Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :29/3/2010 2:09 PM

عبدالله بن سبأ

 

زينب رشيد

لو نجح العرب في بناء نموذج حضاري مشرف في صدر الاسلام وبعد ذلك لما سمعنا بشخص عبدالله بن سبأ، ولما أنهكنا أنفسنا ومعنا الأخرين في البحث عن حقيقة وجود هذا الشخص والى أي مدى بلغت قدراته الخارقة في التخريب على مسيرتنا المظفرة ورسالتنا الخالدة وحضارتنا المجيدة.

لو كانت العلاقات البينية في مجتمع بداية الاسلام علاقات متينة قائمة على أسس المصلحة العامة وليس على حد السيف لما سمعنا بشخص يدعى عبدالله بن سبأ في ثنايا تاريخنا الدموي بامتياز.

لو لم يؤسس النص الديني لمفهوم المؤمن والكافر، والقريب من الله والأقرب منه والبعيد من الله والأبعد منه، والصحابي الذي عاشر الرسول وغيره الذي لم يعاشره، والأحق بالولاية والخلافة والأقل حقا لما حدث ما حدث بين المسلمين الأوائل من اقتتال دموي راح ضحيته رأس الخلافة الخليفة "الراشدي" الثالث عثمان بن عفان، ولولا ذلك بالتأكيد ما كنا لنسمع بشخص عبدالله بن سبأ الذي أحيلت كل تلك المجازر الدموية على كاهله. فابن سبأ في تاريخنا هو صانع الفتنة الكبرى التي أطاحت برأس الخليفة وهو راسم خيوطها وواضع تفاصيلها ومبرمج أحداثها وعارف خواتيمها، ولولا بقية حياء لدى هؤلاء من الحقائق والمستقبل لذكروا بأن ابن سبأ هو الذي نفذ بنفسه تلك المجازر.

لو اجتمع المسلمون على فرقة واحدة ولم ينقسموا عدة فرق بدأت بشيعي وسني وانتهت الى ماهو اكثر من ثلاث وسبعين فرقة، واحدة فقط تدخل الجنة والبقية في النار، لما تذكّر القوم شخصا يدعى عبدالله بن سبأ ولما كانوا كرماء معه باعطائه هذا الحيز الكبير جدا في سياق تاريخنا.

لو استمرت حالة التعايش السلمي بين مختلف الأديان قائمة مثلما كانت في كعبة مكة القريشية لما احتاج هؤلاء القوم للإستعانة بعبدالله بن سبأ ليحملوه وزر الفرقة والعداوة والتنافر وصولا الى الفتنة الكبرى بين ابناء العائلة الواحدة والدين الذي أصبح واحدا.

يُعرِف تاريخنا شخصية عبدالله بن سبأ بأنه يمني "يهودي" دخل الإسلام نفاقا. ومن المؤكد أن هذه الشخصية قد تم اختراعها بهذا الشكل لكي تُلقى عليها كل الموبقات والأفعال الشنيعة والجرائم والانكسارات والهزائم والفتن التي كان لا بد لها أن تكون جزءا أصيلا من حياة مجتمع انتقل من التعددية الدينية واحترامها وتعايشها السلمي الى دين واحد فرض على مريديه بأن يؤمنوا بأنهم أتباع الحق لهم جنة السماء ومافيها من بركات، وغيرهم أتباع الباطل لهم نار جهنم ومافيها من لعنات و "بئس المصير".

قبل اكتمال الدعوة الاسلامية تم القضاء على أغلب القبائل اليهودية في شبه الجزيرة العربية قتلا وتهجيرا، فهل عجز كل المسلمين على القضاء على شخص واحد بعد أن بلغوا من القوة ما لا يقاس مع تلك القوة التي قضت على أربع من قبائل اليهود. ان وجود هكذا شخصية كان ولا يزال حاجة ماسة لكل من يحتاج الى شماعة يعلق عليها خيباته وانكساراته وأحيانا جرائمه.

