Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :24/1/2009 4:16 PM

غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح

 

سعد الدين إبراهيم

قمة الجبل هي "أعلى" نقطة فيه، وسفح الجبل هو قاع أو "أدنى" نقطة فيه. وكثيراً ما تُستخدم كلمة "القمة" وجمعها قمم، مجازاً لوصف اجتماعات الرؤساء والزُعماء. ولكن نادراً ما تُستخدم كلمة "سفح"، وجمعها "سفوح" لوصف ما يحدث في قاع المجتمع، أو القواعد الشعبية. و"الفضائيات"، هي إشارة للقنوات التليفزيونية، التي يُشاهدها الناس عبر الحدود القُطرية، أي التي لا تخضع لسيطرة أو هيمنة الحكومات في مُختلف الأقطار.

وخلال "حرب الأسابيع الثلاثة" على غزة، كانت دراما المشهد الإقليمي تتجلى بالصوت والصورة على العديد من القنوات التليفزيونية للفضائيات العربية والأجنبية. وكانت عناصر هذه الدراما، كما يلي:

1- إسرائيل تُشدّد حصارها على مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، وتدك مُقاتلي حركة حماس، التي تُسيطر على القطاع منذ انتخابها، في فبراير 2006، وتستخدم في ذلك أحدث ما تُنتجه مصانع السلاح الأمريكية، وأكثرها فتكاً ودماراً.

2- مُقاتلو حماس يُقاومون الهجوم الإسرائيلي ببسالة مُنقطعة النظير، ويستخدمون في ذلك أسلحة خفيفة ومتوسطة، وصواريخ قصيرة المدى (أقل من خمسين كيلو متراً)، بعضها تم تصنيعه داخل قطاع غزة، ومُعظمه تم تهريبه من مصر وإيران، عن طريق سلسلة مُعقدة من "الأنفاق".

3- شعب غزة من كل الأعمار يتعرض لغارات إسرائيلية مُكثفة من الجو، وقذف بالمدافع من زوارق البحرية الإسرائيلية، التي اشتركت في الحصار والحرب من البحر. ويفقدون، أكثر من ألف وثلاثمائة قتيل وأكثر من خمسة آلاف جريح، خلال الحرب.

4- الشعوب العربية، عند القاع، تتعاطف مع حماس، وتغضب. وتُعبّر عن هذا التعاطف والغضب، بالمُظاهرات، والتبرعات من أقصى الشرق إلى أدنى الغرب. وشاركهم في ذلك الجزء الأكبر من الرأى العام في البُلدان الإسلامية والأوروبية. والشاهد أن جُزءاً من الغضب الشعبي العربي كان موجهاً إلى أنظمتهم الحاكمة، بقدر ما كان موجهاً ضد إسرائيل والولايات المتحدة.

والشاهد التاريخي أيضاً إلى ذلك هو أنه بقدر ما تُحدث إسرائيل من نكبات ومحارق للشعب الفلسطيني، بقدر ما تُحدث المسألة الفسلطينية عموماً من حركة سياسية في الشارع العربى خارج فلسطين، وبقدر ما تهز الأنظمة العربية الحاكمة، وهو ما ينقلنا إلى العنصر الخامس في هذه الدراما.

5- القمم العربية. النظام العربي الرسمي هو مُجمل العلاقات والتفاعلات بين الدول والمؤسسات العربية الحكومية وغير الحكومية. ومن أهم مظاهر هذا النظام العربي الرسمي جامعة الدول العربية، التي تأسست عام 1945، بعد أن نالت سبعة بُلدان منها استقلالها. وقد وصل عدد أعضائها خلال نصف القرن التالي إلى 22 دولة.

وأعلى مُستوى لهذا النظام العربي الرسمي هو مُستوى الملوك والأمراء ورؤساء الدول الأعضاء. وحينما يجتمعون على هذا المُستوى يُسمى اجتماعهم مجازاً باجتماع "القمة". ولم يحدث خلال الستين عاماً الماضية أن وصل عدد اجتماعات القمة إلى ما وصل إليه في عام واحد، بل في شهر واحد، بل في أسبوع واحد مثلما حدث هذه المرة بسبب حرب غزة.

فقد عُقدت ثلاثة مؤتمرات قمة عربية: أحدها في الرياض لدول مجلس التعاون الخليجي (14- 15 يناير)، والثانية في الدوحة لدول عربية خليجية وغير خليجية، بل غير عربية، مثل إيران وتركيا. (16 – 17 يناير)، والثالثة في الكويت (19 - 20 يناير).

