Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :3/4/2010 8:10 PM

ظاهرة التكفير في ميزان العقل والدين

 

سيد القمني

بعكس طموحات الإنسان في العالم كله، يطلب رجال الدين المسلمين من المسلمين هجر العقل البشري إلى الطاعات، ويصفونه بالقصور لأنه ليس بإمكانه إدراك الكثير من الأمور الدنيوية، ناهيك عن الأمور العلوية والغيبية وعدم قدرته على التجاوب مع العقل الرباني، فليست لديه القدرة الإطلاقية كما هي حال العقل الإلهي، فهو يقف عاجزاً أمام تفسير وفهم أمور تعلو على قدراته واستطاعته، فالعقل الرباني يحيط بكل شئ، بينما العقل الإنساني يخضع لمنطق له خطوات وعلل وأسباب ومقدمات تؤدي إلى معلول ونتائج تترتب على المقدمات، وهو ما لا يشير إلى قصور هذا العقل، إنما يشير إلى أن العقل البشري له طرائق تجعله مختلفاً عن العقل الرباني، وهذا الإختلاف لا يعني نفي أحدهما للآخر.

وقد أدرك المعتزلة هذا المعنى في الفارق بين العقلين مبكراً، عندما قدموا حكم العقل البشري إذا تعارض مع ما جاءنا من العقل الرباني وحياً، ليس مخالفة للسماء وأحكامها، إنما إدراكاً منهم أن لكل منهما طرائقه المختلفة عن الآخر، لذلك رجحوا حكم العقل البشري إذا تعارض مع النقل وفضلوه عليه، إدراكاً منهم أن للنقل / الوحي / العقل الرباني، منهجاً و نظاماً يختلف عن العقل البشري، وإنه ليس بإمكان البشر فهم العقل الإلهي والعمل بطرائقه لأنه لو حدث لأصبحنا أرباباً وهو المستحيل عينه.

وربما امتاز المعتزلة لهذا السبب عن أقرانهم من مجتهدي المسلمين، لأن الآخرين وحتى اليوم يخلطون بين اللونين من العقل والفهم، وهو ما يؤدي إلى نتائج مضللة، فيفتون بالعلاج ببول الإبل والحجامة زمن طب الجينات والخلايا الجذعية، لأنهم يريدون التفكير بعقل السماء في شأن بشري بحت لا علاقة له بالعقل الرباني، فهذا الشأن البشري يقوم على بحث ومختبرات ومعامل وتجارب وتحليل وتركيب واستنتاج، وهو كله ما لا يحتاج إليه العقل الرباني الكلي القدرات والغني عن التجربة والرفيع عن الخطأ والصواب والمحاولة بينهما، لذلك فإن من يخلطون بين العقلين الإلهي والإنساني يضرون أشد الضرر بالدين وبالمجتمع، ويظلوا حائرين في مساحة أسئلة تتردد منذ فجر الإسلام وحتى اليوم دون حلول يتفقون عليها، لأنها أسئلة بدون إجابات، لأنهم يدخلون بالعقل البشري منطقة الإلهى فيسألون كيف تلد الصخرة ناقة؟ وكيف هو عرش الإله؟ وهل له عين كي يكون بصيراً؟ وكيف هي يده التي فوق أيدينا؟ وهو كله ما لا يمكن الوصول فيه إلي إجابة حاسمة نطمئن لصدقها وسلامتها، لذلك لن نصل إلى إجابة إذا تساءلنا لماذا يأمرنا الله بالهرولة في الحج؟ ولماذا ندور حول البيت سبعاً لا تسعاً أو عشراً؟ هنا الموقف الصواب هو الطاعة والتنفيذ وليس البحث والفحص، وعلى المؤمن أن ينفذ طائعاً لأنها أوامر عقل غير خاضع لتعليلاتنا واستنتاجاتنا ولا للحتمية العلمية أو التاريخية، لأن هذه قواعد عقل و مجتمع بشري لا إلهي.

وبينما العقل الرباني لا يخطئ لكماله، فإن العقل البشري يجرب ويتعلم من الخطأ والصواب، فإذا ما خلط قوانينه في التجريب والتعلم والفهم بالأوامر الإلهية، يصاب بالارتباك لأن مشيئة الرب وأسلوب إدارته للكون هي مسألة لا يمكننا إدراكها.

