Untitled 1

 

2018/6/21 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :22/11/2008 3:29 PM

ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن

 

سعد الدين إبراهيم

يحتفل العالم هذه الأيام بمرور ستين عاماً على صدور "الإعلان العالمى لحقوق الإنسان" (10 ديسمبر 1948). وهو الوثيقة التي صاغتها لجنة من الشخصيات الدولية العامة، برئاسة قرينة الرئيس الأمريكى الأسبق والأشهر فى القرن العشرين، وهي اليانور روزفلت.

والذي لا يعرفه كثيرون من قرائنا العرب، هو أن أهم شخصيتين في تلك اللجنة مع السيدة اليانور كانا عربيين، وهما القانوني المصري، مندوب مصر في الأمم المتحدة وهو الدكتور محمود عزمي، وأستاذ الفلسفة اللبناني ووزير خارجيتها فيما بعد د. شارل مالك.

تذكرت هذا التاريخ العربي المجيد في مجال حقوق الإنسان، أثناء مداولات لجنة مشابهة، كوّنتها الأمم المتحدة، برئاسة السيدة مارى روبنسون، رئيسة جمهورية أيرلندا السابقة، وأول مُفوضة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة (1998-2003)  وتشرفت حينما تم اختيارى عضواً ضمن أعضائها العشرة ـ ممثلاً غير حكومي عن العالم العربي. وأنا الوحيد من أعضاء اللجنة الذي لم يكن رئيساً سابقاً للجمهورية أو للوزراء، أو حتى وزيراً سابقاً في بلاده ـ مثلما هو الحال مع بقية أعضاء "اللجنة السامية لحقوق الإنسان".

كما تأثرت كثيراً لهذا الاختيار، الذي تزامن مع صدور حكم من محكمة جنح الخليفة بإدانتي وسجني سنتين وتغريمي عشرة آلاف جنيه بتهمة الإساءة لسمعة مصر في الخارج (2/8/2008)، أما دليل الإدانة، الذي استند إليه القاضى فهو مقال لي نُشر فى صحيفة "الواشنطن بوست"، يوم 21 أغسطس 2007، أي قبل صدور الحكم بسجني بسنة. وكان عنوان المقال "قهر فى مصر بلا حدود (Egypt’s unchecked Repression).

وقد بدأ المقال بسرد أشهر حالات "الاختفاء القسرى"، حيث اختفى أشخاص من بيوتهم أو من الشارع لعدة أيام، تمتد لعدة أسابيع، ثم لعدة شهور، ثم لعدة سنوات. ولا يعلم ذووهم عنهم شيئاً، ولا إذا كانوا أحياءً أو أمواتاً. فإذا كانوا أحياء فلماذا لا تُفصح السلطات المسؤولة عن أماكنهم، وأسباب حبسهم، ومتى تقدمهم لسلطات التحقيق أو المحاكمة، إذا كانوا قد اقترفوا أفعالاً أو جرائم، يُعاقب عليها القانون.

وإذا لم يكن هناك ما يستوجب التحقيق أو المحاكمة، فلماذا لا تُفرج عنهم هذه السلطات. وذكرنا على سبيل المثال لا الحصر حالتي الصحفي المصري، رضا هلال، نائب رئيس تحرير الأهرام، والمُعارض الليبى ووزير الخارجية الأسبق السيد منصور الكيخيا، الذي اختطف من أمام فندق سفير بالدقي.

ولم ترد السلطات المصرية على ما سردناه من وقائع موثقة بالأمكنة والأزمنة. ولكنها اختارت أن توجه لي اتهامات متعددة، رفع أعضاء في الحزب الوطني بالجيزة، ومن أعضائه في مجلس الشورى، بشأنها ما وصل عدده إلى 21 قضية، منها تلك التى أشرنا إليها أعلاه.

لقد تذكرت هذا كله وأنا أشارك في إحدى جلسات اللجنة السامية لإحياء ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولسان حالي ينعى تدهور الأحوال فى مصر خلال العقود الستة التالية لصدور الإعلان، والذي صدّقت عليه مصر رسمياً، وأصبح بذلك جزءاً لا يتجزأ من المنظومة القانونية الوطنية لمصر.

