يعيبه؟ وماذا عن ملايين الأمريكيين من أصول مسلمة؟ إنني أريد ألا يحرم أي طفل أمريكي مسلم من الحلم أن يكون رئيساً لأمريكا يوماً ما، كما حلم أمريكي كاثوليكي، وكما حلم زنجي أمريكي؟".

لقد نزل هذا التصريح "برداً وسلاماً"، لا فقط على المسلمين الأمريكيين، ولكن أيضاً على الأمريكيين من أصول إسبانية ولاتينية، وآسيوية.

إن أوراق اعتماد شخصية بقامة كولين باول لا يختلف عليها اثنان في الولايات المتحدة. وكونه يتجاوز مجرد التأييد لباراك أوباما إلى الحديث عن حق الأجيال الصاعدة من المسلمين الأمريكيين، هو اعتراف ضمني من الرجل بأن ثمة ظلماً قد أصاب، لا فقط باراك أوباما، ولكن أيضاً كل المسلمين الأمريكيين، من مجرد إثارة ما إذا كان أوباما "مسلماً" أم لا، أنها إهانة، حيث إن صياغة السؤال بواسطة منافسه من الحزب الجمهوري، جعلت الأمر يبدو كما لو أن "إسلام" أوباما تهمة، ينبغي الفرار منها، أو نفيها. وهو ما لا يجوز أن يحدث لأي إنسان. فالدين واللغة ولون البشرة هي من الموروثات، التي لا دخل لأي فرد فيها.

ولا ينبغي ـ بالتالي ـ لأي إنسان أن يعتذر عنها، أو يحاول إخفاءها أو التستر عليها، كما لو كانت عاهة ابتلي بها الإنسان، "فإذا بُليتم فاستتروا"! ورسالة كولين باول لمسلمي أمريكا، واضحة، هي أن يتمسكوا بهويتهم، وفي نفس الوقت أن يمارسوا كل حقوقهم، بما في ذلك حق الطموح والحلم لأي طفل مسلم أن يكون رئيساً لأمريكا.

ولم لا؟ لقد جاءت أسرة كولين باول نفسه من أحد جزر الكاريبي، وهو أسمر البشرة... ومع ذلك فقد ارتقى إلى أعلى منصب عسكري في بلاده، وكذلك حدث نفس الشيء مع باراك أوباما، الذي أتي أجداده الأفارقة إلى أمريكا عبيداً. ولكن ها هو يتهيأ لتقلد أعلى منصب في بلاده، وفي العالم.

إن كولين باول وأوباما، نموذجان للحلم الأمريكي في أحسن صوره. ولكنهما أيضاً يدركان تماماً الوجه القبيح للواقع التاريخي والاجتماعي لهذا البلد العجيب. فكل مجموعة بشرية وفدت إلى أمريكا بإرادتها أو قسراً، عانت الأمرين في البداية، سواء من الاستغلال والعبودية (مثلما في حالة الأفارقة) أو من التفرقة والاضطهاد، (كما في حالة اليهود، والمسيحيين الكاثوليك والبوذيين الصينيين، والمسلمين).

وفي حالة البعض مثل الأفارقة، فإن هذه المعاناة امتدت لأكثر من ثلاثة قرون. وفي حالة المسيحيين الكاثوليك امتدت لحوالي قرن. وكان انتخاب جون كنيدي رئيساً لأمريكا عام 1960، وهو من أصول كاثوليكية أيرلندية، رمزاً درامياً على نهاية التفرقة ضد الكاثوليك.

وسيكون لانتخاب أوباما نفس الرمزية، وهي نهاية معاناة التفرقة العنصرية ضد الأمريكيين ـ الأفارقة. ومغزى تصريح كولين باول، عن إمكانية أن يكون أوباما مسلماًً، هو أنه آن الأوان لكسر هذه الدورة من المعاناة، لكل مجموعة بشرية وافدة، إلى أن تقبل تماماً، ويستطيع أحد أبنائها أو بناتها الترشيح واعتلاء أي منصب في الولايات المتحدة.

وهذا فأل حسن بالنسبة للمسلمين الأمريكيين. لذلك قد قلنا منذ عشرة شهور، على نفس هذه الصفحة، إن مجرد ترشيح باراك أوباما للمنصب الرئاسي "ثورة اجتماعية أمريكية".

أما انتخابه فسيكون بمثابة "ثورة عالمية كونية". فهل نتعلم نحن المصريين والعرب من هذا الدرس، فنكف عن التمييز والتفرقة تجاه غير المسلمين، وتجاه غير السُنة، وتجاه غير العرب ممن يعيشون معنا في نفس الأوطان؟ فالله نسأل أن يزيل التعصب من قلوبنا، وأن ينهي التفرقة من سلوكنا ضد الآخر المختلف. آمين.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.