والدارس للقرآن الكريم والحديث الشريف سيجد ما يشير بوضوح إلى اختلاف العقلين فيما نسميه معجزات، وهي التسمية التي تعني عجز العقل عن فهمها، وهو لم يعجز عن فهمها لعيب فيه أو قصور يشوبه، إنما لأنها منتج عقل إلهي لا ينشغل بقواعد التفكير البشري وسلامتها من عدمه. لذلك تبوء كل محاولات تفسير المعجزات بالفشل، للعجز عن استيعاب العقل البشري لها، والإصرار على تفسير الإلهي بالعقل البشري، هو كمن يريد أن يُدخل العقل الإلهي اللامتناهي وطرائقه داخل العقل الإنساني واستيعابه وإخضاعه لقواعده، وهو الأمر الغير ممكن بالمطلق. وربما أدى مثل تلك المحاولات إلى إلحاد البعض، فالملحد الذي يؤمن بعقله إيماناً قوياً يقوم بقياس منتج العقل الإلهي على قوانين عقله البشري فينتهي إلى الإلحاد.

وللإيضاح فكلنا لا ننكر وجود الهواء ولا ننكر أن المسطرة أداة قياس صالحة، لكنا لا يمكن أن نقيس الهواء بالمسطرة، لأن الله خلق الإنسان وأهبطه إلى الأرض لعمرانها ولعبادته، وليس لقياس عقل الإله والبحث فيه بمسطرة العقل البشري، لذلك فإن الموقف السليم هنا هو العزل بين عالم الربوبية وعالم البشرية، لأنه في حال خلطهما سنخرج بلا نتيجة او بضرر محقق على الدين أو على المجتمع. وقس على هذا كل اسئلتنا الحائرة التي قسمت مفكرينا فرقاً، معتزلة ومرجئة ومعطلة وسنة وأشاعرة وشيعة وغيرهم، نتيجة لأسئلة تريد إخضاع العقل الإلهي لقوانين العقل الإنساني، مثل السؤال في الجبر والاختيار: هل الإنسان مخير أم مُسير؟

فهو أولاً يخلط بين فعل الرب (التسيير) وفعل العبد (حرية الاختيارالتي تترتب عليها مسؤلية الحساب)، فالخطأ يكمن في السؤال، لذلك لا تجد إجابة واحدة تتفق حولها هذه الفرق، فالرب عنده جنة عمل فيها أنهار اللبن والعسل والخمر وأودعها الحور العين للمتقين، ونحن بعقلنا صنعنا السد العالي وأقمنا مدينة اكتوبر والعاشر والوادي الجديد، وكلٌ له مجاله لا يتداخلان، فلا الجنة مثل مدينة اكتوبر، ولا نحن روينا للرب جنته، ولا هو أشرف على تخطيط مدننا الأرضية. فقد أُهبط الإنسان مُجبراً للأرض بأمر إلهي ليعمرها ويخلفه فيها بعقله البشري، أما الله فهو في ملكوته يعمل ما يشاء وقتما شاء كيفما شاء، وترك لنا أرضنا نفعل فيها بإرادتنا حتى يمكن حسابنا يوم الحساب، ليرى ربنا هل أفلحنا في مهمتنا في الإعمار أم فشلنا.

وإضافة لمهمة الإعمار فقد قرر تعالى أنه ما خلق الإنس و الجن إلا ليعبدوه، وهذه العبادة ليست وفق عقلي ومقاييسه وأحكامه، وليس لي أن أسأل لماذا صلاة الفجر ركعتين وليس خمسة؟ ولماذا نصوم رمضان ولا نصوم أبريل ولماذا نرجم بسبع حصيات وليس بعشرين؟ فالجانب الإلهي طاعة فقط، أما عقلنا فهو للفعل الأرضي، للإعمار وإقامة الحضارات، لذلك فما نفعله على الأرض بعقلنا أمر يختلف عن العبادات التي قررها الرب بعقله، لا يختلطان، لا يلتقيان، بل يختلفان بالكلية. ومن ثم لا يصح تدخلنا في العقل الإلهي، كما لا يصح تدخل العقل الإلهي في هندسة الطب أو إقامة الهرم أو هندسة الجنيات، فهذا متروك لنا و لن نحاسب عليه يوم البعث والدنيونة و لن يدخل في ميزان حسناتنا أو سيئاتنا.

