Untitled 1

 

2018/6/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :27/8/2010 6:40 PM

البدو والإسلام (1)

 

علي الخليفي

الأعْرَابُ أشَدُّ كُفْراً ونِفَاقاً وأجْدَرُ أَلأ يَعْلَمُواْ حُدُودَ ما أَنَزَلَ اللهُ على رَسُولِه

مهما كانت عظمة النص وأياً كان مصدره، سواء كان نصاً إلهياً أم بشرياً، سيتحول إلي وصايا وتعاليم تافهة إذا ما تم تناوله من قِبل عُقول صغيرة ومحدودة التفكير. وهذا ما حدث تماماً مع النص القرآني. لم يكن النص القرآني يحتوي على أكثر من ثلاث وصايا رئيسيه هي نفسها ذات الوصايا المتكررة التي دأبت السماء، ومند بدء الخليقة، على تكرار تذكير أبناء آدم بها.

هذه الوصايا تحددت في ثلاث نقاط رئيسية هي أن لهذا الكون إلها واحداً، وأنه يوجد بعد هذه الحياة حياة أُخرى لا يعلم أحداً كنهها، وأن هذه الدنيا هي ممر العبور إلي تلك الحياة ولذا على الإنسان أن يحيا حياته الدنيا هذه بسلام مع الّذين يشاركونه هذه الأرض كشرط لينعم بالسلام في حياته الأبدية. مختصر الرسالة التي ترسلها السماء كان دائما حثُ الإنسان على أن يكون عضواً نافعاً في مجتمعه الإنساني، وأن يتعلم كيف يتقاسم مع بني جنسه مهام إعمار هذه الأرض بغض النظر عن عِرقهم أو دينهم أو معتقدهم.

النص في حد ذاته لا يمتلك أية قوة سحرية لتحقيق السلام على الأرض بقول "كن فيكون". وكل ما يستطيعه هو أن يزرع السلام داخل النفس الإنسانية لينعكس ذلك في مسيرة هذه النفس ولِتُجسِّدَه واقعاً على الأرض. فالنص لا يمتلك أية قدرة على الفعل، فهو ليس تعويذة سحرية. القدرة على الفعل مرهونة بالمتلقي لذلك النص، وطريقة تناوله للنص، وترجمته لتعاليمه في تعاملاته مع بقية شركائه في هذه الارض.

المتلقي لا يستطيع تناول النص بمعزل عن كل الموروثات التي شكلت كيانه الانساني وبمعزل عن بيئته. وهنا تكمن مأساة النص القراني الذي كان المتلقي له مجموعة من الإعراب البدو الّذين لم يكن لهم أيُ حظ من حضارة، ولم يكن لهم في تاريخهم القصير أي إرث معرفي يُمكّنهم من الإرتقاء بأنفسهم إلي مصاف الأمم المتحضرة ليدركوا ضرورات التعايش مع الآخر وتقبّله. لم يستطع النص القرآني بكل تعاليمه التي تحثّ على السلام أن تزرع السلام في نفس أولئك الهمج البدو. بل، على العكس، لقد استطاع أولئك البدو حقن النص القرآني بموروثاتهم وجهالاتهم حتى تحول إلى أشبه ما يكون بنصّ يعكس تخلّف أولئك البدو ويحاول أن يشرعِنَ قيَمهم الفاسدة التي قامت على الغزو والقتل والنهب وسفك الدماء والجنس ليجعل منها نصاً مقدساً يكون جزاء الخارج عنه اللعنة في الدنيا والآخرة. .

لقد جاء النص القرآني لإخراج البدو من عزلتهم عن الأمم المُحيطة بهم وربطهم بالعالم، وليكون حلقة وصل تَصِلُهم بحضارات الأمم التي سبقتهم، ولكن النتيجة كانت معاكسة تماماً. فقد نجح البدو في عزل النص القرآني عن محيطه، وقولبته وإخضاعه لمفاهيمهم عن الحياة والعالم من حولهم، وعَجز القران عن إعادة تشكيل وعيهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم.

هذه التجمعات من الشراذم البدوية، والتي لا ترتقي في طبيعة تكوينها لتكون مجتمعات إنسانية، بل هي أقرب ما تكون الي تجمّعات لمخلوقات خائفة ومرعوبة من الحياة حولها، مما جعلها تعزل نفسها بعيداً عن الدنيا وراء كثبان الرمال وتقبل التعايش مع أهل الخفاء وتنسج لنفسها ميراثاً من الأساطير التي اخترعتها عقولها البائسة حتى تبرّر لنفسها الإستمرار في حياة العزلة التي فرضتها على أنفسها أو فرضها عليها طبيعة تكوينها التي ينتصب أمامها الكثير والكثير من علامات الإستفهام والتشكك.