وكانت الحرب في غزة هي الموضوع الرئيسي لهذه القمم الثلاث وما كان لذلك أن يحدث لولا مركزية المسألة الفلسطينية من ناحية، وضراوة العدوان الإسرائيلي من ناحية ثانية، وصمود مُقاتلي حماس من ناحية ثالثة، ومُظاهرات الشارع العربي من ناحية رابعة.

ولم ينعقد هذا العدد غير المسبوق من القمم العربية خلال أي حرب سابقة في تاريخ الصراع الإسرائيلي (1948-2009). هذا فضلاً عن قمة رابعة دعا إليها الرئيس المصري حسني مُبارك في شرم الشيخ، وكانت أساساً قمة مصرية أوروبية، حيث شارك فيها رؤساء جمهوريات ورؤساء وزراء من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وتشيكيا، (17 - 18 يناير) وركّزت على المُطالبة بوقف إطلاق النار، وإعمار غزة، والمُساهمة في قوات دولية تتمركز داخل القطاع للمُساهمة في تثبيت وقف إطلاق النار.

6- الفضائيات العربية. ما كان لحرب غزة أن تُثير ما أثارته من تفاعلات عربية وعالمية، على مُستوى القمم وعلى مُستوى السفوح إلا بسبب لاعب جديد على المسرح، وهو الفضائيات الإعلامية، التي نقلت بشكل غير مسبوق دراما ما يحدث في غزة، يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة. وقد كانت قناة الجزيرة في المُقدمة، حيث استمرت تغطيتها لوقائع تلك الحرب مُستمرة منذ الدقيقة الأولى لإطلاق النار إلى تاريخه.

وهي التي أجبرت الفضائيات العربية والعالمية الأخرى على مواكبتها. وتلتها في ذلك قناة العربية، والـ (CNN)، و(BBC). وأسهمت هذه التغطية الإعلامية الكثيفة، لا فقط في تعريف مُشاهديها بما يحدث فى غزة وتداعياته، ولكنها أسهمت أيضاً، ربما بشكل غير مقصود أو محسوب، في إثارة قطاعات كبيرة من الرأى العام العربي والعالمي ودفعتها للتظاهر والاحتجاج، وبالتالي دفعت الحكومات والمؤسسات العربية والدولية للحركة.

والشاهد هنا أيضاً هو أن الإعلام أصبح أحد الفواعل المُستقلة في التفاعلات السياسية والإنسانية على كل المُستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية.

7- تنامي دور المُحيط وتناقص دور المركز. يرتبط بالعنصر السادس، أعلاه، أن خريطة التفاعلات العربية بدأت تشهد تغيراً في موازين التأثير والقيادة. فلم تعد القاهرة مثلاً هي مركز الحركة الرئيسي في النظام العربي، ولا دمشق. ولكن دخل الخليج كمُنافس لهما. فليس صُدفة أن القمم العربية الثلاث حول حرب غزة تمت في عواصم خليجية (الرياض، الدوحة، الكويت).

وحينما حاولت مصر أن تلحق بمُبادرات القمم، فإنها فعلت ذلك في شرم الشيخ لقيادات أوروبية أساساً، ولم يحضرها من العرب إلا ملك الأردن (عبد الله الثاني) ورئيس السُلطة الفلسطينية (محمود عباس). وهو دليل على حيوية أقطار في المُحيط الخارجي أو هوامش الوطن العربي الكبير، وتناقص حيوية المركز. ويرتبط بذلك، أن مقار الفضائيات العربية هي أيضاً في الخليج وليس في القاهرة أو دمشق أو بيروت.

لقد كانت المسألة الفلسطينية دائماً مصدراً رئيسياً في التفاعلات العربية، بما في ذلك تغيير الأنظمة الحاكمة. ولم يكن صُدفة أن أحد أسباب ثورة يوليو 1952 هو الهزيمة في فلسطين، وهي التي أودت بالنظام الملكي. وحدث شىء مُشابه في سوريا من قبل وفي العراق واليمن والسودان وليبيا من بعد.

كما لم يكن صُدفة أن الرحيل المُبكر لعبد الناصر كان بسبب هزيمة 1967، التي قال عنها أحد كبار رفاقه إنه مات بسببها فعلياً، رغم أن وفاته الإكلينيكية (1970) تأخرت ثلاث سنوات.

كذلك قال من اغتالوا الرئيس أنور السادات (1981) إن أحد دوافعهم كان توقيعه مُعاهدة سلام مع إسرائيل. والشاهد أن المسألة الفلسطينية ما زال لها تأثير وجداني هائل في الشارع العربي، عند السفوح. وكانت الحركة عند السفوح، بسبب حرب غزة، هي التي حرّكت القمم العربية. فهل ستهتز، ثم يسقط بعض هذه القمم قريباً؟

اللهم فافعل، آمين.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.