Untitled 1

 

2018/6/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :31/8/2010 7:11 PM

البدو والإسلام (2)

 

علي الخليفي

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا

لم يؤمن البدو ولن يؤمنوا، فأنّى لفاقد الشيء أن يعطيه. لقد عجز الإيمان عن أن يلامس قلوب البدو الغُلف، فأنّى لتلك القُلوب الخاليه من الإيمان أن تمنح الإيمان للآخرين. طبيعة التكوين النفسي والعقلي للبدوي المحكومة بظروف نشأته وتكوّن تجمعاته البدوية، تلك الطبيعة تجعله عاجزاً عن إدراك جوهر الإيمان. فجوهر الإيمان هو المحبة، وهذه المُفردة لم يعرفها البدوي ولم تكن ضمن مفردات قاموسه طوال تاريخه القائم على الأحقاد والضغائن والثارات.

جوهر الإيمان يقوم على البدل والعطاء دون إنتظار الجزاء، وطبائع البدو تقوم على الأخذ وبأي وسيلة، أكانت نهباً أم سلباً أم اغتصاباً. جوهر الإيمان يقوم على المساواة التي تحقق علاقة الندّية مع الآخر، وطبائع البدو تقوم على التفاخر وعلى الأوهام، التي تراكمت عبر موروثهم الاسطوري، عن أفضليتهم على كل الخلائق. فالبدوي لايعرف الندّية في علاقاته مع الآخر. فإما أن يكون له الصدر أو القبر. إما أن يخضع أو يُخضِع.

لم يتقبل البدو رسالة السماء بل خضعوا لها، بعد أن بدلو كل ما بوسعهم في مقاومتها. حتى تم الإخضاع النهائي لهم بعد رحيل صاحب الرسالة فيما عرف بـ"حروب الردة" على يد صناديد قريش الّذين سخّروا هذه الرسالة ليجعلوا من أنفسهم ملوكاً على من حولهم من قبائل البدو.

قبل أن يجف تراب قبر صاحب الرسالة تم إسقاط الدعامة الرئيسية التي قامت عليها هذه رسالته، وذلك عندما احتكرت قريش مهام الإمارة والسلطان على كل من يعتنق هذا الدين وأقرت مبدأ أن الإمارة لا تكون إلا لـ"قرشي"، وهو ما يخالف روح هذه الرسالة التي جاءت للمساواة بين الناس، حرهم وعبدهم، وتوحيدهم في العبوديه لله وحده وإنهاء التفاضل بينهم بالعرق والجنس، وجعل التفاضل قائماً على أساس واحد وهو مدى تفهمهم لرسالة السماء.

نتج عن خضوع قبائل البدو للتعاليم الجديدة تعطّل حياة البدو القائمة فقط على الغزو. فالبدوي لا يجيد شيئاً غير القتل والنهب والسلب، وهذه هي الدعائم التي قام عليها كيانه مند تأسس. ولأن التعاليم الجديدة حرّمت عليه هذه الممارسات، فلم يعد أمامه إلا أن يتحول إلى شحّاذ على أبواب أمراء قريش ليستجدي ما يقيم به أوده من الأموال التي تُجبى منه وتُراكم فيما سميّ ببيت مال المسلمين، ليُعطى أو ليُمنع بحسب رؤية أمراء قريش وتقييمهم لمدى إيمانه وتسليمه لهم ولسلطانهم.

البدو لا يستطيعون العيش دون حياة الغزو. وهذا ما أدركه أمراء الدولة القرشية التي قامت بعد وفاة صاحب الرسالة. فكان لزاماً عليهم إشباع هذه الرغبة المتأصلة فيهم حتى لا تنقلب إلى ثورة على حكم القرشيين. فزوّروا وصايا السماء وجندوا هؤلاء البدو تحت رايات ما عرف بـ"الجهاد"، وتم توجيههم إلي الأمم الأخرى بدعوى نشر رسالة السماء.