فلقد اعتاد الإنسان، ومند ظهوره على وجه الدنيا، أن يقيم مجتمعاته على ضفاف الأنهار وفي أماكن توافر الماء والكلأ، بعكس هذا التجمع البدوي الذي ذهب أسلافه بعيداً في بحار الرمال مما يدعم الشكوك حول أؤلئك الاسلاف الذين أسسوا هذه التجمعات في كونهم طريدي عدالة ذلك الزمن، أو في أقل الأحوال إنهم ليسوا سوى مجموعة من قطاع الطرق واللصوص الذين نبذتهم المجتمعات المتحضرة وطاردتهم ليدفنوا في بحر الرمل!

القيم المُنحطة التي تبنتها هذه التجمعات تؤيد هذا المذهب. فحتى بعد أن كبرت هذه التجمعات وصار لها ما يشبه الحياة الإنسانية، ظلت محتفظة بقيم اللصوص وقطاع الطرق، وظلت حياتها تُبنى على الغزو والنهب والسلب والسبي والإستعباد. بل إنها عكست قيمها على كل ما وصلها عبر الصحراء من قيم دينية وحضارية للمجتمعات الإنسانية من حولها. فسخّرت كل ذلك لترسخ القيمتين الأساسيتين اللتين بنت عليهما حياتها وهما: الدم والجنس. وانعكس ذلك في حفلات العُري والجنس العلني الذي جعلوا منه ديناً لهم يمارسونه حول بيت ربهم.

لذا كان مصير الإسلام نفس مصير الأديان السابقة التي وصلت الي تلك التجمعات. لقد تم تحويل وصايا الإسلام وتحريف النص القرآني ليصير شرائع تُجسّد قيم تجمعات البدو اللصوص فانتشروا في بقاع الارض يزرعون الدمار والخراب ويغتصبون أوطان الآخرين، ويحولون أهلها إلي إماء وعبيد ومُلك يمين. والفاجعة أنهم، في هذه المرة، يفعلون ذلك باسم إله قالو إنه أذلّ لهم رقاب العالمين وجعلهم مطية لشهواتهم المكبوتة!

تَجمعات البدو التي ظلت لقرون طويلة محبوسة في قمقم الرمال تجتر أكاذيب اخترعتها لتعوّض بها حالة البؤس التي كانت تعيشها، أكاذيب عن قيم نبيلة وقيم فروسية لم تعرفها أبداً. ولكنَ حال تلك التجمعات في عزلتها كحال ذاك الذي خلا بأرض فطاب له الطِعان والقتال. وهم في خلوتهم المريرة تلك أنفقوا أعمارهم في صياغة القصائد والأشعار والأساطير التي يحاولون بها تعويض نقصهم، وذلك بأن ينسبوا لأنفسهم الخيرية والأفضلية والتميز عن كل البشر. فإحتكروا كل القيم النبيلة. فهم أكرم الناس وأعفُ الناس وأشجع الناس. وإن كان واقعهم المزري يُُكذب أقاويلهم. فشجاعتهم المزعومة خانتهم حتى في الدفاع عن قدس أقداسهم.. بيت ربهم! ففروا الي شواهق الجبال وأوكلو للطير أمر الدفاع عن حرماتهم!

جاء الإسلام ونزلت تعاليم السماء على أولئك البدو إشفاقاً عليهم من وضعهم المُزري. لكنَّ قاطع الطريق واللص الذي يعشش في أعماق أولئك البدو لم يستطع أن يتخلى عن لصوصيته، فسرق تعاليم السماء وجيّرها لنفسه ليخرج متسلحاً بها من قمقمه الرملي منطلقاً إلى ما جاوره من الأرض حيث نمت وازدهرت أعظم حضارات الإنسان. وبدلاً من أن تحتويه تلك الحضارات، وتهذّب طبائعه الفاسدة، وتمدّن نفسيته المتخلفة، وتساعده في التخلص من إرثه الإجرامي، حدث العكس تماماً. واستطاع أولئك البدو أن يهدموا قيم الحضارة الإنسانية ويوقفوا حركة نموها ويصادروا عقول أهلها، مسلّحين ليس فقط بالسيف بل بكتاب قالوا إنه كتاب ربهم. كتاب لا تزال أثار دماء غدرهم بخليفتهم الذي جمعه لهم تصرخ على صفحاته.