"يهودية" عبدالله بن سبأ كما أوردها الرواة فعلت مفعول السحر عند جماهير المسلمين في العصر الحديث حكاما ومحكومين. فقد تم ربط ابن سبأ "اليهودي" وتأمره المزعوم على المسلمين بما يحدث الأن بين العالم الاسلامي والدولة الاسرائيلية التي أنشأت عام 1948 على الأرض الفلسطينية بفعل ضعف الجانب الفلسطيني العربي وليس فقط بسبب ما فعلته العصابات الصهيونية مثل شتيرن والهاغاناه من مجازر بحق قرى فلسطينية بأكملها.

هنا تضخم ابن سبأ ليصبح دولة وكبرت مؤامراته لتطال جغرافية العالم الاسلامي من طنجة الى جاكرتا. فأصبح ابن سبأ-اسرائيل هو المسؤول أو المسؤولة عن هزائمنا العسكرية والسياسية وحتى الرياضية، وعن خيباتنا في جميع المجالات، وعن تراجع مستويات التنمية الى أدنى المستويات، وعن تصدرنا ذيل القوائم من الأسفل في مجالات التعليم والصحة وغير ذلك. لا بل أكثر من ذلك فهي مسؤولة عن الاحكام العسكرية وأحكام الطوارئ المفروضة ببساطير عسكر اقتنصوا السلطة في أكثر من بلد عربي في ظلام ليل دامس، وما يعنيه ذلك من غياب الديمقراطية والتعددية والتدوال السلمي للسلطة. وهي مسؤولة عن غياب الحريات، لا بل ان هناك أنظمة عربية يصل درجة عهرها السياسي الى مستويات غير مسبوقة اذ تزج بخيرة أبناء شعبها في غياهب السجون والتهمة هي محاولات هؤلاء النيل من هيبة الدولة واضعاف الشعور القومي والترويج لأفكار معادية تصب في صالح العدو الاسرائيلي.

هنا يتلاقى الحاضر مع الماضي، فأي هيبة تلك التي سينال منها نفرٌ من أصوات الحرية العزل إلا من ضمائرهم وشوقهم لتحقيق حرية شعوبهم. ويا لها من هشاشة تلك التي تعتري شعورنا القومي اذا كان هؤلاء قادرين على اضعافه، مثلما نستطيع أن نقول أية "رسالة سماوية" تلك وأي نوع من الصحابة هؤلاء الذين استطاع ابن سبأ أن يتلاعب بهم كيفما يشاء على افتراض حقيقة وجود ابن سبأ.

نحن الأن في أعماق الهاوية وليس على حافتها كما يحلو للكثير من المثقفين أن يصف الحال التي وصلها العالم العربي والاسلامي. وهذه ليست نظرة متشائمة أو سوداوية لأنها تترافق مع طرح خيار قادر على تخليصنا مما نحن فيه كما خلّص شعوبا كثيرة غيرنا عايشت ما نعايشه الأن وكابدت ما نكابده الأن ولكنها اختارت بخطى واثقة وثابتة أن تتجاوز كل ما هو غيبي وخرافي، وأن تجمد العمل بأي نصوص تتجاوز الآخر وتمنح الحق بالاعتداء عليه أو الزامه بما ليس مقتنعاً به. وبمعنى آخر، اختارت أن تبني الدولة المدنية العلمانية الحديثة.. دولة الحرية والديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.

عندما نقرر الانطلاق بهذا الاتجاه فقط، فاننا حتما سنخرج من الهاوية التي نعيش بها، وستنطلق طاقات الانسان الابداعية لإنتاج كل ما هو مفيد له ولمجتمعه، وسنحقق كل ما نصبو اليه من آمال، ولن نحتاج حينها لابن سبأ أو لاسرائيل أو لايران أو لأمريكا حتى نلقي عليهم خيباتنا وهزائمنا وانكساراتنا.. فهل نقرر أم أن الساعة لم تأتِ بعد؟؟

 
كاتبة فلسطينية
البريد الالكتروني: zena1903@hotmail.com

 

 

 

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.