Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :31/1/2009 6:33 PM

أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟

 

سعد الدين إبراهيم

تم تنصيب باراك حسين أوباما رسمياً رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، يوم الثلاثاء، العشرين من يناير، عام 2009. وكان يوماً مشهوداً في التاريخ الأمريكي والعالمي. ولأن المُناسبة كانت فريدة، فقد تلقاها العالم كله، بما تستحقه من حفاوة واهتمام.

وطبقاً لكل مراكز وهيئات رصد واستقصاء الرأي العام، التي تابعت الحدث، فإننا عرفنا ما يلي:
1- أن عدد من شاهدوا احتفال تنصيب أوباما علي شاشات التليفزيون مُباشرة، أي وقت حدوثه، قد حطّم الرقم القياسي السابق، وهو جنازة الأميرة ديانا، زوجة/ أو مُطلقة الأمير تشارلز، ولي العهد البريطاني، التي كانت قد لقيت حتفها مع عشيقها المصري محمود الفايد في حادث سيارة مُروّع، بأحد أنفاق الطرُق السريعة في باريس.

ويُقال إن عدد مُشاهدي موكبها الجنائزي، قبل أربعة عشر عاماً (1997)، كان قد تجاوز نصف مليار. وفي حالة الموكب الرئاسي لأوباما وصل العدد المُباشر إلى مليار، ثم أضيف ملياران آخران خلال الاثنتي عشرة ساعة التالية، شاهدوا إعادة بث الموكب، في أوقات تالية حول العالم بسبب فروق التوقيت.

2- أما علي المسرح الأمريكي الداخلي، فإن حفل تنصيب أوباما رئيساً، قد كان الأضخم والأروع في تاريخ الولايات المتحدة كله، والذي تجاوز مائتين وثلاثين عاماً. فأوباما هو الرئيس رقم 44.

ولم يسبق أن شارك هذا العدد الضخم الذي تجاوز مليونين، في حفل تنصيب أي من الثلاثة والأربعين رئيساً الذين سبقوه. ورغم أن منهج تقدير حجم الجماهير في الميادين العامة، هو منهج حديث نسبياً، كان لا بد أن ينتظر "التصوير الجوي" (Aerial Photography)، وتم استخدامه أول مرة في حفل تنصيب "جون كيندي"، في 20 يناير 1961 ، وقُدر الجمهور وقتها بنصف مليون.

وكان رقماً قياسياً في حينه. أي أن الرقم الذي سجله باراك أوباما، تجاوزه أربع مرات. وهناك بالطبع أوجه شبه عديدة بين كيندي، الرئيس رقم 35. فكل منهما ينتمي إلى أقلية عرقية دينية. فقد كان كيندي كاثوليكياً أيرلندياً. وهو أول شخصية عامة بهذه الخلفية يُنتخب رئيساً.

وهي لم تتكرر لكاثوليكي آخر طوال التسع والأربعين سنة التالية. وأوباما هو أول أمريكي أسود من أصول أفريقية مُسلمة يتم انتخابه في التاريخ الأمريكي. ووجه الشبه الثاني أن كليهما في مُنتصف الأربعينيات من العُمر. فقد كان جون كيندي، 44 عاماً، أصغر رئيس أمريكي إلى تاريخه. وها هو باراك أوباما، 46 عاماً، فيكون ثاني أصغر رئيس أمريكي إلى تاريخه.

أما وجه الشبه الثالث، فهو أنهما ينتميان إلى الحزب الديمقراطي، الذي يجتذب أبناء الأقليات الدينية والعرقية، ولذلك يُسمي أحياناً حزب "قوس قزحط (Rainbow Party) نتيجة تعدد ألوان أعضائه من الأبيض إلى الأصفر إلى البني إلى الأسود. أما وجه الشبه الرابع، فهو أن كلاً منهما يدخل "البيت الأبيض"، مقر سكن وعمل الرئيس الأمريكي، وهو معه أطفال صغار. فقد كان جون وجاكلين كيندي لديهما طفلان هما كارولين وجون، دون السابعة.

وها هو باراك يدخل البيت الأبيض ومعه طفلاه دون السابعة، ميليه وساشاسا. ويُغيّر وجود الأطفال أجواء البيت الأبيض، حيث يُخفقون من وقاره ورسميته. والأمريكيون عموماً، هم شعب مُحب للأطفال، ويحتفي بهم كثيراً، ويُنفق عليهم بغير حساب، ويخلق لهم مُدنا خيالية للترويح عنهم، مثل "أرض ديزني" (Disneyland) في كاليفورنيا، و"عالم ديزني" (Disneyworld) في ولاية فلوريدا. وقد أصبحتا قبلتين لأطفال أمريكا والعالم.

ولأن الكبار يصطحبون أطفالهم إليهما، فإنها تكون عادة فرصة للآباء أيضاً لمُتعة لم يُخبرها مُعظمهم في طفولته. كما أن "والت ديزني" مُبتكر الفكرة قبل نصف قرن، كان هو نفسه مُبتكر أفلام الصور المُتحركة، وشخصياتها الجذّابة، وأهمها "ميكي ماوس".

كما أن شركته، بعد وفاته، استمرت وتوسعت في إنتاج الأفلام الترويحية والتعليمية للأطفال، بما في ذلك تحويل الأساطير المُحببة إلى أفلام مثل سندريلا، وصاحبة الرداء الأحمر، وبيضاء الثلج والأقزام السبعة، والملك الأسد، وغيرها.