إنفتحت أعين البدو على عوالم جديدة لم يكونوا يعرفون عنها إلا القليل مما يحدثهم به الركبان وتجار القوافل. وصارت تلك المدائن التي كان سادتهم يقصدونها لمدح ملوكها وإستجداء عطاياهم وتقديم فروض الطاعة لهم أهدافاً لهجماتهم وغزواتهم. وهو ما استساغه البدوي ووجده موافقاً لطبائعه. فعِوضاً عن غزو قبائل الصحراء لبعضها البعض والتدابح لأجل ناقةٍ جرباء وحفناتٍ من التمر اليابس، صار أمامهم هدف أكبر. مدائن تغص خزائنها بالذهب والجواهر. أبنية وقصور. نساء حسناوات. أعداد أكبر من العبيد والغلّمان. حياة جديدة لا عهد لهم بها، وقدسيه لذاتهم المريضة تُفرض على الأمم الأُخرى على أنها أوامر الله.

عندها فقط لم يعد البدوي يثور على التعاليم الجديدة، وعندها فقط اعتنق رسالة السماء بعد أن حوّر فيها وأضاف اليها وألغى منها بحسب هواه، ليُكسب همجيته رداء القدسية، وليجعل من نزواته أوامر إلهية، وليُشَرعِن كل موبقاته التي عاش عليها قبل الإسلام ويحولها إلى شريعة ثابتة تمنحه وحده الحق في خلافة هذه الأرض وتُحوّل ما عداه ممن ينتسبون للأمم الأخرى إلى مُجرد "كمبارس" لم يخلقهم الله إلا لتمجيد السيد العربي، والتسبيح بحمده، والتأسي به في أقواله وأفعاله.

الفرق الوحيد الّذي أحدثه رسالة السماء في حياة البدو هو أنهم صاروا يمارسون كل موبقاتهم بإسم الله. بإسم الله يذبحون، وبإسمه يغتصبون، وبإسمه يستعبدون العبا، وبإسمه يأكلون أموال الناس بالباطل. وهم في كل فعلهم هذا لا يبتغون إلا مرضاة الله! يذبحون النّاس ويتقربون بدمائهم لله! يغتصبون أوطانهم ويحملون خيراتها إلي ديار خلفائهم، الذين يتصدّقون عليهم بالفتات مما نهبوا. يستعبدون الناس ويحوّلونهم إلي إماء وعبيد تم يتفضلون عليهم بعتقهم، تكفيراً عن سيئاتهم الكثيرة، ويسطرون في كتبهم فضائلهم تلك التي جعلتهم "خير أمة أُخرجت للنّاس"!

تحولت الرسالة التي أنزلتها السماء لتحطم الأصنام الحجرية إلي شريعة تخلق أصناماً آدمية. حطّم صاحب الرسالة أصنام البدو الحجرية ليحرّر أرواحهم التي حُبست رعُباً داخل تلك الأحجار. لكن تعلق البدوي بأصنامه وأوثانه جعل أرواح تلك الأوثان والأصنام تحلُ فيه، ليتحول هو نفسه إلى وثن وصنم يعبد من دون الله، وليصير أكبر مُصدّر للأصنام إلى الأمم الأخرى. فحوّل صاحب الرسالة إلي صنم. وحوّل قرآنه إلي صنم, وصحابته إلى أصنام. وابتكر منظومة كهنوتية لا تقول فقط بشغل الكاهن للكرسي الرسولي كما في المسيحية، بل تقول بشغل الكاهن (الفقيه) لكرسي الله ذاته. ولم تتوقف هذه المنظومة الكهنوتية عن تفريخ الأصنام حتى يوم النّاس هذا.

المُتصفح لما يسمى بكتب "المغازي الإسلامية"، التي دوّنت، ودون حياء، كل انتهاكات البدو لآدمية الإنسان في فخر وخيلاء تدل على النفسية الإرهابية لأولئك البدو ونزوعهم الفطري لرائحة الدم، ما جعلهم يدونون تلك المغازي التي تستحق وبكل جدارة أن تحمل إسم المخازي وليس المغازي لما فيها من صفحات مُشبعة بالدم، ولما يضج بين سطورها من صرخات الأنفس المستعبدة والأرواح التي تم إخصائها بإسم الإله الحق.

