Untitled 1

 

2018/1/18 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :13/4/2010 2:35 PM

ماذا يعلمونهم في المساجد؟

 

زينب رشيد

حتى وقت قريب كانت والدتي اذا ما أرادت أن تقسم يمينا، فلا يعجبها إلا أن تقسم برأس جارتنا "المسيحية" أم حنا، حيث كانت أم حنا وهي المسيحية الوحيدة في الحي الأقرب الى قلب والدتي بين كل جاراتنا، فلا يعجب والدتي إلا الذهاب الى بيت أم حنا والجلوس هناك لساعات طويلة، وكلما لا أجد والدتي في المنزل وأسأل أختي عنها تقول لي جازمة من المؤكد انها عند "حبيبة قلبها" أم حنا، يشتركان سوية بكل أعمال الطبخ من تنظيف الخضراوات والدجاج واللحوم وتجهيزها، ويذهبان للتسوق سوية، ومن البديهي القول انهن يشتركان في النميمة على كل نساء الحي.

أختي بدورها كان وجهها باسما في كل الأوقات، تمزح وتطلق النكات، تحب سماع الموسيقى ومشاهدة المسلسل التلفزيوني اليومي، تتباهى بشعرها الطويل الناعم، ولا تتردد بأن ترقص في الأفراح العائلية أمام بنات العائلة وصديقاتها، بل انها تسارع الى ذلك باختيال فيما لو طلبن صديقاتها منها أن ترقص.

ابن عمي كان يتردد علينا دائما يلقي علينا تحية جماعية أولا ثم يصافحني واخواتي ولا يتردد أن يقبل جباهنا تكريما، شاب يحب ارتداء الملابس الأنيقة، يبذل ما باستطاعته لكي يظهر بأفضل صورة، يهوى العطور وكان يقتني أفضل الماركات، يعتني جيدا بأسنانه ويفاخر دائما بنوع المعجون غالي الثمن الذي يستعمله، كل هذا اضافة الى قلبه الطيب الذي اتسع لمجموعة متنوعة وكبيرة من الاصدقاء والمحبين، يساعده في ذلك بسمة لا تفارق محياه أبدا.

صديقتي، صديقة الطفولة والدراسة كنت أنا الأقرب الى قلبها، وهي كذلك ومازالت بالنسبة لي، دائما تقول لي انها لا تستطيع أن يمر يوما عليها بدون أن تجالسني ساعة على الأقل، فأنا بالنسبة لها مخزن أسرارها، لا تُخفي شاردة وواردة تمر بها إلا وتقولها لي طالبة رأيي بها، وغالبا ما كانت تأخذ بالرأي الذي أقدمه لها، فان مر يوما ولم نلتقي لظروف قاهرة فهذا يعني اننا سنقضي ساعتين أو ثلاث على الأقل على الهاتف، واعتادت من وقت لآخر أن تهديني ديوان شعر، أو زجاجة عطر، أو ثيابا نسائية جميلة وكنت دائما أقابلها بالمثل.

كل هذا وأجمل منه كان قبل ارتياد والدتي للمسجد للصلاة هناك، ولاحقا المكوث في المسجد بعد الصلاة وخصوصا بعد صلاة العصر لسماع درس ديني يُبين فيه رجل دين لها ولغيرها من نساء الحي والأحياء المجاورة الحلال والحرام، مع أنهم دائما يرددون أن الحلال بيًن والحرام بيًن، وكل هذا واجمل منه كان قبل أن تتحجب أختي بعد "نصائح" متكررة من صديقة لها ومرافقتها لها لاحقا للاستماع لدروس دينية في مسجد بعينه، وكل هذا وأجمل منه كان قبل أن يُرخي ابن عمي لحيته بعد تردده على المسجد للصلاة، وكل هذا وأجمل منه كان قبل أن تتنقب صديقتي وتصبح من "الصالحات".