فإذا كانت قصيدة الشعر تعبر عن فكر مؤلفها و أحاسيسه وتدل عليه، فإن القرآن الكريم يعبر عن الإله و فكر الإله، وليس عن رأي الشيخ القرضاوي ولا ابن تيمية ولا أي من فقهائنا قدامي أو محدثين، لأنهم يفسرون أهداف الله و مقاصده قياساً على مقاصدنا الإنسانية وعقلنا البشري.

فالفكر الرباني لا يلتزم بقواعد لأنه مطلق المشيئة والقدرة اللامحدودة، لذلك فإن أساليب الفكر الإلهي لا ترتبط بالتعليل و التفسير والتبرير والاستدلال والاستنتاج، بل هو يكسر كل ما نعلمه من قوانين التفكير المنطقي السليم بالمعجزات، ولا يخضع لقوانين المنطق البشري، حتى أننا لا نستطيع أن نقول أن العقل الإلهي له منطقه الخاص لأنه الكامل الذي لا يخضع لمنطق، فهو فعال لما يريد دون قواعد ودون تبرير، وغير مجبر ولا ملزم أن يفكر مثلنا أو أن يُحدث أمراً يُراعي فيه مناهجنا، وأيضاً لا يلزمنا من هذا العقل الإلهي سوى أوامره ونواهيه والطاعة له والإيمان به، هنا السماء تأمر بالتنفيذ وليس بفهم أسرار التعبد، لأن عقل الإنسان لن يفهم تقديرات الرب.

أما أساليبه فلن نستطيع بها إخضاع البيئة وتوظيفها، ولن يمكننا تحويل العصا إلى حية ولا تفجير الينابيع بالعصا، ولا إكثار الخير بجعل الصخور تلد نوقاً مثل ناقة صالح، لذلك يكون من الغباء تصور إمكان تتبعنا أسلوب الرب في التفكير والتدبير، لأن الله يقول للشئ كن فيكون، وهو غير أسلوبنا الذي يسير وفق المحاولة والخطأ للوصول إلى الصواب ووفق قوانين منطقية ومنهجية، وبها نستطيع إخضاع البيئة وتوظيفها، وليس بالأسلوب الإلهي والفكر الرباني.

لذلك فإن دعوة مشايخ زماننا لتقزيم العقل البشري وتعجيزه عن الفهم مقارناً بالعقل الإلهي، هو خطأ منهجي ومنطقي جسيم، بينما الصواب هو الإقرار أن هناك عقلين، أحدهما أعرفه وأفهمه هو عقلي البشري وأجهل العقل الآخر الإلهي، وليس أحدهما خاطئ والآخر صحيح، فكلاهما صواب في ميدانه.

البعض يرى أنه بالإمكان لتواصل مع الفكر الإلهي بواسطة الأدعية والقنوت له ليفعل معنا على الأرض فعل التعمير والحضارة ولينصرنا، لكن الإشكال هنا أن الدعاء ليس ملزماً للرب ولا هو فرض عليه يجب أن يلبيه وينفذ المطلوب من الدعاء رضوخاً لقواعد، لأن إرادة الرب لا تخضع لأي إرادة أخرى حتى لو كانت دعاءاً ومذلة أو استرحام، فالمطلق لا يمكن التنبؤ بأفعاله المقبلة وإلا ما كان إلهاً.

