Untitled 1

 

2018/1/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :6/12/2008 2:02 PM

من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة

 

سعد الدين إبراهيم

تابع العالم كله بانزعاج المذبحة التى قام بها مجموعة من المتطرفين على امتداد ثلاثة أيام (26-29/11/2008)، بأهم مدينة تجارية في الهند، وهي مومباي (بمباي سابقاً)، واستهدفت نزلاء أفخم الفنادق السياحية، وأحد المعابد اليهودية، وذهب ضحيتها أكثر من مائة وستين قتيلاً، وأكثر من ثلاثمائة جريح.

وفي نفس الفترة شهد حي المطرية في العاصمة المصرية، القاهرة، مشهداً قبيحاً لمتشددين مسلمين يحرقون إحدى الكنائس، بعد صلاة الجمعة (29/11) وهم يرددون "الله أكبر... الله أكبر"، كما لو كانوا يخترقون خط بارليف أو يستعيدون القدس!

ورغم تباعد المسافة وتفاوت الأضرار والضحايا بين المشهدين، إلا أن المشترك بينهما هو الإرهاب والحرق والتدمير باسم الدين. وللأسف الشديد، فإن الدين الذي يسير خلفه الإرهابيون في المشهد الهندى، والمتشددون في المشهد المصري، هو الإسلام. وطالما ردد هذا الكاتب وغيره من المؤمنين أن "الإسلام" منهم براء... ولم يُسئ للإسلام خلال الثلاثين سنة الأخيرة إلا هؤلاء المحسوبون على الإسلام.

وكثير من هؤلاء يعودون إلى رشدهم، ويندمون، ويتوبون وينيبون، وبالطبع يُقلعون عن ممارسة العنف، وينصحون غيرهم بعدم السير في نفس الطريق المُهلك لهم ولغيرهم من الأبرياء.

وقد تجلى ذلك في مُراجعات الشيخ سيد إمام، مؤسس الجماعة الإسلامية، والتي نشرتها صحيفة المصري اليوم على حلقات خلال شهر نوفمبر 2008، واتهم فيها أيمن الظواهري - نائب أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة - بكل الموبقات، وقال فيه وعنه ما لم يقله مالك في الخمر!

رغم أنه لم تنته التحقيقات بعد في أحداث مومباي، إلا أن قرائن عديدة تٌفيد أن المُهاجمين جاؤوا من باكستان عن طريق البحر، وداهموا نقطة شرطة هندية، وقتلوا كل أفرادها، واستبدلوا بملابسهم أزياء من قتلوهم من الشرطة الهندية، وهو ما يسر لهم دخول الفنادق الكبرى بأسلحتهم، لكي ينفذوا مخططهم في الفتك بأكبر عدد من السُياح الغربيين، وخاصة الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين.

ولأن معظمهم قد قُتلوا في المواجهة التالية مع الكوماندوز الهنود، باستثناء إرهابي واحد، أمكن القبض عليه حياً، ويحمل الجنسية الباكستانية، فقد أصبح السند الرئيسي الذي أوصل معظم الخيوط إلى أطراف باكستانية.

فقد اعترف هذا المُهاجم (22 سنة) أنه ينتمي إلى تنظيم وهب حياة أفراده لتحرير إقليم "جامو كشمير"، المُتنازع عليه بين الهند وباكستان منذ تقسيم شبه القارة الهندية إلى هند وباكستان، عام 1947.

ورغم أن مُعظم سكان الإقليم من المسلمين، إلا أن قرار التقسيم الأول البريطاني، أعطى ثلثي الإقليم للهند، وثلثه لباكستان، وترك للأمم المتحدة مُهمة تسوية الوضع النهائي للإقليم.

وكانت هذه هي نفس الممارسة البريطانية في عدد من مستعمراتها قُبيل الرحيل. فهذا ما حدث أيضاً في فلسطين في نفس السنة، ثم بعد ذلك بعدة سنوات في قُبرص (بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك). ومثلما استمر الصراع في فلسطين طيلة الستين عاماً التالية لقرار التقسيم، فإنه مُستمر في كل من كشمير وقُبرص.

ولكن خطورة وضع كشمير تكمن في أن الدولتين المتنازعتين هُما قوى نووية. وقد خاضتا حربين سابقتين لم تُسفرا عن حسم النزاع، ولكن ذلك كان قبل أن تحوز الدولتان أسلحتهما النووية، منذ ربع قرن.

ويبدو أنه لإدراك خطورة أي اشتباك جديد في وجود أسلحة دمار شامل فإن قيادات البلدين جمدت الصراع حول كشمير إلى أجل مستقبلي غير معلوم. ولكن هذا القرار الضمني بتجميد الصراع لم يرق لأطراف دينية متشددة من مسلمي كشمير وباكستان على السواء، ومنها جبهة تحرير كشمير التي يرجّح أن معظم الضالعين في أحداث مومباي ينتمون إليها.

