Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :8/2/2009 8:25 AM

إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه

 

سعد الدين إبراهيم

خصّ الرئيس الأمريكى الجديد، باراك حسين أوباما، المسلمين والعرب بالحديث مرتين في أسبوع واحد، في بداية عهده بالسُلطة، في أقوى وأغنى دولة في التاريخ.

كانت المرة الأولى في خطاب تنصيبه (20/1/2009)، وهو ما تحدثنا عنه في مقال سابق (31/1/2009)، حيث توجّه للعالم الإسلامي، مُناشداً البدء بصفحة جديدة من الاحترام والتعاون المُتبادلين. والمرة الثانية في حديث له مع قناة العربية الفضائية في مُقابلة مع الصحفى اللامع هشام مُلحم في البيت الأبيض (28/1/2009)، والتي هي موضوع هذا المقال.

وجدير بالتنويه أن هذه سابقة، في تاريخ العلاقات العربية الأمريكية. فلم يُخاطب أي رئيس أمريكى المسلمين مُباشرة، ولا بهذا التكرار في حيّز زمني قصير. كما لم يُخاطب أوباما أي منطقة جُغرافية، أو كتلة إنسانية حضارية أخرى، مثلما فعل مع العرب والمسلمين. من ذلك أنه لم يتوجه بخطاب خاص "للأفارقة"، أو "الآسيويين"، أو أمريكا اللاتينية، أو حتى للأقطاب الأخرى في العالم مثل روسيا، أو الصين، أواليابان، أو الاتحاد الأوروبى. كما أنه توجه للشعوب مباشرة، وليس للحكّام.

هذا معناه أن هناك فرصة تاريخية حقيقية للتعامل مع مُشكلات منطقتنا بجدية و"إنصاف"، وهو ما لم يحدث منذ رئاسة جيمي كارتر (1977ـ1981). الإنصاف في هذا السياق يعني "العدالة النسبية"، وليس "العدالة المُطلقة". فلا أوباما، ولا أبو أوباما سيُعيد "فلسطين عربية من البحر إلى النهر"، ولا سيحرر لنا كل القدس، أو يستعيد لنا الأندلس. ولكنه سيتعاطف مع مطالبنا "المشروعة"، التي تستند إلى الواقعية والشرعية الدولية.

نقول هذا، لأن لدينا في مصر قولًا شعبيا مأثورا، منطوقه "إذا كان حبيبك (أو صديقك) عسل، ما تلحسوش كُله". ومعناه، ألا يُبالغ الإنسان في الاندفاع نحو من يُحب، أو يُسرف في توقعاته منه. فقد يؤدي ذلك إلى النفور أو الاختناق. وهو نفس المعنى الذي يُعبّر عنه قول مأثور آخر، هو "من الحب ما قتل"!

فماذا قال أوباما في مُقابلته مع قناة العربية مع هشام مُلحم ويستحق التأمل والمُبادرة المتبادلة منا كعرب ومسلمين؟.

بداية، أعاد أوباما تأكيد ما كان قد قاله في خطاب تنصيبه، من أن الأمريكيين لا يُضمرون عداوة للمسلمين، وأنه يريد بدء صفحة جديدة من الاحترام والتعاون المتبادل. ولكنه ذهب أبعد من ذلك في مُقابلته مع قناة العربية، وهو تهيّؤه لأن يقوم بدور المُفسّر للأمريكيين (وهم شعبه)، أن المسلمين "ليسوا إرهابيين"، وأن الذين ينطبق عليهم هذا الوصف، هم قلة ضئيلة للغاية. فإنه بنفس الروح يتوجّه إلى العالم الإسلامى برسالة فحواها أن الأمريكيين لا يكرهون المسلمين.

إن هذا العرض من الرئيس الأمريكي يعنى بصراحة أنه سيقوم بما أخفق فيه العرب والمسلمون، إلى تاريخه، في تبليغ رسالتهم، وتنقية سيرتهم، وترميم صورتهم أمام الرأي العام الأمريكي. من ذلك إحدى رسائله إلى شعبه "أن العالم الإسلامي زاخر بالشخصيات المُتميزة"، وأنها لخسارة كبيرة ألا يتعامل الأمريكيون معهم.

كذلك كان أوباما واضحاً في ترحيبه بمُبادرة الملك عبد الله، العاهل السعودي، للسلام مع إسرائيل. وهي المُبادرة التي أقرّتها القمة العربية في بيروت منذ خمس سنوات، وتجاهلتها إسرائيل وإدارة جورج بوش.

وفي نفس الوقت، كان أوباما واضحاً أيضاً في "أن الولايات المتحدة حليفة لإسرائيل، وأنها ستظل كذلك خلال إدارته. وأنه يُدرك تماماً أن هناك قوى عديدة مُحبة للسلام في إسرائيل، وأنه ينوي التفاعل معها، كما مع القوى المُماثلة على الجانب العربى...".