بينما الإنسان قادر على استكشاف القوانين الكونية والبيئية وامتلاكها والسيطرة عليها بعقله البشري وحده، وتفعيلها فيما يعود عليه وعلى المجتمع بالنفع. فيتحكم في البيئة ويسيطر عليها ويمكنه التنبؤ بالأحداث المستقبلية والاستدلال عليها وعلى إمكان حدوثها، على عكس الوضع مع العقل الإلهي الغير خاضع للاستدلال والاستنتاج، فنحن حتى اليوم لا نعرف لماذا رفض الرب قربان قابيل وقبل قربان هابيل، ولا نعرف سر نجاسة الكلب والخنزير، ولا نعرف كيف عبر نبينا (ص) في معراجه كل المجرات والكواكب بسرعة أضعاف أضعاف سرعة الضوء دون تجهيزات لضبط الضغط والحرارة والأوكسجين وآلات الدفع وغيره، أو دون أن يتحول العارج بهذه السرعة إلى طاقة، فهذه قوانيننا وما وصلت إليه عقولنا، وهو ما لا يتطابق مع تلك الرحلة الإعجازية التي تمت وفق العقل الإلهي وليس الإنساني، ولمزيد من تأكيد الفصل والتفريق بين العقلين أضرب مزيداً من الأمثلة الواضحة البيان، فقد تخير الرب مالك هذا الكون بمليارات أجرامه ومجراته، كوكب الأرض مقراً لبيته، واختار من كل القارات قارة آسيا، ومن بين بيئات آسيا المتنوعة وما تنعم به من أنهار وجنات وخيرات واعتدال مناخ، اختار واد غير ذي زرع بالحجاز المقفر مُفضلاً إياه على بقية كونه، فضلّه على سويسرا والريفيرا الإيطالية وجبال لبنان ووادي النيل والسين والفرات، إختار أفقر وأجدب بقاع العالم محلاً لإقامة بيته. وهو ما يخالف منطقنا نحن البشر، فنحن نفضل الجمال والوفرة والرفاهية والنعيم واللطف والرقة، لكن كل هذا لا علاقة له بالقداسة، فقد اختار الرب ذلك الوادي الملتهب الحرارة قارى المناخ وهو أسوأ مناخات الأرض والغير ذي زرع ومنحه القداسة بإقامة بيته فيه، رغم أنه هو خالق كل البقاع، ومع أنه هو الذي يهب القداسة ويخلقها، وكان يمكنه منح القداسة لأمستردام مثلاً أو لباريس حيث الرقة واللطافة والنعيم والجمال، لكن إرادته أبت ذلك، وأبت أن تربط النعيم الدنيوي بالقداسة الربانية.

هذا الاختيار هو دعوة لنبذ التعليل للأفعال الإلهية لأنه لا يسير وفق شروطنا، والاستدلال والخيار بين الممكنات المتاحة، فقد يكون الأسوأ في عقل البشر هو الأفضل في العقل الإلهي الذي اختار أسوأ مكان و أجهل شعب في أرضه ليقيم فيه أشرف و أقدس بيت في الدنيا ويجعل من شعبه خير أمة أخرجت للناس، بل اختار له الشكل المكعب المتواضع فهو أبسط شكل هندسى، بجوار ما تزخر به السعودية اليوم من معمار هندسي عظيم في جدة أو الرياض أو غيرها. ولا شك أن النبي إبراهيم عليه السلام كان مُسيراً في هذا الخيار لأنه لو اختار بعقله البشري لاختار وطنه الأصلي حيث جنات الفرات و دجله، لأن العقل البشري له طرقه في المفاضلة والتمييز والاختيار، لذلك كان الأمر لإبراهيم بإقامة القواعد من البيت في الحجاز، وهو ما يعني أن للسماء رؤي وفكر يختلف بالكلية عن رؤية الإنسان وفكره.

وهو الشأن الذي سنلحظه في كل الأديان السماوية، فمنتجها الفكري لا يلتزم بقواعد العقل البشري وقوانينه، ولا تقبل التحاور مع هذا العقل. وعليه فإن العالم محكوم بعقلين، عقل رباني لا يعرف التعليل والاختيار والبحث والاستدلال، وعقل بشري يبحث عن المصلحة والأفخم والأجمل والأمتع والأكثر إقناعاً ومنطقاً.

وعليه فالإنسان غير ملزم بعمل مثل الخالق لاختلاف المنهجين ولأن للرب مقاييسه الخاصة، فقد نظر إلى أقفر وأفقر البيئات وأسوأها مناخا وبشرا (مكة) ليضع فيها بيته على الأرض، بينما لو كان لنا الخيار لأخترنا هاواي أو فيّنا أو فارنا، وبذات المقياس لو قال المشايخ عن شخص أنه كافر، لربما اختاره الرب كأفضل عباده الصالحين. لذلك عندما يتطوع شيخاّ ليقول أن الله سيقبل الشيخ فلان لأنه رجل دين وسيرفض الفنان أو الكاتب أو المبدع فلان بسبب كتابته النقدية مثلاً، فهو يرتكب أكثر من وزر وأكبر من خطأ، أولاً أنه يسلب الله حقه فهو الوحيد الذي يستطيع الحكم على الضمائر بالكفر وما يتبعه من دخول جهنم، أو بالإيمان و ما يتبعه من دخول الجنة، الشيخ هنا يلزم الله بقرار عقله البشري الذي يختلف بالكلية عن عقل السماء، فالرب لو عمل مثل الشيخ وبرر وعلل لا يصبح إلهاً وتسقط ألوهيته، لذلك فإن المفكرين من مشايخ زماننا يفرضون قرارهم على العقل الإلهي ويحرمون ويحللون ليتشابه عقل الشيخ وعقل الإله ليصبحوا آلهة مثله.