ولأن هذه الجبهة ليست من القوة بحيث تستطيع تحرير كشمير بقوة السلاح، فإنها تلجأ إلى تسخين الموقف بين الجارتين، النوويتين، على أمل تفجير حرب جديدة، يتدخل فيها المجتمع الدولي، ويُجرى الاستفتاء المؤجل في كشمير، لتقرير المصير، وهو ما كان أحد قرارات الأمم المتحدة قد دعا إليه.

هذا ويذهب كثير من المختصين في شؤون جنوب آسيا وشبه القارة الهندية، إلى أن جهاز المُخابرات الباكستاني، المعروف باسم أي- إس - أى (ISI) حاول تجنيد عناصر أفغانية من حركة طالبان ومعهم متشددون باكستانيون لخلق قلاقل ومشاكل للهند، كوسيلة ضغط للمساومة بها في مسألة كشمير.

وقد اتهمت دوائر أمريكية جهاز المخابرات الباكستاني بالمسؤولية عن تفجيرات في الهند وباكستان منذ عدة شهور. وقد حاول الرئيس الباكستاني السابق برويز مُشرّف، كما يحاول الرئيس الحالي عاصف زرداري، وضع هذا الجهاز تحت إشراف رئيس الجمهورية أو وزير الدفاع، ولكنهما فشلا إلى تاريخه.

وهو ما يوحي أن جهاز أي - إس – أي، قد تحول إلى "مركز قوة"، لا قبل لأي مسؤول باكستاني، حتى رئيس الجمهورية، السيطرة عليه. ولعل أقرب نموذج لذلك هو ما كان عليه جهاز المخابرات في مصر، حينما كان يُهيمن عليه "صلاح نصر".

فقد أقر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نفسه، وخاصة بعد هزيمة 1967، بأن ثمة مركزي قوى لم يستطع السيطرة عليهما، أحدهما كان حول المُشير عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المُسلحة، والثاني حول صلاح نصر وجهاز المُخابرات.

وعودة إلى باكستان، إن جهاز مخابراتها هو الذي يستخدم "الورقة الدينية" والمتشددين من الإسلاميين في إدارة الشأن العام الداخلي وعلاقات باكستان الإقليمية، وخاصة مع الجارة الكبرى، الهند، والجارة الصغرى، أفغانستان. ولكن دروس الماضي القريب، منذ حاول ذلك الرئيس أنور السادات.. عادة ما تُحرق هذه الورقة أصحابها قبل أعدائها. فإن الذين أردوا السادات قتيلاً، هم أنفسهم الإسلاميون الذين فتح لهم هو الباب على مصراعيه في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

وبمناسبة الحديث عن بوابة اللعب بالورقة الدينية، بداية بالرئيس الراحل أنور السادات، والتي هي أشبه بإخراج مارد من القمقم، يصعب بعد ذلك السيطرة عليه. فقد كان تسلسل الأحداث كما يلي:

1- الرئيس السادات يبحث عن أنصار للوقوف في وجه الناصريين واليسار، فيعلن أنه "الرئيس المؤمن"، ويُغير الدستور بإضافة مادة لم تكن موجودة في أي من الدساتير المصرية منذ 1866 إلى 1971، وهي "أن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع".

2- عام 1972 يشهد أول احتقان طائفي خلال القرن العشرين في بلده الخانكة قليوبية.

3- مجلس الشعب يكوّن لجنة لتقصي الحقائق حول أحداث الخانكة برئاسة وكيل المجلس وقتها، وهو القاضي الجليل د. جمال العطيفي، وتقدمت اللجنة بعشر توصيات لمجلس الشعب، حول قواعد جديدة لبناء دور العبادة، والمناهج المدرسية، والأوقاف القبطية، والإنصاف والتوازن في المجالس المحلية والتشريعية والمناصب القيادية.

4- ولكن باستثناء الأوقاف القبطية التي أعيدت إلى الكنيسة المرقسية، فإن التوصيات التسع الأخرى لم يُنفذ منها شيء، رغم مرور 36 سنة على تقرير العُطيفي.

5- ولعدم تنفيذ تلك التوصيات شهدت مصر خلال نفس العقود الأربعة التالية ما يزيد على ألف حادث طائفي من النوع الذي شهدته الخانكة عام 1972 وشهدته المطرية عام 2008.

إن أوجه شبه أخرى بين المشهد الهندي - الباكستاني في مومباي والمشهد المصري في المطرية، هي أن أجهزة أمنية عندنا كما في باكستان قد استحوذت على "الملف الديني"، وقامت بتسييسه واستغلاله، لمصلحة هذه الأجهزة، وإبقاء سيطرتها على المجتمع والدولة. ولكنها لعبة خطرة، لا يمكن دائماً ضبطها حسب إرادة وأهواء ومصالح القائمين على هذه الأجهزة. فلا بد من تحرير الدين والوطن من قبضة الأجهزة الأمنية في مصر وفي باكستان على السواء. فليعد الدين لله وليعد الوطن للجميع.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.