Untitled 1

 

2018/1/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :21/2/2009 10:17 AM

حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش

 

سعد الدين إبراهيم

حينما حل عيد ميلادي السبعين كنت (ومازلت) في المنفى، بعيداً عن وطنى الحبيب. وقد تفـضـل الدكتور مصطفى النبراوى، بإعداد كتاب تذكاري، بهذه المناسبة، استكتب فيه عدداً كبيراً من الشخصيات العامة والمثقفين، ممن عرفوني عن قرب أو عن بعد.

وقد تأثرت كثيراً بهذه اللفتة الكريمة من د. مصطفى النبراوى، ومن كل من أدلوا بشهادتهم في حقي. واعتبرت ذلك أفضل هدية لشيخ يقترب من نهاية عُمره وقد اطلعت على مسودة الكتاب الذي سيظهر قريباً.

ورغم أن الجميع كانوا كُرماء، وكال مُعظمهم لي مديحاً أخجلوا به تواضعي، وبأكثر مما أستحق، فقد استوقفتنى شهادة كل من د. محمد أبو الغار، الأستاذ بطب القاهرة، والمُدافع الأول عن الحُرية الأكاديمية واستقلال الجامعات، وكذلك شهادة الأستاذة فريدة النقاش، الناقدة الأدبية المعروفة أحد أقطاب اليسار في مصر المُعاصرة.

لذلك أستأذن القُرّاء في التعليق على بعض ما ورد في شهادتيهما. فقد مس كل منهما جوانب من حياتي واجتهاداتي العامة، التي ربما يشاركهم فيها آخرون.. ولذلك وجب التنويه.

نبدأ بالدكتور محمد أبو الغار، والذي بدأ شهادته بالإعلان عن أنه لم يُقابلني شخصياً، ولكنه استمع إلى مُحاضرة لي في الأسقفية الأرثوذكسية عن "الفتنة الطائفية".

وأظن أنه يُشير إلى ما كان عنوانه "طريق الأشواك من الخانكة إلى الكُشح"، وذلك في فبراير 2000 ، بعد الأحداث الدامية في صعيد مصر، والتي وصلت ذروتها، ليلة رأس السنة الميلادية، مع افتتاحية الألفية الثالثة، والتي جرى الاحتفال بها حينئذ احتفالاً صاخباً، عند سفح الهرم الأكبر، بحضور رئيس الجمهورية وعلية القوم. كانت المُفارقة والتوقيت، مما يُقطّع شفاق القلوب.

كما يذكر الدكتور محمد أبوالغار، أنه قرأ لي كثيراً، خاصة كتابنا الموسوعي عن "الملل والنحل والأعراق والأقليات في الوطن العربي" فالدكتور أبو الغار على هذا النحو هو مُثقف نشط، ومهموم بالشأن العام، خارج تخصصه في عالم الطب.

ومن هذه الناحية فالإعجاب بيننا مُتبادل، وإن كانت دروب الحياة لم تتقاطع بشكل أكثر مُباشرة. كان يمكن معها أن نكون صديقين مُقربين.

استوقفتني الفقرة التالية في شهادة الدكتور أبو الغار: "أعتقد أن هناك فجوة بين الشعب وأنا من بينهم وبين د. سعد سببها الحقيقى عدم الثقة في توجهات د. سعد. وربما يرجع ذلك إلى أن د. سعد كان مُؤيداً لعبد الناصر وانقلب عليه. وكان مُؤيداً للسادات وانقلب عليه. وكان مُؤيداً لمُبارك وانقلب عليه".

ولأنني أحترم الرجل وآخذ رأيه مأخذ الجد، فيلزم توضيح الآتي:

1- أن موقفي من الرؤساء الثلاثة، لم يكن تجاه أشخاصهم، ولكن تجاه سياساتهم. ولأن سياساتهم مرت بأطوار وتغيرات، فكذلك كان موقفي من هذه السياسات.