ويتحول من يعترض على المشايخ إلى كافر، بينما التكفير هو افتئات على أهم صفات الله وإرادته، لأن قبول إيمان إنسان من عدمه يعود لمشيئة واحدة فقط هي المشيئة الإلهية التي لا يعلمها أياً من البشر، لا شيخ و لا كاهن ولا عارف بالله.

هذا ناهيك عن مخالفة مشايخ التكفير بل ونقضهم الآية الصريحة بقرار رباني يؤكد أن الله ما خلق الإنس والجن إلا ليعبدون. مثلها بالضبط مثل "كل في فلك يسبحون"، فالبشر جميعاً والجن والأفلاك و المجرات كلها تعرف الله وتسبح مشيئة الخالق، لأنهم جميعاً لو لم يعبدوا ويسبحوا لحدث خلل في الأفلاك وانهار نظام الكون، وما نراه أحياناً صادماً لمشاعرنا وتعصبنا وننعته بالكفر إنما هو لون من العصيان، فكل البشرية تعرف أن للكون خالق منذ الإنسان البدائي، ومن يتهم غيره بالكفر فإنه كمن يكذب الآيات القرآنية التقريرية بالقرآن، التي تؤكد أن الله خلق الخلق ليعبدوه. فالله قد أمر عباده برحمة عباده وأسمى نفسه الرحمن، بقرار جعل البوذي يرحم والمسيحي يرحم واليهودي يرحم والمسلم يرحم، أمر بالتعاطف وكل متدين يتعاطف، هندوسياً كان أم سيخياً أم مجوسياً، ونص الآيات يشهد للبشرية جميعاً أنها تعرف الله وأنها تعبده، فمن كفّر غيره فهو منكر لمعلوم من الدين بالضرورة، فالله يقول أنه خلق الخلق كي يعبدوه، ومشايخنا يقولون عن البعض أنهم كفار لا يعبدونه، بينما وجود كافر واحد بمعنى المنكر للألوهية ولوجود الذات العلية، يسقط مشيئة الله القاضية بمعرفة كل خلقه به حتى جمادات الأفلاك، وإيمان الكل به وعبادته وإن كان كل ٌ على طريقته.

وعليه فإن النظر لمن يختلف عنا في طريقة عبادته أو معرفته بالرب الخالق القدير بحسبانه كافراً، هو خطأ في تفسير مُراد الرب ومقاصد كماله، وعندما نتحاور في شأن ديني تختلف حوله قد يجوز القول أن أحد طرفي الخلاف كافر برأي الطرف الآخر وليس كافراً بالله، لأن الخلاف في الواقع هو بين طرفين بشريين وليس أحدهما هو الله، هو كفر رأي برأي، كفر بشر ببشر وليس برب البشر، لأنه سيكون خلافاً حول تفسير كلام الرب حسب عقل منهما وحصيلته المعرفية، لكنه لا يفسد بين أحد المختلفين وبين ربه، لأن الاختلاف بشري والحوار بينهما إنتاج عقلهم البشري وليس الله، فالخلاف في واقعه يقع على آراء بعضهم البشرية وليس على الله، وخلافات المذاهب الدينية كلها مستحدثات بشرية، أما الإيمان برب خالق أحق بالعبادة والقدسية فلا خلاف حوله، فنحن لا نختلف على أن الله قد قال هذه الآية أم لا؟ إنما نختلف علي فهمها بعقولنا التي ليست كعقل رب الأرباب وملك الملوك.

وكلا الرأيين المختلفين منتج عقل بشري مصنوع لإدارة شئون الدنيا و ليس لصنع أديان، لذلك فالمكفرين يستخدمون الأداة في غير محلها، فالفأس مصنوع لنفتح به الأرض وليس لنفتح به باب البيت، فإذا استخدمناها في غير وظيفتها انتهت بتكسير الأديان إلي مذاهب وفرق، فهم كمن يستخدم الحقيبة الدبلوماسية لتهريب المخدرات.