أصبحت والدتي لا تطيق رؤية جارتنا أم حنا، ويتعكر صفوها لمجرد ذكر اسمها، وان خرجت من البيت قاصدة المسجد أو أي مكان آخر تحث الخطى سريعا حتى لا تحصل المصادفة وتلتقي مع أم حنا، وتطالبني بان أنسى سيرتها فيما لو سألتها لماذا توقفتي عن زيارتها، وكلما ذكرتها أمامها أسمعها تردد الحمدلله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. كانت أمي دائما ترفع صوتها قليلا في الآية الأخيرة بقصد اسماعي وايصال رسالة لي، وأية رسالة؟

غابت البسمة عن وجه أختي، وتحول مُزاحها الدائم الى جدية مصطنعة، واستبدلت النكات الجميلة بنصائح سمجة وثقيلة لكل من تقابلها وأنا أولهن بوصفي أختها التي تراها أغلب الاوقات، أصبحت الموسيقا بالنسبة لها من مزامير الشيطان، والمسلسل اليومي كله اختلاط لا ضرورة تبيحه اطلاقا، والناظر اليه شريكا في ارتكاب المنكر، وأصبحت تُسارع الى اخفاء شعرة من شعرها يبدو انها اختنقت من الحجاب واحتاجت بعض الهواء، وان اضطرت لحضور فرح عائلي فانها تنزوي على نفسها في احدى زوايا المكان، واذا ما ذكرتها احداهن بالأيام الخوالي ورقصها الجميل تمتمت أستغفر الله أستغفر الله وأتوب اليك من كل ذنب عظيم، ولا أعلم أين هو الذنب العظيم الذي اقترفته أختي.

ابن عمي أصبح يطل علينا في العيدين فقط، يلقي السلام على الجميع عن بعد، متجهم الوجه، لم يعد يصافحنا باليد، ربما لأنه تذكر الأن أننا من غير المحرمات شرعا له ولم يبقى في باله تجاهنا إلا هذه الأحاسيس المريضة، وربما لأنه وكما يقول في حالة وضوء دائم، لحيته الكثة قاربت الوصول الى بطنه، يرتدي دشداشة قصيرة و "شبشبا".

يضع كحلا في عيناه، ويتباهى بزجاجة صغيرة من زيت العود والعنبر الأسود عادة ما تكون من النوع المغشوش الذي يبيعه زملاء له على باب المسجد، ويقضي الدقائق التي يجلسها يلوك سواكا بأسنانه ربما حتى المخبر لا يستطيع أن يحصي كمية البكتريا التي يحملها ذاك السواك، ولا يتردد بالقاء نظرات غير بريئة تجاهنا كلما أحس أن لا أحد ينظر اليه.

بقيت صديقتي التي غابت عني بعد أن تنقبت ولم أعد خازنة أسرارها، ورأيي أنا هو آخر ما يعنيها في هذه الدنيا، جاءتني بعد النقاب مرة واحدة لتقدم لي بعض الكتب الوعظية الرخيصة من غرار تلك الكتب المعنونة بتعلم أي لغة في خمسة أيام أو كيف أصبح مليونيرة في خمسة أيام، وكيف أدخل الجنة في خمسة أيام، وكيف أنجو من القبر وعذابه، حيث قدمت لي كتيب عذاب القبر وثعبانه الأقرع وملكاه اللذان يحضران مع ملفي الشخصي.

عودة الى والدتي التي دائما ما تقول لي ان كل شيئ جميل لدي، أخلاقي، روح التعاون، مثابرتي في عملي وكل شيئ آخر ما عدا شيئا واحدا وأصبح "كاملة مكملة" كما تقول، وهو انني يجب أن أذهب معها للمسجد للصلاة هناك وحضور دروس الدين. في كل مرة أثناء حديثها معي بهذا الخصوص تحضرني كل تلك التقلبات التي حصلت لها ولأختي ولابن عمي ولصديقتي، فأجيبها مازحة، ما أخشاه يا أمي، انه اذا توفر هذا الشيئ فاني سأفقد كل تلك الأشياء الجميلة مثار فخرك بي، تتركني وتبتعد فيما السؤال يظل يلح عليً، تُرى ماذا يعلمونهم وماذ يقولون لهم في المساجد ودروسها الدينية؟

 
كاتبة فلسطينية
البريد الالكتروني: zena1903@hotmail.com

 

 

 

1 - رد وتصحيح
عبدالله عبدالرحمن | 2/6/2010 ,1:04 PM
ان كان ماتذكرينه صحيحا بعيدا عن المبالغات فان هذا مخالف لوصايا لرسول الكريم ولطريقته فالرسول الكريم استوصى بالنصارى واهل الكتاب عموما خيرا وجعل اذيتهم من اذيته شخصيا وقد سمح الرسول الكريم لوفد نجران النصراني بالاقامة في مسجده واقامة قداسهم فيه وكتب الى ولايه في اليمن ان مرمة ـ صيانة ـ كنائس وكنس اهل الكتاب من مال بيت المسلمين ان الالتزام الديني الحقيقي لا يعني انني اصبح عدوا لاهلي او جيراني ومن خالفني في المعتقد انه فهم خاطيء للدين والتدين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.