وافتنا الأنباء أن مجمع البحوث الإسلامية عقد مؤتمرًا حشد فيه 300 عالم وفقيه من 95 دولة، وألقى رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف خطبة الرئيس مبارك في افتتاحه، ونقلت لنا جريدة "المصري اليوم" يوم الجمعة 6 مارس الصفحة الأولى صورة لفضيلة الشيخ طنطاوي والبابا شنودة وقد "دخلا في وصلة نوم عميق" أعادتها إلى "برودة الجلسة الافتتاحية وحرارة الجو".
ويفهم مما كتب أن مجمع البحوث الإسلامية ألف عقد مثل هذا المجتمع منذ سنين خلت، وأن شهوده كانوا في مثل هذا العدد، بل لعلهم يزيدون لأن إيران لم تمثل في هذا المؤتمر، وكانت تشهده من قبل.
والمفروض أن تترك تلك المؤتمرات أكداسًا من الكتب والبحوث والدراسات تتضمن فنوناً من تجديد الفكر الإسلامي، فإذا كان ذلك قد حدث فلماذا لا نعلم عنه شيئاً؟ ولماذا لم ينشره مجمع البحوث الإسلامية؟ ولماذا لم يطبعه وينشره ويوزعه حتى يتم النفع بها؟ فما قيمة بحوث تظل حبيسة الأدراج أو لا يطلع عليها إلا عدد محدود؟
هذا إذا كان قد حدث.. فإذا لم يكن قد حدث فما قيمة تعبئة وعقد مؤتمرات والإنفاق عليها بالملايين، ثم لا يعلم بها إلا السدنة والخزنة.
الحقيقة أنه ليس هناك من فئة أو هيئة تعنى حقاً وصدقاً بتجديد الفكر الإسلامي!!
وقد يكون أول من لا يعبأ بهذا هو "الأزهر"، بل لعله أن يكون هو نفسه عقبة في طريق التجديد الإسلامي. ذلك لأن الأزهر بتكوينه الحالي عاجز عن أن يتوصل إلى تجديد الفكر الإسلامي؛ لأن ثقافته لا تسمح له، فقد تعلم واستوعب المراجع التقليدية بدءًا من الكـُـتاب حتى المعاهد الأزهرية، فالكليات الأزهرية التي تخرجوا فيها ليقوموا بتدريسها للطلبة، وهو لا يعرف غيرها ولا يعبأ بغيرها وقد ارتضى التقليد، وتصور العجز عن إيجاد مجتهد مطلق، وأنه لا يمكن لأحد المعاصرين أن يصل إلى ما وصل إليه الإمام مالك أو حتى نصف مالك، كما جابهني بذلك أحد شيوخ الأزهر في ندوة تليفزيونية، وقل مثل ذلك عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل.. إلخ، فكيف يجدد الأزهر وهو يعبد الأسلاف؟
ولو لم يكن عاجزًا لكان عازفاً عن التجديد؛ لأن التجديد يمكن أن يحيف على الوضع الحالي الذي يحقق له كل المراد من رب العباد، فعلماؤه محل التقدير الأدبي والمادي، وهم الذين يمثلون الدولة فى مجال الدين، كما أن الدولة هي المسؤولة عنهم في مجال الدنيا، وهذا أمر يحقق لهم خير الدين والدنيا، وأي تجديد يمكن أن ينتقص من هذه المكانة.
فإذا كان هذا هو الموقف الحقيقي والواقعي للأزهر تجاه تجديد الفكر، فهل نتوقع التجديد من "الأنتلجنسيا" ومجموعة المثقفين بثقافتها الأوروبية وميولها الاشتراكية أو الناصرية أو القومية العربية وكلها بعيدة عن الدين، إنها بحكم هذه الجذور الثقافية والاتجاهات السياسية كلها تعزف عن الدين أصلاً، ولا ترى له دورًا فى المجتمع،
وقد استحوذت عليها الدولة ووكلت إليها أجهزة الإعلام. فما لها وهذا المجال الشائك، إن الخير كل الخير هو أن تنفض يدها وأن تكل الأمر إلى الهيئة المختصة "الأزهر"، وهو ما رحب به الأزهر ورأى أنها استراحت.. وأراحت، وأنها وكلت الأمر إلى أهله.
والنتيجة أن الفكر الإسلامي تقهقر عما كان عليه أيام محمد عبده، وحتى الشيخ شلتوت والشيخ المراغي وهما أنبغ تلاميذه لم يحققا تجديدا ذا بال.
ليس معنى هذا أنه لن يظهر من يعمل لتجديد الفكر الإسلامي، فقد تنبأ لنا الرسول أن الله يُقيض لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها، ولكن معناه أنه سيظهر حيث لا يحتسب، وأنه قد يكون من قبيل ذلك الأشعث الأغبر المدفوع عن الأبواب الذي لو أقسم على الله لأبره، فلا تقولوا أنّى له هذا ولم يؤت سعة من المال ولم يتعلم في الأزهر، إنه يكون من المؤمنين بالإسلام كرسالة لإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور ومن الجهالة للمعرفة، ومن قيد الإصر والأغلال إلى الفكر والحرية، وممن يعملون احتسابًا لا لقاء أجرٍ ولا من منطلق الوظيفة، وعادة ما يطاردهم الأزهر باعتبارهم غير مختصين.