انطلق البدو نحو البلاد التي أسّست لحضارة الكون. فاجتاحوا العراق، "بابل"، بكل إرثه التاريخي، وانعطفوا على الشام وأرض الأقباط، ووصلوا الى شعوب الشمال الإفريقي، بل جاوزوها إلي أرض أسبانيا، يقتلون ويسرقون ويسبون ويُخصون العباد، "بأمر ربهم" كما قالوا. "بأمر ربهم" يحرّمون ويحلّلون ويسمّرون العقل الإنساني ويحنّطونه. فالشعر حرام، والغناء حرام، والرسم حرام، والصور حرام، والفلسفة حرام، واستعمال العقل هو أكبر المُحرمات. صاغوا للناس نموذجاً لجدهم قاطع الطريق الذي أسّس كيانهم في البدء، وأجبروا أمم الأرض أن تعترف لهم بأفضلية قاطع الطريق ذاك على كل البشر، وبأنهم هم أحفاده "خير الناس وأشرف الناس" مستندين إلى تأولهم للنص القرآني. وما عجز النص عن استيعابه خلقوا له نصاً موازياً له أسموه وصايا الرسول الذي جاءهم بتعاليم السماء. فخرج علينا الي جانب النص القرآني نص آخر أعطوه إسم "الحديث" وجعلوا الإيمان لا يتحقق إلا بالإيمان بكتبه التي قالو إنها صحيحة ومن أنكر صحتها فقد خرج من الملة. رغم إنك إن تصفّحتها لا تجد فيها من الصحة إلا صحة وجه من كتبها وجرأته على الله ورسوله.

ضمّنوا هذه الكتب كل ما لم يستطيعوا تضمينه في النص القرآني من وصايا تخلّفهم وتعلّقهم بفقه الغائط والخراء والنكاح حتى تحولت وصايا السماء إلى أشبه ما تكون بكتب للجنس و"كتالوج" يشرح كيفية إستعمال المراحيض وبيوت الخلاء. تحول المجتمع "الإسلامي" إلي أشبه ما يكون بمجتمعات ألف ليلة وليلة، وصار تاريخ الإنسان يبدأ وينتهي بسيرة أسلافهم وأجدادهم الّدين هم خير القرون كما قالو لنا. فالإنسان وخلال تاريخه الطويل لم يؤسّس لنفسه أية فضائل. فالفضائل تبدأ وتنتهي بهم، ولم يبقى من مطمح للإنسان إلا أن يستنسخ نفسه ليكون نسخة مكررة من أسلافهم الخيّرين. فهو يجب أن يلبس مثلهم، ويأكل بذات اليد التي يأكلون بها، ويضاجع زوجته مثلهم. بل عليه أن يتغوّط ويتبوّل مثلهم، ويمسح مؤخرته على سنتهم، وإلا صار خارجاً عن الدين وحاقت عليه لعنة رب العالمين.

نجح البدو في نشر قيم اللصوصية وقطع الطريق المتوارثة عن أجدادهم، ونجحوا في عرقلة مسيرة الإنسان لأربعة عشر قرناً متواصلة توقّف فيها نمو كل الحضارات التي أسست لوجود الإنسان. واستطاع هؤلاء البدو الأجلاف نسخ تجمّعهم البدوي الغارق في الجاهلية وتعميمه بحيث تحوّل كل ما جاورهم من بلاد وشعوب إلى صورة طبق الأصل لشراذم أجدادهم اللصوص، وتحولت البقاع التي شهدت مولد حضارة الإنسان إلي قيعان رملية معزولة عن الدنيا يسودها ظلام الجهل والتخلف وتتبنى قيم النهب والسلب والقتل والسبي.

لم يحمل البدو الإسلام ولا وصايا السماء وتعاليم رسولها الي الأمم! بل حملاو لهم إرث بداوتهم البغيض واستطاعوا "بدونة " أكثر شعوب الأرض حضارة وتقدماً. والدعوات التي تتصاعد كل يوم من الشعوب المستعبدة بإسم الإسلام بالخلاص من الإسلام هي، في حقيقتها، دعوات للخلاص من البَدوَنة وقيم الإعراب الأجلاف وليس من الإسلام، لأن هذه الأمم لم يصلها الإسلام، ولم تتعرف عليه ابداً حتى تطالب بالخلاص منه.