2- ولعل قضية الديمقراطية والحريات العامة هي مفتاح تفسير تغير موقفي من الرؤساء الثلاثة... ففي حالة عبد الناصر، كان المبدأ السادس لثورة يوليو، التي قادها، هو "إقامة حياة ديمقراطية سليمة"، ومع عام 1966، وكنت رئيساً للطلبة العرب، وكانت الثورة قد مر عليها أربعة عشر عاماً، وتوطدت أقدامها، وحققت معظم أهدافها المُعلنة، فقد حان في نظري أوان تنفيذ الهدف السادس والأخير.

وقلت في رسائل مكتوبة ومقالات منشورة أن التلكؤ في تنفيذ هذا الوعد هو الذي تسبب في انتكاسات سياسية داخلية وإقليمية، لأنه يُُحرم الثورة من ثمرات الحوار الحُر، ومعرفة الرأي والآراء الأخرى.

وضربنا الأمثلة لذلك ومنها "تفسخ الجمهورية العربية المتحدة" وتسرب الفساد وممارسات الاستبداد إلى الحياة العامة في مصر. فما كان من عبد الناصر، إلا أن أمر بمُعاقبتي. ففُصلت من بعثتي الدراسية، وفرضت عليّ الحراسة، وسُحبت مني الجنسية المصرية. وظل هذا الوضع قائماً، إلى أن ألغى الرئيس أنور السادات تلك الإجراءات، فعدت إلى مصر عام 1975، بعد غيبة ثلاثة عشر عاماً.

3- ومع امتناني لما فعله الرئيس السادات، وإعجابي بقراراته التي مكنتني من العودة لأرض الوطن وإنجاز نصر أكتوبر الذي أعاد للمصريين والعرب إحساسهم بالكرامة، إلا أنني اختلفت عن سياسته التالية، التي اعتقدت في حينه أنه لم يستثمر فيها إنجازات حرب أكتوبر، وأنه تسرّع في عقد اتفاق سلام منفرد، أضعف العرب في إدارة سراعهم مع إسرائيل.

كما اعترضت على سياساته الداخلية المنحازة للقادرين والأثرياء، ثم تراجعه السريع عن الديمقراطية المُحددة في أعقاب انتفاضة الخُبز (يناير 1977)، وقد استدعاني إلى استراحته بالإسكندرية (31/8/1981) ووبخني توبيخاً شديداً في حضور السيدة قرينته ولكن للأمانة استمع الرجل في النهاية لردودي، ثم طلب مني الإعداد للقاء مع المثقفين العرب للحوار، فإما أم يُقنعهم بصواب ما فعله أو يُقنعونه بخطئه في مُبادرة السلام. ولكنه رحل عن عالمنا (6/10/1981)، قبل إتمام ذلك اللقاء. ولم يمنعني ذلك من إعادة تقييم سياساته، ونشر كتابي "إعادة الاعتبار للسادات" (دار الشروق 1991).

4- أما الرئيس مُبارك، فقد كنت أعرفه لعدة سنوات، ورحبت بسياساته في بداية عهده، ولكن حينما حادت السياسات عن الطريق، فإنني بادرت للكتابة له. ولما لم يستجب، نشرت آرائي وتحفظاتي علناً. وكانت القشة التي قسمت ظهر البعير بيننا هي قضية توريث الُحكم.

ولأن ذلك بدا لي في أواخر تسعينات القرن الماضي، كما لو أنه يوشك أن يكون ظاهرة عربية عامة، فقد نشرت مجلة "المجلة"، اللندنية مقالاً بهذا المعنى، عنوانه "الجملوكيات العربية، مُساهمة العرب لعلم السياسة في القرن الحادي والعشرين" ويوم ظهور المقال صباح يوم 30/6/2000، اختفت أعداد المجلة ظهراً من أسواق القاهرة، وقُبض علىّ في منتصف نفس الليلة. وبدأت دراما المُلاحقات والسجون، الذي ظل مُستمراً إلى لحظة كتابة هذه السطور.