وإذا كنتم تريدون تجديد الفكر الإسلامي فنحن نضع تحت أنظاركم مشروعًا متكاملاً له، لا أمت فيه ولا انقطاع، ولا ترقيع أو انتقاء، ويعود إلى القرآن الكريم، ولا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا. إن التجديد الحقيقي للإسلام لا يقف عند المتون، ولا حتى عند معالجة منظومة المعرفة الإسلامية من تفسير وسُـنة وفقه، إذ يجب أن يجاوز هذا إلى ما يمكن أن نسميه "فقه الدين" وهو جانب لم يلمس أو تتطرق إليه الدراسات، بمعنى ما هى الغاية التي أرادها الله من إنزال الأديان، وما هو مدى ما تتعرض له الأديان من مشكلات الزمان والمكان والبيئة ؛ لأن الأديان وإن كانت رسالة سماوية إلا أن فهم الأديان والتعامل معها يدخل في إطار الظواهر الاجتماعية ويتأثر بعوامل شتى، وهذا في حقيقته هو أبرز ما يجب أن يتعرض له تجديد الدين، وقد تكون نقطة البداية أن نتساءل لماذا أنزل الله الأديان، وبوجه خاص "الإسلام".
وحتى لا تتأثر معالجتنا بما يورده علماء الاجتماع الذين يؤمنون أن الدين ظاهرة اجتماعية تخضع لكل ما يتعلق بقوانين الاجتماع، فإننا سنجعل مصدرنا في الرد على التساؤل هو القرآن الكريم نفسه، فنجد أن الله تعالى أراد أن يجعل له في الأرض خليفة يحمل رسالته إليها، وأن هذا كان أمرًا مقضيًا من أبد الآبدين، فخلق الأرض لتكون مأوى الإنسان ومسرح عمله، وجعلها بالصورة التي تصلح لذلك دون بقية الكواكب.
ثم أبدع مخلوقاً عجيبًا هو الإنسان، خلقه من طين، على حين خلق الملائكة من نور والشياطين من نار، ونفخ فيه من روحه فوهبه الإرادة والضمير وعلمه الأسماء كلها، أي مفاتيح المعرفة التي فتح بها آفاقها، ومن ثم جعله يتحمل المسؤولية التي عجزت عنها السماوات والأرض، وسمح للشيطان بأن يترصد به ويغريه ويفتنه بكل ما أوتي من قوة، ولكنه في المقابل أرسل الرسول، وأنزل من اللوح المحفوظ القرآن، يتلى آية آية، كل فى مكانها، وكل فى وقتها، وبهذا جعل الحياة أمام الإنسان المستخلف نوعًا من المبارزة ما بين الخير والشر.
الخير الذي تمثل في النفثة الإلهية الضميرية، ومفاتيح المعرفة وهداية القرآن من ناحية وإغواء الشياطين وشهوات النفس وبريق المال والسلطة والاستعلاء من ناحية أخرى، وأعطى الإنسان الحرية التامة في الاختيار.
من هذا نفهم أن الإنسان المستخلف على الأرض هو الغاية، وأن الإسلام هو وسيلة هداية هذه الغاية.
أدرك الرسول هذا جيدًا، فأسس في المدينة مجتمعًا إنسانيًا، شعاره وأساسه المساواة، والامتثال لتوجيهات القانون، وأثبت لأول مرة في التاريخ أن من الممكن إيجاد مجتمع بشرى منظم دون أن يوجد به جيش محترف، أو سجون، أو بوليس، أو فرض ضرائب.
وكان الإسلام في هذا المجتمع هو إسلام الإنسان، وظل قائمًا طيلة حياة الرسول في المدينة وطيلة حكم أبي بكر وعمر، وعندما طعن عمر بن الخطاب طعن هذا المجتمع وبدأت الخلافات التي وضعت نهاية هذه التجربة التى لم تسبق أو تلحق عام 40 هـ عندما حوّل معاوية بن أبي سفيان الخلافة الراشدة إلى "ملك عضوض".
في المدينة، كان الإسلام هو القرآن والرسول. كان الرسول يتلو القرآن فيتملك القلوب وتتحقق الهداية بمجرد الانطباع.
من أجل هذا لم يكن هناك حاجة لتفسيره، ولم يفسر الرسول إلا آيات معدودة، ولم يجد أحد الصحابة حاجة للسؤال، وكان الرسول إذا سُئل انتظر حتى يأتيه الوحي بالرد.
ولم يتوقف الصحابة أمام شىء في القرآن، وعندما توقف عمر بن الخطاب عند "أَبّاً" في الآية "وَفَاكِهَةً وَأَبّاً" ثاب إلى نفسه وقال "هذا والله هو التكلف"، فما يضيره إذا جهل هذا الـ"أَبّاً"، ولم يحاول أحد الصحابة أن يجمع القرآن كله، ولم يجد حاجة ليسأل الرسول والرسول نفسه كان يكره السؤال.
وكان الإسلام هو الإيمان، والعمل، هو الفطرة والخلق.
وكان المسلمون يثقون فى قلوبهم وعقولهم، فعندما أراد عمر بن الخطاب إقناع أبي بكر بجمع القرآن قال "هو والله خير"، ولما ذهب علي بن أبي طالب إلى تضمين الصناع قال لا يصلحهم إلا هذا.
انتهى هذا كله عندما حوّل معاوية بن أبي سفيان الخلافة إلى ملك سلطوي وراثي عضوض، وعندما نقل مقر الخلافة من المدينة إلى دمشق وهي بيزنطية، ثم إلى بغداد وهي فارسية، وتحولت الخلافة إلى إمبراطورية.
ذهب العمل، وجاء الجدل.
ذهب إسلام الإنسان وجاء إسلام السلطان.
نقلا عن صحيفة "المصري اليوم" |