Untitled 1

 

2018/4/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :27/12/2008 1:52 PM

لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟

 

سعد الدين إبراهيم

أثار مقالنا عن الزيارة المُرتقبة لباراك أوباما لإحدى العواصم الإسلامية امتعاض واعتراض عدد من القرّاء المصريين، وبينهم أصدقاء أعزّاء من الدبلوماسيين والعسكريين السابقين والأكاديميين ورجال الأعمال، والذين تصادف مُشاركتهم معي في أحد المؤتمرات الدولية في عاصمة أوروبية.

وكان نفس المقال قد ظهر في نفس اليوم السبت 20/12/2008 في كل من "المصرى اليوم" القاهرية، والـ"واشنطون بوست" الأمريكية.

وكان الاعتراض أو الامتعاض لدى بعضهم هو لا بسبب مُحتوى المقال. ولكنه كان لدى الجميع بسبب نشره باللغة الإنجليزية في الـ"واشنطن بوست". ولأن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا التحفظ على ما أنشره خارج مصر والوطن العربي بلغة أجنبية، فإنني رأيت إشراك قُرائي في الجدل والحوار حول هذا الموضوع، أي جواز التعبير عن الرأي، بأي لغة، وفي أي مكان.

وبداية، نذكّر القرّاء بمحتوى المقال الذي أثار هذه الزوبعة. بدأ المقال بإشارة إلى رغبة الرئيس الأمريكي المُنتخب باراك أوباما، في زيارة عاصمة أحد البُلدان ذات الأغلبية المُسلمة، ليوجّه منها خطاباً للمُسلمين في العالم، خلال المائة يوم الأولى من بداية رئاسته، يوم 20/1/2009.

وطلبت مني ثلاث جهات على صلة وثيقة بالرئيس الجديد أن أقدم توصياتي بشأن أجندته العالمية إجمالاً، والعالم الإسلامي والشرق الأوسط خصوصاً. وكانت أولى هذه الجهات هو الرئيس الأسبق جيمى كارتر، في أطلانطا (1-3/12/2008)، والذي يجمعه بالرئيس المُنتخب انتماؤهما لنفس الحزب.

أما ثانية هذه الجهات فهي معهد بروكينجز بواشنطن (12/12/2008)، وحيث كانت تعمل د. سوزان رايس، والتي ينوى باراك أوباما تعيينها، مندوبة له وللولايات المتحدة في هيئة الأمم المتحدة. ثم كانت ثالثة هذه الجهات هي أحد فرق العمل المُشتركة من جامعات استانفورد وكاليفورنيا وبرنستون (13-15/12/2008).

وجاء مقالي، المُشار إليه أعلاه، بعد خمسة أيام من آخر اجتماعاتي مع هذه الأطراف الثلاثة، والتي أدليت فيها بدلوي شفوياً وكتابياً. وقد لخّصت في المقال رأيي فى واحدة فقط من المسائل التي طُلب الرأي فيها وهي ترشيح العاصمة أو المدينة الإسلامية التي يبدأ بها باراك أوباما، ومُبررات هذا الترشيح.

ورغم أن القاهرة كانت ضمن القائمة، إلا أنني رشّحت جاكرتا، ثم إسطنبول، أولاً وثانياً، ثم القاهرة ثالثاً. وقد ذكرت مُبررات الترشيح بهذا الترتيب في المقال. وهي، أولاً، أن تكون تلك العاصمة أو المدينة في بلد إسلامي رئيسي يكون نظام الحُكم فيه ديمقراطياً. وقد انطبق الشرطان على إندونيسيا وتركيا، فرشّحت جاكرتا وإسطنبول.

فإندونيسيا عادت إلى الديمقراطية منذ أكثر من عشرة أعوام، بعد ثلاثين عاماً من نظام الحُكم التسلطي للجنرال سوهارتو، وشهدت منذ ذلك الوقت ثلاثة انتخابات رئاسية تعددية، في ظل مُراقبة دولية.

وتشهد التقارير السنوية لـ"بيت الحرية" أن إندونيسيا بلد ديمقراطي. هذا فضلاً عن أنها أكبر البُلدان الإسلامية سُكاناً، حيث يصل عدد السُكان فيها إلى ما يقرب من مائتى مليون.

وأخيراً، قلت في تفضيل جاكرتا، إنها المدينة التي قضى فيها باراك أوباما طفولته، حيث عاش في بيت زوج أمه الثاني، الذي كان مُسلماً إندونيسياً، بينما كانت هي تعمل في مكتب مؤسسة فورد بجاكرتا. وبالتالي فإن زيارته إلى المدينة ستكون بمثابة عودة ابن عائد إلى مرابع الطفولة والصبا، وحيث كان قد ترك أصدقاء عديدين.

أما في تفضيل اسطنبول، فهي أكبر مُدن تركيا، والعاصمة التاريخية للخلافة الإسلامية في ظل سلاطين آل عُثمان، وعادت إليها الديمقراطية منذ عام 1945، بعد حُكم نظام مصطفى كمال أتاتورك، الذي استمر نظام حزب واحد لحوالي رُبع قرن.

ورغم عودة الجيش والحُكم العسكري ثلاث مرات، إلا أن مُعظم العقود الستة، كانت الحكومات فيها ديمقراطية مُنتخبة، فى ظل مُراقبة دولية، ويُصنّف "بيت الحرية" تركيا ضمن بُلدان العالم الديمقراطية. ثم إن تركيا، تمتد بين قارتي آسيا وأوروبا.