هذه الدعوات دعوات محقة وعادلة، فلم تكن مُهمة أية شرائع إلهية إلا خلاص الإنسان. وإن كان خلاص الإنسان لا يتم إلا بالخلاص من هذه الشرائع المزوّرة، فعليه أن يتخلص منها ودون إبطاء. فالسماء لا تبحث عن إماء وعبيد وجواري وخصيان ليعبدوها. السماء لا تقبل طاعة العبد، وعلى العبد أن يحرر نفسه أولاً ثم يبحث عن كماليات سعادته في الدنيا باتباع الأديان لتعلمه الطريق لخلاصه في العالم الآخر.

لو كان ما أتى به البدو إلي الدنيا ديناً سماوياً لما احتاجوا إلي السيف والذبح لنشره. لكنهم تركوا الدين وراءهم مسمّراً على بيت ربهم الذي أحرقوه وقصفوه بالمنجنيقات وقطعوا عنقه عندما قطعوا عنق أحبة الرسول الذي جاءهم بهذا الدين.

لقد انتشر "الإسلام" بقوة السيف الحديدي وبقى في نفوس الشعوب المستعمرة بقوة الترهيب والتخويف من النيران وعذاب القبور والأهوال التي سبى بها البدو عقول الناس. حافظ "الإسلام" على بقائه معتمداً على نشر الجهل والتجهيل وتعطيل العقل الإنساني ومنعه من العمل إلا وفق مقتضى شرائع البدو.

ولكن الستار ينكشف الآن. فثورة المعلومات عطلت وسائل الرعب تلك، وتَحرّر عقل الإنسان، وصارت المعرفة مبذولة له وتقف عند طرف سبابته، ليكون الإنسان أمام خياراته وليحدد خياره الحر بعد أن تكسّرت سيوف الإعراب وفقدوا سلطانهم على رقاب العباد.

لقد استولى البدو على حياة الناس وعطلوا تقدمهم بقوة الحديد والنار في العصور الغابرة. والآن، وبفضل الأموال التي تجمعت في أيدي خَلفهم من السُفهاء، يحاولون إستكمال هذه الهجمة لإبقاء إرثهم المقيت مستغلين الوفرة المالية للسيطرة على "الميديا" واحتكار وسائل المعرفة الحديثة. إلا أنه من رأفة الله بعباده أنه لم يجعلهم صُناعاً لهذه التقنية بل مجرد مستخدمين لها، ومستخدمين فاشلين أيضاً، مما كفل الحق للآخر بالرد على جهالتهم وكشف أساطير أساطينهم وتبيان إفتراءتهم على الله ورسوله لأجل إقامة إمبراطوية الظلمات التي لا يستطيعون العيش إلا فيها.

لقد فضحت وسائط المعرفة الحديثه مدى تفاهة ما يسوّقون له، ونزعت القدسية عن هرطقات بُخاريهم ومُسلمهم، وكشفت أكاذيب الحكواتي "إبن عباس" الذي ملأ الكُتب بالأساطير المسروقة من الأمم الأخرى. وأظهر التقدم العلمي في علوم التاريخ والحفريات والأثار أنَّ هذا الحكواتي البائس لم تكن له أيةُ قدسية ولم تكن لأقاويله أية مرجعية سوى خيال مريض لإنسان بائس معطل العقل يتسلى بإمضاء عمره في التخرّصات التي مجّتها الأمم السابقة، مما يجعل الأخذ بها كأساس لتاريخ الأنسان هو نوع من السفه وقلة العقل الذي ينقضه العلم المبني على أدلة وبراهين ثابتة. وظهور أكاذيبه فيما رواه من السير المسروقة يجعلنا نسأل: هل هناك إنسان عاقل يأخذ دينه وتعاليم ربه عن حكواتي مُلفِّق وسارق لإرثٍ ازدرته الأمم التي صنعته؟ فهل آن الاوان لتستفيق الأمم المستعبدة والمستعمرة بقوانين وشرائع البدو المتخلفة؟ هل تستطيع سُبل المعرفة المتاحة الآن بيسر وسهولة، هل تستطيع أن تجعل عقول أبناء الأمم التي صنع أسلافها أسس حضارات الكون تعود للعمل من جديد وتنفض عنها وصاية تجمعات البدو المتخلفة لتعود لإستكمال بناء الحضارات التي أسسها أسلافهم العظماء ولتأخد موقعاً متقدماً بين أمم الأرض.. موقعاً يليق بإرثها الذّي لم تستطع كل هجمات البدو، على قسوتها، أن تمحوه من ذاكرة الدنيا؟

 
كاتب ليبي
البريد الالكتروني:

 

 

 

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.