هذه هي حقيقة موقفي من الرؤساء المصريين الثلاثة وهي مواقف من سياسات وليس من شخصيات. وهذا هو جوهر مواقفي من أنظمة عربية ودول غير عربية، فالأساس في تحديد هذه المواقف هو السياسات، ومدى اقترابها أو ابتعادها عن المبادئ والقيم التي أدين بها، فالمطلوب من المُثقف كما يقول الراحل إدوارد سعيد "أن نجهر بالحقيقة في وجه السُلطة والسُلطان". والحقيقة هنا هي كما يراها هذا المُثقف في حينه.

أما الأستاذة فريدة النقاش فهي وأسرتها كانت وما تزال محل إعجابي منذ سنوات طويلة، فزوجها الأستاذ حسين عبد الرازق هو من أكثر اليساريين الملتزمين انفتاحاً على الواقع المُتغير عالمياً وإقليمياً ومحلياً.

ولم تحبسه الأيديولوجيا في كهف القرن التاسع عشر، وابنهما جاسر، هو من أكثر الناشطين الشباب الواعدين في مصر والوطن العربي من دعاة الديمقراطية والمُدافعين عن حقوق الإنسان، ولأنني من المؤمنين بقول الشاعر، أن "الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق" فإنني أعزو نموذجية هذه الأسرة للأستاذة فريدة. وتأخذ علىّ الأستاذة فريدة في شهادتها "أننى انبهرت بالنموذج الأمريكي...» ولم أر جوانبه الاستغلالية البشعة.

ولا أدري كيف توصلت فريدة لهذه الخلاصة، فهى لا تشير إلى نص كتبته أو سلوك أتيته، ينطوى صراحة أو ضمناً على هذا الانبهار، فكتبي تزيد على الثلاثين ومقالاتي التي تجاوزت الخمسة آلاف مقالة مُتاحة لمن يريد أن يعرف موقفي من أمريكا كمجتمع، وثقافة، ودولة.

ولا أذكر أنني روجت للنموذج الأمريكي أو عبّرت عن الانبهار به في أي من الأعمال المنشورة، بالعكس، كانت لي سلسلة "مقالات ودراسات عن الأمريكي القبيح"... نشرت في الثمانينيات، وانزعج منها كل من الرئيس مبارك، لأنها في رأيه كانت تهدد العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، واستدعاني فى حينه للتوقف عن الاستمرار فيها.

كما انزعج في حينه أحد زملائها من قيادات حزب التجمع، الذي تشكك في مصداقية نقدي لأمريكا، حيث إن خلفيتى ومؤهلاتي الأيديولوجية لا توحي بالمصداقية في هذا الصدد! أي أنه، كما قال لي يسارى آخر أخف ظلاً، في حينه هو المرحوم فيليب جلاّد "ألا تعرف أننا في حزب التجمع أصحاب التوكيل الوحيد للهجوم على أمريكا في مصر؟".

في كل الأحوال لست مُحترف هجوم على، أو مديح لأمريكا، أو لأي بلد، أو قيادة في الداخل أو الخارج، ولكني كعالم اجتماع سياسي: أراقب، وأرصد، وأحلل، ثم أقيّم، وذلك على النحو الذي عبّرت عنه في تعليقي على شهادة الدكتور محمد أبوالغار، أعلاه.

وأغلب الظن أن الأستاذة فريدة النقاش قد سمعت من آخرين أني "مُنبهر" بالنموذج الأمريكي لأنها بالطبع لم تسمعني أبداً أشيد بذلك النموذج، وهي بالطبع لم تقرأ لي أيضاً أي شىء منشور يُفيد "بمثل هذا الانبهار" فإذا كان الأمر غير ذلك، فلعلها تدلني أين ومتى ارتكبت فعل "الانبهار" هذا؟ فإن لم تفعل، فليسامحها الله. فهو وحده أعلم.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: semibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.