وفي هذا فهي جسر بين الشرق والغرب، وتضم أراضيها مضيقي البسفور والدردنيل، اللذين يربطان البحر الأسود شمالاً بالبحر الأبيض المتوسط جنوباً، ويحكمها في الوقت الحاضر حزب العدالة والتنمية، ذو المرجعية الإسلامية، ولكنه يحترم تماماً مبدأ الفصل بين الدين والدولة، ويسعى لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي ذلك كله فإن تركيا، مثلها مثل إندونيسيا، نموذج حي لدحض المقولة الزائفة عن تعارض الإسلام والديمقراطية. ثم إن البلدين بتوجّههما الحداثي، وعضويتهما في منظمات إقليمية تضم بُلداناً وحكومات غربية، فإنهما يدحضان مقولة صاموئيل هانتجتون عن "صدام الحضارات".

وقلنا إنه بهذا المعنى يستحق البلدان (إندونيسيا وتركيا) أن يُشرّفهما الرئيس الأمريكي المحبوب عالمياً، باراك أوباما، ويستحقان أن ينوّه بهما كقدوتين لبقية البُلدان الإسلامية، لكي تُبادر وتُسارع في التحول إلى الديمقراطية.

ورغم جاذبية مُدن إسلامية أخرى لأسباب تاريخية واستراتيجية، مثل القاهرة، أو لاعتبارات روحية مثل مكة والمدينة والقدس والنجف، إلا أنها تقع في بُلدان ذات أنظمة غير ديمقراطية. ومن شأن اختيار أوباما لها لأول زيارة، سيُعتبر كما لو كان دعماً لأنظمتها الاستبدادية. وأسوأ من ذلك ربما يُعتبر كما لو كان مُباركة لمُخططات التوريث فى بعضها.

ولأن إحدى جلسات المؤتمر المذكور كانت مُخصصة لبلورة توصيات للرئيس الأمريكي المُنتخب، وكُنت أحد المُتحدثين في الجلسة، وعبّرت عن نفس الرأي المذكور أعلاه، وتزامن ذلك مع ظهور المقال في "المصري اليوم" تحت عنوان "جاكرتا وإسطنبول الآن.. والقاهرة ودمشق غداً"، وظهر في الـ"واشنطون بوست"، تحت عنوان "أوباما يمد يده إلى المُسلمين"، فقد عاتبني أصدقائي المصريون على تزكية مُدن أخرى على القاهرة.

من ذلك ما قاله أحد السُفراء السابقين: "كيف تُطاوعك نفسك على تفضيل أى مدينة أخرى على القاهرة، مقر الأزهر، منارة الإسلام والمُسلمين". سألته إذا كان الأمر مسألة منارات دينية، فليذهب الرجل إلى المنابع الروحية للإسلام، مثل مكة أو المدينة؟ سكت السفير لبرهة، ثم عاد ليقول "ولكن مصر.. هي مصر.. أم الدنيا".

وعاتبني لواء سابق، من أبطال حرب أكتوبر "لماذا هكذا يا دكتور كلما أتيحت لك فُرصة فإنك تكتب أو تقول ما يستفزّ النظام في مصر؟". قلت "يا سيادة اللواء.. إن مقالي ليس عن مصر، أو النظام في مصر، ولكنه عن أوباما والمُسلمين".

قال العسكري المُحنك "أنت لا بد أن تُدرك أن أصحاب السوء سيصوّرون المقال كما لو كان هجوماً آخر عليه.. حيث إنهم يعتبرون مصر تعيش أحلى أيام الديمقراطية".

وقال رجل أعمال آخر، "يا أخى حتى إذا لم يكن نظام الحُكم فى مصر ديمقراطياً.. أليس مٌفيداً أن يأتي أوباما إلى مصر.. ويُطالب بذلك في القاهرة، فلعل وعسى أن يستجيب النظام.. ومن باب إكرام الضيف ربما يُفرج عن أيمن نور، ويُلغى حالة الطوارئ..

ويذبح عدة عجول يوزّع لحومها على الفقراء". قلت لرجل الأعمال: "لو كان صحيحاً أن النظام يستجيب لمطالبة مسؤولين أمريكيين، لكان قد استجاب حينما طلبت كوندوليزا رايس بذات السبب من على منبر الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2005".

وتطوع مُحام دولي مشهور بوصلة نفاق، زايد بها على كل الحاضرين. فقال إنه أثناء غيابي خارج الديار في السنتين الأخيرتين، بدأ المصريون يُدركون قيمة النظام أكثر من أي وقت مضى، وهم الآن يُطالبون باستمراره مدى الدهر.. وسيتأكد أوباما من ذلك بنفسه لو جاء إلى القاهرة.. فلماذا تنكر على أوباما هذه الفرصة بدعوتك المُخزية أن يبدأ الرجل بجاكرتا وإسطنبول!؟".

وللأمانة من كل المصريين الذين عبّروا عن رأيهم فيما كتبته في "المصرى اليوم" والـ"واشنطون بوست"، قال سفير آخر مُخضرم: إننا جميعاً نتفق معك في تقييمك لغياب الديمقراطية في مصر. ولكن وجه الاعتراض هو أن تكتب عن ذلك في صحيفة خارجية، فلو اكتفيت بـ"المصرى اليوم"، لما اعترض أحد منا.. أما أن تنشر غسيلنا على الملأ، فهنا وجه الاعتراض.

في نهاية الأيام الأربعة مع هذه النُخبة من المصريين التي جاءت لحضور المؤتمر، أيقنت أن مصر ما زالت على حالها، بخيرها وشرّها... حتى لو تغير كل العالم من حولها... فلا حول ولا قوة إلا بالله.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.