وإذا كان محمد النبي (ص) بجلال قدره لم يفعل فعلهم ولم يكفر مسلماً، وكان ينتظر دوماً قول الله فلا يقول من عندياته لأنه بشر وعقله عقل بشر لا يصنع ديناً. فمن العجيب أن ترى اجتراء مشايخ زماننا الذين يجيبون على إي سؤال في أي شأن، نسألهم عن زرع الأعضاء فوراً يقولولون حرام، يقول الشيخ ما لم يعرفه محمد (ص) ليقوله، ويعمل كل منهم لنفسه ديناً جديداً يسميه مذهباً أو فتوى كما لو كانوا آلهة، بينما النبي محمد (ص) لم يصنع لا ديناً ولا مذهباً ولم يكن إلا عبداً بشراً مُبلغاً لا مبتدعاً.

إن المهمة المكلف بها العقل البشري من قبل الله هي الإعمار بتآزر البشرية وليس بتكفيرها، فعقلي مخلوق كي أعمل به في الحقل والمصنع وليس في الدين، لذلك اتسم الإسلام بخصوصية وفرادة هي أنه لا يعرف رجال دين ولا يعترف بكهنوت يبحث في شئون تخص الله وهم بشر. فوظيفة العقل البشري هي التعمير والتعبد، وفي التعبد يمتنع الجهد العقلي بالمرة، بدليل أن المبشرين بالجنة معظمهم كان من الأميين الذين لا يستطيعون بذل الجهد العقلي. فالدين هو أن نؤمن بة لا أن نحاوره، الدين هو أن أؤمن وأصدق أنه خلق من السماوات سبعاً ومن الأرض مثلهن، ولا أسأل لماذا لم يجعلهن تسعاً أو عشراً؟ ولا أدخله في العلم البشري الذي لا يقول بسماء أصلاً ويقول بطبقات جيولوجية للأرض لا سبع أراضي، لذلك فإن خلط الإلهي بالبشري هو ضار بحياتنا وبديننا في آن.

يقول المصطفى (ص) أن المرء يولد على دين الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه، وهو ما يعني أن الإنسان يولد مفطوراً على معرفة الخالق مطبوعاً في عقله وروحه، ثم بعد ذلك يأتي دور النبوات التي تأخذ هذا إلى اليهودية وذاك إلى المسيحية وآخر إلى المجوسية وغيرة إلى البهائية وغيرهم إلى البوذية.. إلخ. فالإيمان بالله فطرة واتباع أحد الأنبياء هو اكتساب، والمؤمن بالله يضيف إليه الإيمان بنبي واحد على الأقل، ومن هذا النبي يستقي طرق العبادة للإله الخالق وتعاليمها وشروطها التي تشكل له دينه، ومن ثم فإن الأسرة والمجتمع هي من تقوم بإضافة النبوة للفطرة في طفولة الإنسان، ومن ثم يصبح السؤال حول الإيمان والكفر في صيغته السليمة: هل من المعقول أن يتم تهويد أو تمجيس من هو كافر أصلاً بوجود الله الخالق؟ الإجابة بالقطع أن الإيمان بالله فطري فلا يوجد إنسان كافر بالله حسب الحديث والآيات الكريمة، فكل إنسان يولد مؤمناً يقبل الرب داخل روحه، ثم يقوم المجتمع بإكسابه قبول أحد أنبياء هذا الرب.

ولأن خالق الكون رب واحد وحيد أحد، فإنه حسب الآيات "ما خلقت الإنس و الجن إلا ليعبدون"، لن يخلق من ينكر وجوده ويكفر به. فمثل هذا الإنكار ليس فيه صالح للمخلوق ليقدم عليه، ولن يضر بالخالق الموجود قبل ذلك المخلوق، وعليه لا يمكن للمخلوق إنكار الخالق، ولو أنكر فلن يزيح الخالق أو يحيله من موجود إلى لا موجود، لأن الثمرة لا يمكنها إنكار الشجرة، وحتى إن إنكرتها فهذا لا يقضي على الشجرة، وفي الحالين فإن الإنكار غير مجد لكليهما، فالكفر شئ بلا قيمة ولا معنى لأنه غير ممكن عقلاً أو ديناً، ووجود الكفر من عدمه سيان، فهو لا يعطل مسيرة الكون ولا يزيد من فعاليتها أو ينقصها، لأن الله لم يخلق من ينكره.