كذلك أدرك أوباما، وذكر ذلك صراحة أن "الصراع الفلسطيني الإسرائيلى لا يمكن التعامل معه دون أخذ أطراف شرق أوسطية أخرى في الحُسبان في مقدمتها سورية ولبنان والأردن ومصر بل حتى العراق وأفغانستان وباكستان وإيران. وبالتالي، فلا بد من نظرة شاملة لكل مشكلات المنطقة، والتي تتداخل مع بعضها البعض".

ولم يفت أوباما أن توقعات الناس منه كثيرة ومُلحة. لذلك فقد كرر أكثر من مرة، أنه مع نيته الصادقة في البدء مُبكراً مع قضايا الشرق الأوسط، وليس كما فعل سابقاه، اللذان انتظرا إلى العام الأخير من إدارتهما، إلا أنه لا يعد بنتائج سريعة. فهو لا يملك عصا سحرية.

وكان أوباما قد تحدث بخطاب ولهجة مماثلتين فيما يتعلق بمُشكلات أمريكا الداخلية، وفي مُقدمتها الأزمة المالية الأخيرة. أي أنه من الواضح في منهج وأسلوب الرجل أنه لا يعد مُستمعيه في الداخل والخارج بما هو برّاق أو خارق لنواميس الطبيعة والمنطق. ولكنه يعد بأنه سيبذل كل جهده، وأنه سيستعين "بأهل الذكر"، ممن عُرف عنهم العلم والمُثابرة.

وهذا تحديداً ما فعله في قضايا الشرق الأوسط الكبير. فقد استدعى من التقاعد اثنين من أكفأ الوسطاء الأمريكيين يشهد سجلهما بإنجازات مُبهرة. أولهما، جورج ميتشيل، عضو مجلس الشيوخ السابق، وهو من أصل لبنانى سوري، والذي كان قد نجح في التوسط لإبرام مُصالحة تاريخية بين الطائفتين البروتستانتية والكاثوليكية في أيرلندا الشمالية، بعد مئات السنين من الشقاق، وعشرات السنين من الصراع المُسلح. وثانيهما دبلوماسي لامع هو السفير تشارلز هولبروك، الذي توسط بنجاح لتسوية الصراع الدامي في البوسنة والهرسك. وقد عهد إليه أوباما بملف "أفغانستان باكستان الهند".

ومرة أخرى، يرى أوباما أن التورّط الأمريكي في أفغانستان، لا يمكن إنهاؤه إلا بمشاركة متبادلة مع كلتا الجارتين الكبيرتين (الهند وباكستان). وقد تأكد هذا التداخل، بعد الهجمات الإرهابية على حي الفنادق في مُمباي الهندية، منذ شهور قليلة، والتي تؤكد مُعظم الشواهد أن المُهاجمين ينتمون إلى جماعة باكستانية مُتشددة دينياً، وحليفة لتنظيم القاعدة، الذي يتزعمه السعودي أسامة بن لادن، ونائبه المصري أيمن الظواهري. وهكذا، فإن أوباما على حق في رؤيته المُتكاملة لمُشكلات منطقتنا، التي يتداخل فيها، كما يقول المثل الشعبي، "الشامى والمغربى".

تبقى قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهنا يبدأ أوباما، أستاذ القانون الدستوري السابق، بداية مُغايرة لجورج بوش. فقبل أن يعظ الآخرين خارج بلاده، فإنه يبدأ بأمريكا نفسها. من ذلك أنه يُشدد على حُكم القانون (Rule of Law) واستقلال القضاء. ومرة أخرى لكى يُثبت أنه يعني ما يقول، فقد أصدر أوامر رئاسية في اليوم الأول لرئاسته بإغلاق سجن قاعدة جوانتانامو، الذي تم اعتقال مئات الإسلاميين فيه، المُشتبه فيهم بالإرهاب، منذ تفجيرات برجي التجارة (نيويورك) ومقر وزارة الدفاع (البنتاجون) في 11 سبتمبر 2001، دون مُحاكمة.

كما أصدر أمراً رئاسياً بمنع أي أجهزة أو مسؤولين في الحكومة الأمريكية من مُمارسة التعذيب أو الضلوع فيه. لذلك فإن أغلب الظن هو أن إدارة باراك أوباما، ستعمل على تشجيع، (وليس الفرض، على الآخرين) بناء البنية الأساسية للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهى حكم القانون، واستقلال القضاء وحُرية الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.

وهكذا يعدنا أوباما بما هو ممكن ومرغوب.. وبهذا المعنى فهو أقرب رئيس أمريكى إلى أن يكون "عسلاً" بالنسبة لنا. فهل نتجاوب معه شعوباً وحُكاماً، بألا نلحسه كُله؟!

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.