Untitled 1

 

2018/1/18 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :9/7/2007 11:33 AM

في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون

 

سعد الدين إبراهيم

رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً علي تأسيس مركز ابن خلدون، ورغم مئات المقالات التي كتبتها دورياً، بالعربية والإنجليزية، بما فيها ما يظهر أسبوعياً علي صفحات هذه الجريدة، إلا أنني لم أكتب عن مركز ابن خلدون من قبل. لقد كان وما يزال هناك ما هو أهم، ويستحق أن أكتب عنه.

ولكنني أستأذن القراء هذه المرة للحديث عن المركز، الذي تعرض للهجوم والإغلاق لثلاث سنوات عام 2000، وهو يتعرض هذه الأيام لهجوم أكثر شراسة، بما في ذلك ثلاث قضايا، يطلب أصحابها من النائب العام في نفس الأسبوع (20-27) إغلاق المركز، ومحاكمة رئيسه، بتهم تتراوح بين الإساءة لمصر، والإضرار بمصالحها القومية، إلي الخيانة العظمي . ولم أسمع أو أقرأ، إلي وقت كتابة هذا المقال، ما إذا كان النائب العام سيحفظ هذه البلاغات، أو سيباشر التحقيق فيها، تمهيداً لإحالتها إلي القضاء. وقد نشرت كل الصحف المصرية خبر هذه البلاغات. ولأن كل الاحتمالات واردة، فقد رأيت أن من حق القراء في مصر والوطن العربي، أن يعرفوا شيئاً عن المركز المهدد بالإغلاق. للمرة الثانية خلال سبع سنوات، وحيث يرتبط بهذا الكاتب ارتباطاً وثيقاً.

سمي المركز العلمي باسم العلامة العربي عبد الرحمن بن خلدون، الذي ولد في قلعة بني سلامة بتونس، عام 1332 وعاش وتنقل بين بلدان المغرب العربي والأندلس، معظم حياته، ولكنه عاش العشرين سنة الأخيرة في مصر، حيث ألف أعظم كتبه، وهي المقدمة في تاريخ العرب والبربر ، والتي أرسي فيها قواعد علم جديد، هو علم العمران البشري ، الذي هو البداية الحقيقية لما سيصبح بعد ذلك علم الاجتماع. وكان ابن خلدون طوال حياته ناشطاً سياسياً وناقداً اجتماعياً. فتعامل مع كل حكّام عصره، ناصحاً ومستشاراً، واختلف معهم جميعاً، ولاحقوه بدورهم. وهو ما يُفسر استمرار تنقله وترحاله بين بلدان المغرب والمشرق. ولأن عصره كان عصر تدهور وانحلال الحضارة العربية الإسلامية، فقد حاول ابن خلدون الإصلاح والإنقاذ، ما وسعه ذلك بكل الأساليب. ودفع ثمن أمانته وصراحته وشجاعته ثمناً باهظاً، بما في ذلك السجن والتعذيب، والفراق عن أسرته وأهله.

ولأنني من المشتغلين بعلم الاجتماع ومن المهتمين والمهمومين بالشأن العام، فقد سرت علي درب مماثل في جوهره لابن خلدون. ولما لم أكن في عبقريته، فقد أسسنا مركزاً بحثياً سميناه باسمه، وفتحنا أبواباً للمجتهدين الذين ينشدون المعرفة، ويبتغون إصلاح أمر البلاد والعباد، أو ما يسميه ابن خلدون بالعمران البشري. وكانت البداية حصولي علي جائزة الكويت للتقدم العلمي في العلوم الاجتماعية عام 1985، وهي حوالي مليون جنيه مصري بأسعار تلك الأيام و(فيلا) تملكها الأسرة في ضاحية المقطم. وقد حدد المركز لنفسه رسالة بسيطة، وهي إعلاء شأن قيم الحرية والمعرفة والتنمية والعدالة. وضمن ذلك، ولضمان ذلك، فإن الديمقراطية هي الإطار المؤسسي الأمثل للحكم الصالح، والمجتمع المدني هو البنية الأساسية الضرورية لتحقيق ذلك.

وربما كانت أهم مآثر مركز ابن خلدون هي تقديمه لمفهوم المجتمع المدني إلي اللغة العربية، والمجال العام، كفضاء للحرية، خارج سيطرة الدولة والأسرة والقبيلة والقطاع الخاص. فرغم أن المضمون قديم يعود إلي عدة قرون مضت، إلا أن المفهوم والمصطلح حديثان نسبياً في التجربة الإنسانية المعاصرة. ولم يدخل مفهوم المجتمع المدني إلي حياتنا العامة إلا بعد أن روّج له مركز ابن خلدون في ثمانينات القرن الماضي، من خلال مطبوعاته الدورية، شهرياً وفصلياً وسنوياً.