ولكن القاضي بمحكمة جنح الخليفة، ربما لم يسمع بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وربما لم يدرس، أو درس ونسي ما درسه في مادة القانون الدولي بكلية الحقوق. وإلا لما أصدر ذلك الحكم، الذى يُعاقب إنساناً على "رأيه".

بعد اجتماعات اللجنة السامية لإحياء ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بجنيف، توجهت إلى العاصمة القطرية الدوحة لإلقاء محاضرة عن حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي (9/11/2008) وللمشاركة في احتفالات العيد الخامس لإنشاء اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان.
وما إن انتهيت من إلقاء المحاضرة، والرد على أسئلة المشاركين فى الاحتفالية، والتي نقلتها "قناة الجزيرة مباشر"، حتى انهالت عليّ الرسائل والتقارير من بلدان عربية، تحكي كل منها شكاوى ووقائع عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان:

* من ذلك ما ورد من مواطنين سعوديين يحتجون على احتجاز عدد من نشطاء حقوق الإنسان، معظمهم أساتذة جامعيون ـ منهم د. محمد فهد القحطانى، ود. عبد الكريم يوسف الأخضر، وأيمن محمد الرشيد، ود. عبد الرحمن حامد الحامد، وعبد المحسن العايش، وعبد الله محمد الزهراني، وآخرون.

ورغم مرور ما يقرب من سنة على اعتقالهم، لم توجه إليهم تهم، ولم يقدموا للمحاكمة، رغم إلحاحهم وإلحاح ذويهم، على ذلك. وقد بدأ خمسون مثقفاً سعودياً إضراباً عن الطعام يوم الخميس 6/11، تضامناً مع المطالب العادلة لزملائهم المعتقلين.

وسرعان ما انضم إليهم أكثر من مائة آخرين، وفي اليوم التالي وصل عدد المتضامنين السعوديين المُضربين أكثر من خمسمائة... اعتصموا في بيوتهم، ولكنهم أعلنوا عن هذا التضامن بكل وسائل الإعلام الإلكترونية. وبدورها تجاوبت معهم المنظمات الحقوقية العالمية.

وتقود الناشطة الحقوقية إيما بونينو، وكيلة مجلس الشيوخ الإيطالى، وعضو البرلمان الأوروبى حملة التضامن مع النشطاء السعوديين، والذين حرصوا بدورهم على تفادي أي مواجهات عنيفة مع قوات الشرطة أو الأمن السعودية. ويبدو أن النشطاء السعوديين قد وقفوا هذه الوقفة التضامنية مع زيارة العاهل السعودى، الملك عبدالله بن عبد العزيز، لنيويورك لحضور دورة خاصة عن "التسامح الدينى".

وكتبت "النيويورك تايمز" (12/11/2008) تنتقد العاهل السعودي والممارسات الوهابية، التي لا تتسامح مع المذاهب والطوائف الأخرى، حتى الإسلامية منها، فضلاً عن عدم تسامحها مع حرية الرأى والتعبير للمدنيين، مثل د. متروك الفالح وزملائه، من دعاة الإصلاح السياسي والاجتماعي في المملكة. وبعد الدوحة وجنيف توجهت إلى كوبنهاجن، لحضور احتفالية منحى جائزة الدنمارك للحرية.

وهي جائزة حديثة نسبياً، تحاول بها الدنمارك، أن تُحاكى شقيقتيها الإسكندنافيتين، السويد والنرويج، اللتين تشتركان معاً فى منح جوائز نوبل، منذ ما يقرب من مائة عام. وتُمنح جائزة الدنمارك للحرية لأحد الشخصيات أو المؤسسات التي عُرف عنها التفاني من أجل الدفاع عن الحريات الأساسية، فى مواجهة احتلال أجنبي غاشم أو مُستبد داخلي ظالم. ورغم أن هذه هي الجائزة الحادية والعشرون التي أحصل عليها في حياتي العامة، إلا أنها كانت بالنسبة لي الأكثر حيرة وتردداً.