ناهيك أنه قبل خلق البشر لم يكن هناك شئ اسمه الكفر، وهو ليس من الأسماء التي علمها الله لآدم لأنه لن يقول لآدم أنا غير موجود، ولو فرضنا جدلاً أن الله علم آدم اسم الكفر فهو ما يعني أنه لا وجود لا قبل آدم و لا بعد آدم ولا لآدم ذاته، فيكون هو العدم واللاشئ واللاوجود، وهو غير الحاصل في الوجود. وهو ما يعني أن الكفر معناه فناء كل الأشياء والرب و الكينونة جميعاً، لذلك تكون النتيجة المحتمة أنه لا شئ اسمه الكفر بالله، إلا إذا كان خللاً في تركيب المخلوق. أما لفظة كافر الواردة بالقرآن فلا تعني الكفر بالله إنما تعني المعصية بأوامر ونواه الإسلام وليس الله، ولا يعني غياب الإيمان بالله الخالق القدير داخل عقل المخلوق، ولا يعني غياب الرب عن الوجود.

هنا لابد أن يواجهنا من يقول أن للإيمان شرطين، الأول أن تؤمن بالله خالق الكون، والثاني أن تؤمن بنبي بعينه باعتباره المتحدث الرسمي باسم الرب، وأن هذا المتحدث باسمه هو سيد للآخرين يأمرهم ويتسلط عليهم ويقودهم حيث يرى، وهكذا فإن هذا الشرط الثاني يعني أن هناك شريكاً بشرياً في الإيمان بالله ما لم تقر به يطلقون عليك لقب (كافر)، حتى أن بعض هؤلاء الشركاء تعلو مكانتهم مكانة الرب الخالق نفسه، فبعض هذه الأديان تتسامح في سب الله لكنها لا تتسامح في سب هذا الشريك، وبعض الأديان أعطت الشريك البشري صفات تعلو على صفات الخالق ومن هنا ينشأ ما يسمونه الكفر بالخالق، وتكون المشكلة أفدح عندما يرث البعض عن هذا الشريك سيادته وقيادته للمجتمع، مشكلين طبقة كهنوتية لا علاقة لها بكفر ولا إيمان بل ببشر لهم أطماعهم ونزواتهم الدنيوية.

والمطالع لآيات القرآن الكريم سيجده يقر في آيات كثر بإيمان وثنيي مكة والجزيرة بالله الخالق مثلهم مثل اليهود والمسيحيين "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض سيقولون الله قل فأني تؤفكون"، وكفرهم يعني أنهم جعلوا بينهم وبين الله وساطة من الناس الصالحين التقاة يتشفعون للناس عند الله لأنهم الأطهر، وبمرور الوقت اقاموا لهذا الشفيع مقاماً وتمثالاً وتقدموا له بالدعوات ليرفعها لرب العالمين، لذلك أسماهم الله بالمشركين لأنهم أشركوا مع الله من هم دونه من خليقته، وأسماهم كفاراً لا بمعني الكفر بالله، لكن بمعنى الإيمان بكهنوت وقداسة لبعض البشر إضافة لإيمانهم بالله.

حتى الإنسان البدائي في وحشيته الأولى كان قلبه يستشعر وجود هذا الخالق ويعبر عن هذه المعرفة بالحب له والشكر والاعتراف بقدرته فيطلب منه ما يريد بالدعاء والتراتيل، وأطلق كل مجتمع بشري على الخالق اسماً، فتعددت الأسماء والرب واحد، ووصفه بقدر ما سمح له عقله وفكره وخياله، لذلك لم تعرف البشرية شعباً لم يتعبد ولم يُصل ولم يحج لمكان مقدس ولم يصم و لم يعرف الخير ويميزه عن الشر، وأن الخير يرضي الإله وأن الشر يبغضه.. بل أزيد هنا في القول ما لن يعجب البعض فأقول: إنه حتى إبليس لم يكن كافراً بالمعنى الرائج الآن في ثقافة المسلمين عن معنى الكفر، إنما كان من الكافرين بمعنى العصيان لا بمعنى عدم الاعتراف أو الإنكار، فهو يعرف ربه، وحاوره وتحدث معه، فهو لا ينكره، إنما هو قد عصاه، ومثله آدم أيضاً كان يعرف ربه ويحاوره ويتحدث معه ثم عصاه بدوره، الأول رفض السجود لآدم و الثاني أكل الثمرة المحرمة وكليهما يعرف الله ولا يكفر به، وكلاهما عصى أوامر الله على التساوي، وهنا يمكن قراءة الآية "كان من الكافرين" ليس بصيغة الجمع، لأنه لم يكن هناك كافرين آخرين حينذاك، وربما هي في صيغتها الأولى قبل التشكيل والتنقيط على يد أبي الأسود الدوؤلي، كانت بصيغة المثنى وهي الأكثر قبولاً واتساقاً مع الموقف، لأنه لم يكن في الوجود من عصى أمر ربه غير اثنين بلا ثالث هما إبليس وآدم، وما عدا ذلك فيما أخبرنا القرآن كان كل الخلق ملائكة وأجراماً وأفلاكاً تعبد الله وتطيعه وتسبحه وتسجد له. خاصة إذا ما أخذنا بالحسبان أن إبليس بعد عصيانه طلب من الله مد الأجل وأن يجعله من المنظرين.

