ينبغي الاعتراف أن ثمة جو من الريبة وانعدام الثقة العميق بين الإسلاميين، بكافة اتجاهاتهم، وبين الليبراليين والعلمانيين العرب. وهذا الجو تستغله الحكومات العربية لمصلحتها في عملية تأليب الطرفين ضد بعضهما البعض.
لقد وجدت أن العديد من الليبراليين والعلمانيين يفضلون الوقوف إلى جانب الحكومات لمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة أو تحقيق أية مكاسب جدية.
ووجدت أن وجهة نظر هؤلاء تدور حول أن الحكومات مهما كانت سيئة فإن شرها يظل أهون بكثير من الإسلاميين. ولا يعدم هؤلاء شواهدا وأدلة على ما يقولون.
وأعترف أن المخاوف التي يبديها الكثير من العلمانيين العرب مشروعة وبعضها يتمتع بمصداقية عالية. فتجارب العديد من البلدان العربية والإسلامية تؤكد ما يذهبون إليه.
بيد أني وجدت صعوبة مع ذلك في الذهاب مع هذا المنطق حتى الأخير، أي حتى استخلاصاته النهائية، وذلك لسبب جوهري أوجزه هنا: أن الوقوف مع الحكومات العربية، وعلى عكس ما يتصور الكثيرون، لا يؤدي للحيلولة دون فوز الإسلاميين، بل هو قد يسهل انتصارهم. أي أنه موقف يقود إلى الهزيمة الذاتية، ويحقق عكس الغرض المنشود منه.
وفي حيثيات ذلك:
1- أن انتقاد سياسات الإسلاميين وأفكارهم أمر جائز ومطلوب، كي تتضح صورتهم الحقيقية للناس، ويزداد الوعي بشأن طبيعة المشاريع التي ينادون بها.
2- بيد أن الوقوف إلى جانب الحكومات العربية، لا يعني سوى التحول إلى أداة بيدها. والذين يتصورون أن بإمكانهم اللعب على التناقضات بين الحكومات والإسلاميين واهمون. والذي يتصورون أن بمقدورهم أنسنة هذه الحكومات هم أيضا واهمون. فهذه الحكومات، يسيطر عليها الهاجس الأمني، ولا تعرف سوى وسيلتين في التعامل مع أصدقائها وأعداءها، هما شراء الذمم والإفساد أو القمع. والوقوف معها يعني ضمنا الاتفاق أو تأييد ما تقوم به.
3- إن الحكومات العربية لا تملك أي مشروع سياسي أو فكري، فهي تحارب فقط من أجل البقاء. لقد استخدمت في السابق الإسلاميين لضرب اليسار والشيوعيين، وهي تسعى اليوم لاستخدام الليبراليين والعلمانيين لضرب الإسلاميين. وهي مستعدة لاستخدام أي تيار لضرب الآخر.
4- إن الدولة العربية هي التي تستغل الدين وتوظفه لمصلحتها وليس العكس. فهي الطرف الأقوى في معادلة المجتمع العربي. ومعظم رجال الدين هم إما موظفون لدى الدولة أو يعملون لمصلحتها. هذا الواقع نشأ مع الدولة الأموية ولا زال مستمرا للأسف حتى اليوم.
5- إن موجة المحافظة والتديين التي تجتاح المنطقة العربية منذ عقود، لم تنتج بسبب قدرة الجماعات الإسلاميية على اختراق المجتمع، وإنما بسبب حاجة الحكومات إلى عزل المجتمعات العربية عن التغييرات الديمقراطية الحاصلة في العالم، وإبقائها تحت سيطرتها، وليس هناك أفضل من إشاعة التدين والغيبيات لتحقيق هذا الغرض.
6- يصدق القول هنا إن الحكومات اضطرت في بعض الأحيان، ولأسباب عملية صرفة، إلى منح بعض الجهات الدينية جزءا من نفوذها التقليدي لكي تحقق لها غاياتها، ويصدق القول إن بعض هذه الجهات خرجت عن الدور المرسوم لها، لكن في الإجمال فإن الكلمة الأخيرة تظل في يد الحكومات.
7- لنفهم ما ورد أعلاه علينا أن نتذكر دائما أن أجهزة تشكيل الوعي لدى الإنسان العربي هي في مجملها بأيدي الحكومات، من التعليم إلى الإعلام إلى المؤسسة الدينية.
8 – توجد استثنائات قليلة هنا، حيث تحتفظ الأقليات الدينية في العادة لنفسها بقسط من التأثير على أفرادها خارج دائرة النفوذ الرسمي بما في ذلك مؤسساتها الدينية، والاستثناء الآخر هو وسائل الإعلام الحديثة التي باتت تنازع الحكومات في مجال التأثير على الأفراد.
9- ينتج من ذلك أن مجتمعاتنا العربية، بنمط تفكيرها الحالي، وتعاملها مع مختلف الأمور، هي نتاج لبرمجة النظام الرسمي العربي، أكثر مما هي نتاج عمل ونشاط أي من التيارات أو الحركات الاجتماعية أو السياسية، سواء كانت دينية أو علمانية.
10 - إن الأزمة العربية المزمنة التي يتحدث عنها الكثيرون، أسبابها الرئيسية هي القمع، والإفساد، والبرمجة (عبر التعليم والمسجد والإعلام – الوسائل الثلاث التي يستخدمها النظام العربي في السيطرة على المواطنين).
11 - إذا شئنا أن نضع ما ذكر أعلاه في صيغة مختلفة نقول: إن الحكومات العربية تقوم على قمع من يعارضها، وإفساد وشراء ذمة من يتحالف معها، وبرمجة عقول باقي المواطنين للقبول بالأمرين الأول والثاني.
12 - لكن مع استمرار انسداد الأفق أمام عشرات الملايين من المواطنين العرب من تحقيق حياة كريمة، وبسبب الفساد والقمع والإقصاء الذي تمارسه النخب الحاكمة، فإن التاريخ قد يمكر مكره، حيث تصبح هذه الملايين (بعد أن جرى ترويضها) أكثر استعدادا للقبول بأي بديل يخلصها من واقعها الحالي، حتى إذا كان هذا البديل ليس شيئا آخر سوى الإسلاميين.
13 - على العكس من كل ذلك فإن تجاوز ثنائية (انتقاد الإسلاميين/الوقوف إلى جانب الحكومات) إلى العمل على تفكيك آلة القمع والإفساد والبرمجة في المجتمع العربي، هو الذي سيعمل مع الوقت على تحرير عقل وإرادة المواطن العربي ويجعله قابلا للتطور بصورة حرة.
14 - خلاصة القول إذن إن الإسلاميين رغم ما بهم من شرور، فإنهم ليسوا أعظم شرا من الحكومات. الواقع أنهم، مثل غيرهم، ضحايا للنظام الرسمي العربي. والميزة التي يتمتعون بها اليوم على سائر التيارات الأخرى، جاءت أساسا بسبب ما أعمله ذلك النظام من تدجين وتخريب لعقل وفكر وضمير المواطن العربي. لذلك فإن نقطة الانطلاق في معالجة الوضع العربي تبدأ بعكس هذا الواقع.. أي تبدأ من الحكومات، فهي أساس البلاء. |