وقد تفرغ المركز في سنواته الخمس الأولي (1988-1993) لإرساء قاعدة معرفية ومعلوماتية حول القيم والقضايا التي من أجلها تأسس، ثم بدأ يدعوا الرأي العام في مصر والوطن العربي إلي مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، سواء ما يتعلق منها بأنظمة الحكم، والديمقراطية، أو ما يتعلق منها بحقوق المواطنة، وخاصة للنساء والأقليات الدينية، والعرقية واللغوية. وكانت اطروحات مركز ابن خلدون في هذه أو تلك جديدة وجريئة. لذلك لم تستسغها الحكومات والقوي الاجتماعية والسياسية المهيمنة علي الساحة. ورأت فيها تهديداً لسيطرتها المطلقة، لا فقط علي السلطة، ولكن أيضاً علي عقول الناس. فكان رد فعلها عنيفاً بدأ بحملات إعلامية لتشويه سمعة العاملين في المركز. فبدلاً من أن ترد السلطة علي الحجة بالحجة، أو تقدم اطروحات بديلة، دأبت علي التشكيك في دوافع المركز، وفي وطنيتهم حيناً أو في دينهم حيناً آخر. واستغلت السلطة احتكارها للإعلام المقروء والمرئي والمسموع لكيل الاتهامات. كما وظّفت الأجهزة المباحثية صحافتها الصفراء ولغتها الساقطة للهجوم الغوغائي علي ابن خلدون، والتي طاب لبعضها أن يطلق عليه مركز ابن صهيون !

وفي آلاف الصفحات التي هاجمت المركز، لم يرد رقم واحد أو إحصائية، أو نتائج بحث علمي للرد علي أو لتفنيّد ما كان يطرحه مركز ابن خلدون من دراسات أو وجهات نظر. لقد كان المشهد أشبه بمفلس سفيه، ولكنه يحتكر تلالاً من الحجارة يقذف بها مجتهدي مركز ابن خلدون. ولما لم تجد حملات التخوين والتكفير والقذف والتشهير هذه، لفقت الأجهزة الأمنية قضية، قبضت من خلالها علي مؤسس المركز وسبعة وعشرين من الباحثين والعاملين فيه، وأودعتهم السجون، ونهبت المركز من كتب وملفات وأجهزة كمبيوتر، وأوصدته لمدة ثلاث سنوات، في غضونها، قدم الخلدونيون لثلاث محاكمات، اثنان منهما أمام محاكم أمن الدولة ، التي هي جزء من قوانين الطواريء، ولا تلتزم بالإجراءات والمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. لذلك نقضتها المحكمة العليا، وقررت أن تقوم هي بنظر القضية في محاكمة ثالثة.  

وأمام محكمة النقض برئاسة رئيسها، المستشار فتحي خليفة، وثمانية من أقدم نوابه، وفي جلسات علنية راقبها العالم، من خلال وسائل الإعلام وممثلي منظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية والدولية، حكمت أعلي محاكم الديار المصرية ببراءة كاتب هذا المقال (المتهم الأول)، وكل زملائه السبعة والعشرين، من كل التهم. وفي سابقة غير معهودة، تعمدت محكمة النقض أن تصدر حيثيات حكم البراءة في خمس وثلاثين صفحة، ترد فيها علي كل الادعاءات بل وأكثر من ذلك تدين الأجهزة التي أعدت (أي لفقت) القضية، وتنتقد تركيز كل السلطات في مؤسسة رئاسة الجمهورية.

لقد كانت حيثيات الحكم بالنسبة للخلدونيين أهم من البراءة ذاتها. لأن تلك الحيثيات انطوت علي رد اعتبارهم، لا قضائياً وقانونياً فقط، بل أدبياً ومعنوياً أيضاً. لقد كان هذا الحكم التاريخي لمحكمة النقض، وهي الوحيدة التي حافظت علي استقلالها منذ إنشائها مع دستور 1923، والحيثيات التي سطرتها هي التي مكنت الخلدونيين من إعادة بناء مركزهم الذي كانت الأجهزة قد نهبته، ثم الاحتفال بتشغيله من جديد يوم 30 يونيه 2003، أي في الذكري السنوية الثالثة لاحتلاله، وأسر العاملين فيه. ومنذ ذلك الحين أصبح الخلدونيون يعتبرون 30/6 من كل عام هو العيد القومي لمركزهم.

ولكن الخلدونيين في هذه الذكري السابعة يستشعرون أن نفس الأجهزة التي كادت لهم عام 2000، تكيد لهم من جديد، حيث نظمت حملات إعلامية مسعورة، ثم أوعزت لثلاثة من عملائها بتقديم ثلاثة بلاغات للنائب العام، لإقفال المركز، ومحاكمة رئيسه بتهم عديدة، منها الخيانة العظمي. وقيل أن ذلك بسبب ما تناقلته وسائل الإعلام ما يفيد أن الكونجرس الأمريكي ينوي تعليق مبلغ مائتي مليون دولار من المعونة السنوية لمصر، والتي تصل إلي حوالي ملياري دولار، إلي أن ينفذ الرئيس حسني مبارك الوعود التي كان قد قطعها علي نفسه، أثناء حملته الانتخابية للولاية الخامسة، منذ سنتين. وفي مقدمة هذه الوعود، الموافقة علي مشروع القانون الذي يكرّس استقلال السلطة القضائية، وإنهاء قوانين الطواريء، والإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين.

وبدلاً من التركيز علي تنفيذ هذه الوعود الرئاسية، بحثت الأجهزة عن كبش فداء لتصب عليه جام غضبها وتستعدي الرأي العام عليه. وليس لديها أسهل من مركز ابن خلدون، وكأنه هو المسئول عن قرارات الكونجرس الأمريكي، أو عن خطايا النظام المصري. وها نحن نُشهد قراءنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 
رئيس مركز بن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.