3- ولأن المشهد كان غير مسبوق، والجماهير غفيرة، تمتد إلى ميلين من مبني الكونجرس، المعروف باسم "كابتول هيل" (Capital Hill) المُطل على معلم واشنطن التذكاري، الذي شُيّد علي هيئة "مسلة مصرية" قديمة (ولكنها شاهقة الارتفاع)، وعبر نهر البوتوموك الذي يفصل واشنطن العاصمة عن مدينة أرلنجتون بولاية فرجينيا.. وهو فضاء مفتوح، يُماثل المساحة من ميدان التحرير بالقاهرة، عبر فرع النيل الأكبر، إلى الجزيرة بكل أنديتها، ثم عبر فرع النيل الأصغر إلى ميدان الجلاء بالجيزة.

فقد قال أشهر مُخرجي هوليوود ستيفن سبيلبرج إنه بكل خياله السينمائي لم يكن يستطيع إنتاج أو تنفيذ مشهد مثله (الفاينانشيال تايمز 21/1/2009) وحينما كانت هذه الجماهير المليونية تهتف (أوباما... أوباما... أوباما) كانت حدّتها أقوى من رعد الطبيعة.

وقال سبيلبرج إنه كثيراً ما كان يُحاول أن يتخيل "يوم الحشر"، كما صوّرته الكتب السماوية، وإنه الآن يراه أمامه لأول مرة في حياته. ولعل جلال وروعة وهدير الجماهير، هي التي عاقت سماع باراك أوباما لكلمات القَسَم الرئاسي الذي كان عليه أن يُردده خلف "جون روبرتس"، كبير قضاة المحكمة الدستورية العُليا، فطلب منه أن يُعيد كلمات اليمين.

وقد صمد المليونا إنسان لعدة ساعات في تلك الساحة الكُبري، في برد قارس، وصلت الحرارة فيه إلى عدة درجات تحت الصفر. ويبدو أن مشاعر الفرح والبهجة بالحديث، والزحام، أنست الناس قرس البرد. وحتى بعد أن انتهت مراسم حلف اليمين وخطاب الرئيس الجديد، لم يُفارق الجماهير الساحة إلا بعد أن رأوا الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وقرينته لورا يصعدان سلم الطائرة التي استقلاها، عائدين بها إلى بلده بولايته الأصلية تكساس.
 
وكان مشهد طائرة الرئيس السابق بوش وهي تجلو، تاركة واشنطن، ويلوّح الرئيس اللاحق أوباما، وهو يلوّح له متودّعاً، تكثيفًا لجوهر النظام السياسي الأمريكي، الذي أصبح يعمل كالساعة السويسرية، بدقة وسلاسة. فكل طفل أمريكي وكل إنسان في العالم يهتم بالشأن الأمريكي، يعرف أنه في يوم الثلاثاء الأول من شهر نوفمبر.

كل أربع سنوات، سيُنتخب رئيس أمريكي جديد، وأن هذا الرئيس سيحلف اليمين، ويتسلم مقاليد السُلطة من سلفه، بما في ذلك الملف السري لإطلاق الصواريخ وقاذفات الأسلحة النووية. وهكذا تُجدد أمريكا نفسها، وتُصحح أخطاءها، وتُكفّر عن خطاياها دورياً. فحتى إذا خدع مُرشح هنا أو هناك أغلبية الشعب الأمريكي، فإن أقصي تداعيات هذه الخديعة ستنتهي في مُدة أقصاها ثماني سنوات، وليس ثمانية وعشرين عاماً!

أما ما أكده أوباما في خطابه الرئاسي فهو ما يلي:
1- داخلياً: العودة للقيم والمُثل التي بني عليها الآباء المؤسسون النظام السياسي الأمريكي، وأهمها حكومة من الشعب، وإلى الشعب، وبالشعب. واقتصاد حُر يعتمد على آليات السوق، ولكن في ظل رقابة حكومية صارمة، وضرائب عادلة، تضع حداً للجشع والأنانية.

2- سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، لابد أن تبدأ بالأمريكيين أنفسهم، قبل أن يعظوا الآخرين. ومن هنا تجريم الحبس التحفظي إلا بأوامر القضاء، والمنع البات للتعذيب تحت أي مُسمي، ولأي سبب. ولإثبات أنه يعني ما يقول، ترجم أوباما كل ذلك بأوامر رئاسية، ومنها تصفية مُعسكر الاعتقال في قاعدة "جوانتانامو" الأمريكية (المُستأجرة من كوبا).

3- لم يُغازل أوباما مشاعر الجماهير، وإنما صارحها بما يواجه بلاده من تحديات ومُشكلات هائلة. وصارحهم بأن القوة وحدها لا تستطيع حمايتهم، كما أن قوة أمريكا الهائلة لا ينبغي أن تكون رُخصة تجعلهم يفعلون ما يحلو لهم.

وبهذا يضع الرئيس الجديد حدوداً وقيوداً على استخدام القوة العسكرية الأمريكية. فإذا صدق، فإنه بذلك ينهي اختيارياً غطرسة القوة، التي وصلت أبشع صورها مع الرئيس بوش.

4- وخاطب أوباما العالم الإسلامي: لا بد أن تقوم أمريكا بدورها من أجل إشاعة السلام في العالم، وسنسعي إلى المُضي إلى الأمام مع العالم الإسلامي بأسلوب من الاحترام المتبادل والمصالح المُشتركة.

5- حتى بالنسبة للطُغاة في العالم، وجّه أوباما رسالة واضحة يُعطيهم فيها فرصة للإصلاح، حيث قال إنهم لو رفعوا القيود وأرخوا قبضتهم على شعوبهم فإنه - مع بلاده - سيمد إليهم يديه لبدء صفحة جديدة.

أظن أن طُغاة بلادنا العربية هم المقصودون، أكثر من أي منطقة أخرى في العالم بهذه الرسالة، فعساهم يسمعون.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"  

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.