فمنذ ثلاث سنوات انفجرت أزمة بين الدنمارك ومعظم بلداننا العربية والإسلامية بسبب رسوم كاريكاتيرية نشرتها صحيفة "يولاندز بوسطن"، مُسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ورفضت حكومة الدنمارك الاعتذار عنها، بحجة أن الحكومة نفسها لم تُسئ إلى الرسول، وأنها ليست مسؤولة عما تنشره الصحف، وأن على المتضرر أن يذهب للقضاء الدنماركي أو الدولي".

ولأن الجائزة كانت غير حكومية، ومن جهات أهلية استنكرت في نفسها، ما كانت فعلته صحيفة "يولاندز بوسطن"، فقد قرّرت في النهاية قبول الجائزة، وانتهزت الفرصة في أربع مناسبات عامة تحدثت فيها من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أن أشرح أسباب الغضب في الشارع المسلم، وأهمية الموازنة بين قيمة الحرية التي يُقدسها الدنماركيون والقيم الدينية والروحية التي يعتزّ بها المسلمون.

وأثناء وجودي فى الدنمارك تواردت أخبار انتهاكات فادحة وفاضحة لحقوق الإنسان مجدداً في كل من مصر وسوريا. وكان مسرح الانتهاك في مصر هذه المرة، هو قرية، ربما لم يسمع بها أحد إلا أهلها وجيرانهم، وهي قرية ميت أبو حريز، مركز كفر صقر بمحافظة الشرقية.

فقد اختطفت أجهزة أمن الدولة أحد أبنائها، وهو مُدرس أزهري اسمه رضا عبد الرحمن، لأنه صاحب اجتهادات دينية يُفصح عنها كتابة، ويختلف معه فيها البعض من ذوي الصلة الوثيقة بالأجهزة الأمنية.

ورغم أن واقعة الاختطاف أو القبض عليه تمت من بيته، وأمام أهله وأبناء قريته، إلا أن من فعلوا ذلك رفضوا الإفصاح عن مكان احتجازه، أو توجيه أي تهم له، أو إحالته إلى القضاء، رغم عدة بلاغات قدمها محامون بالنيابة عنه.

وقد تصدى المركز المصري للدفاع عن الحريات الشخصية لقضية رضا عبد الرحمن من البداية. ولكن بعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع دون جدوى، بدأ المركز في نقل القضية إلى المحافل الدولية. وترددت أصداؤها في الدنمارك، ولندن، وجنيف، وواشنطن.

وتضاعفت الاهتمامات الحقوقية بها حينما تعرضت عدة سيدات وبنات من أقرباء رضا عبد الرحمن للضرب والتنكيل على أيدى رجال الأمن، حال توجههن إلى دار القضاء العالي ليطلبن من النائب العام معرفة مصير رضا عبد الرحمن. وهو ما وثّقته الصحفية ماجدة سالم وزميلها المصور ياسر عبدالله. وسرت إشاعات عن احتمال وفاة رضا عبد الرحمن تحت التعذيب. وهو ما لم ينفه أو يؤكده أي مسؤول مصري إلى تاريخه. أي أننا بصدد حالة مشابهة لحالتي الصحفي رضا هلال، والمُعارض الليبى منصور الكيخيا.

ولا يختلف الوضع كثيراً فى سوريا عنه في شقيقتيها مصر والسعودية. فقد لاحقتني في العواصم الأوروبية أيضاً حالة المهندس السوري على مصطفى الدالاتي بالسجن ستة أشهر بواسطة القاضي العسكرى بتهمة "النيل من هيبة الدولة، والانتساب إلى تنظيم محظور، هو: لجنة الحوار الوطني الديمقراطي"، في الزبداني، من أرياف دمشق.

وهكذا فإن المشترك بين انتهاكات حقوق الإنسان في البلدان الثلاثة هو قضايا الرأى والضمير. ولأنني الوجه العربي الوحيد في اللجنة الدولية السامية للاحتفال بالذكرى الستينية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنني أتوسل للحكومة العربية أن توقف التعذيب والسجن لأصحاب الرأى، وأن تُفرج عن المحبوس منهم، ولو لعدة شهور، ولو عملاً بالقول المأثور "إذا بُليتم فاستتروا".

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم".

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.