ولا يعقل أن يطلب ذلك من ينكر وجود الله كفراً كما يشيعونها اليوم. وهنا ستنشأ مشكلة لأن إبليس عصى وعوقب بالتكفير، وآدم عصى ولم يعاقب ذات العقوبة، وهو ما يتنافى مع مفهومنا عن العدالة، وهو ما يحيلنا مرة أخرى لتأكيد أن الله لا يعمل وفق منطقنا وفهمنا إنما يعمل بمشيئته المطلقة التي يسلم بها المؤمن، لعدم إمكان تطابق العقل البشري مع العقل الإلهي.

حتى فرعون نفسه كان يؤمن بضرورة وجود إله، ولأنه لم ير أمامه في الدنيا من هو في سلطانه وقوته وقدرته وغناه، فقد رأي نفسه هذا الإله، لذلك دخل المباريات مع النبي موسى (ص) لإثبات قدرات إله كل منهما.

وإعمالاً لما سلف فإن العقل البشري لم يخلقه الرب لتصميم الأديان والملل والنحل والمذاهب والإفتاء، والدعوة إليه بالقهر وعدم الحكمة والموعظة الحسنة، وقد أثبت لنا التاريخ أن تدخل العقل البشري في منتج العقل الإلهي، أدي لإنقسام الأديان وظهور الفرق والمذاهب المتناحرة والمتحاربة والمتقاتلة، حتى قام الصراع بين أتباع الدين الواحد، وتكفير كل مذهب لغيره وكل دين لغيره، رغم إقرارهم جميعاً بوجود رب خالق واحد، وهو ما يعني أن كل هذا الصراع هو شأن بشري يتعلق بالبشر وأهوائهم وأطماعهم ومكاسبهم وتجارتهم بدين الله. ومنذ تم إقحام الدين في السياسة عانت البشرية من ويلات الحروب الدينية، وفي سبيل مكاسب الكاهن الواحد كان الملايين يموتون قتلى معتقدين أنهم يموتون في سبيل الله، بينما كانوا يموتون في سبيل المزيد من ضخ النعم الدنيوية لخزانة الكاهن أو رجل الدين.

والمؤمن الصادق هو من يعلم أن العقل البشري غير مصمم لإنتاج اديان، وعندما يفعل ذلك ينكشف ويتعرى ويقدم بدعاً لا ديناً، ويعلم ان الدين شأن إلهي لا دخل للبشر فيه ولا إرادة لهم في صنعه. ويعلم أن عقلنا البشري هو للإعمار وليس لإقامة الأديان والإرتزاق منها. ولأن العقل البشري غير مؤهل لذلك لزم إبعاده عن الدين وإبعاد الدين عنه، بالتخلي التام عن وسائط الكهنة والمشتغلين بالدين من البشر.

وهكذا فإن وحدة الرب ووحدة الإنسانية تحتم وحدة الدين الذي هو علاقة خالصة بين الخالق والمخلوق الذين هما عنصرا الإيمان، ومن هنا فإن ما جاء في صحف إبراهيم هو ما جاء في ألواح موسى هو ما جاء في بقية التوراة، وفي المزامير، وهو ما جاء في القرآن، والاختلاف بينهم اختلاف سببه زمان كل دين ولغته ومستواه المعرفي ومعارف ناس ذلك الزمان وعاداتهم وتقاليدهم وظروف بيئتهم التي يجب أن يتناسب معها ليكون مفهوماً، وما عدا ذلك فكلها تتفق على معان أساسية، توحد أكثر مما تفرق، لكنها مرة أخرى مشيئة العقل الإلهي الذي أراد هذا التعدد ليجعلنا شعوباً وقبائل وأمماً لنتعارف وليس لنتحارب ويقتل بعضنا بعضاً، بتهمة لم تكن في القاموس المفهومي للدين، تهمة الكفر.

 
كاتب ومفكر مصري
البريد الالكتروني:

 

 

 

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.