المُتصفح لتلك المخازي يخرج بنتيجة واحدة، وهي أن البشرية وخلال تاريخها الطويل لم تعرف إستعماراً أكثر بشاعة من الإستعمار العربي. فكل إستعمار كان يقتصر على إستعمار الأجساد فقط. أما إستعمار البدو فقد إستعمر الأرواح والأجساد معاً، مما جعل هذه الأمم غير قادرة على الخلاص منه حتى بعد تقلص سلطانه وسقوط دولته. ظلت الأمم المُستعبدة، وحتى اليوم، تحفظ الولاء والطاعة لمُستعمرها، بل وتعتز بالإنتساب اليه، وتريد أن تفقأ عين كل من يذكّرها بواقعها المزري الذي أورثها أياه إستعمارهم اللعين. فهذه الشعوب التي تقبع في دُرك الجهل والجهالة الذي وصلت اليه بسبب تعلّقها بتعاليم البدو التي تقدس الجهل، هذه الأمم ترفض أن تفتح أبصارها لترى واقعها، وترفض أن تقرأ تاريخ أولئك البدو الذي سطرته أيديهم ليكون شهادة تديّنهم إلي أخر الزمان.

ترفض هذه الأمم أن تنفض عن عقولها سحابة الغبار التي اثارتها حوافر خيول البدو الغزاة حتى تستطيع قراءة ميراثهم المخزي بعقول واعية. لو تصفح أبناء الأمم المُستعمرة والمُستعبدة هذا الميراث، لما وجدوا فيه شيئاً يجعلهم يتشبّثون بالإنتساب إلي تلك القبائل المتخلفة، ولنبشوا في تاريخ حضاراتهم القديمة التي تأسست قبل مجئ طوفان القُمل والضفادع والجراد لديارهم، ليستعيدوا إيمانهم المفقود بأنفسهم.

نزلت رسالة السماء بالتوحيد لإله واحد تقف أمامه كل الخلائق على قدم المساوة. وجاءالبدو إلينا برسالة مُزوّرة تأمر الخلق بالتوحيد لذواتهم النرجسية المريضة التي جعلتهم يشطبون بجرة قلم كل ميراث الإنسانية، ويجعلون من أنفسهم المُبتدأ والمنتهى لتاريخ حياة الإنسان فوق هذا الكوكب. بل حتى قبل أن يهبط الإنسان إلى هذا الكوكب بحسب زعمهم. فآدم نفسه كان في جنّته يتحدث بلسانهم العربي المبين، وعندما أخطأ استغفر ربه بسجع عربي مبين، وعندما هبط للأرض غازل حواءه بكلمات عربيةٍ فصيحة، بل ورثى إبنه بأبيات من شعر العرب المُقفّى.

ويوم تنقضي الحياة ويفوز من يفوز بالجنّة، سيجد أن لغة أهلها هي لغة العرب. فلا شيء كان قبل العرب، ولا شيء سيكون بعدهم. فحتى الله نفسه لا يفهم إلا لغتهم العربيه المبينة. ولذا كان على من يعتنق الإسلام من غير العرب أن يتعلم من لغتهم ولو القليل من الآيات حتى يستطيع مخاطبة ربه في صلاته ليفهم عليه. حتى وإن كان هذا العابد نفسه لا يفهم كلمة واحدة من الخطاب الذي يوجهه لمعبوده.

أرسلت السماء رسُلها لتبليغ رسالة محبة من إله هذا الكون إلي عياله، ولتهديهم إلي طريق يوصلهم إلي العيش في سلام مع أنفسهم ومع من حولهم. فتحولت تلك الرسالة إلي نقمة وعذاب على كل مكان حلّت به.

ونعود إلي كتب مخازيهم لننبش فيها عن سطر واحد، كلمة واحدة، يتحدث فيها من كَتبها عن فرح البدو بهداية الأمم التي غزوا ديارهم، أو عن مدى اكثراتهم بإيمان تلك الأمم، أو عن النعيم الذي حل بديار تلك الأمم باتباعها لإسلام البداوة، ولن نجد شيئاً. لن نجد إلا إحصائيات عن تعداد القتلى والجرحى، ووصفٍ يتشفى من المدن المُخرّبة والمحروقة، والحصون والقلاع المُدمرة والمُهدمة. لن نجد إلا قوائم بأعداد العبيد والإماء الّذين عاد بهم البدوي على ظهر نياقه إلي دياره. لن نجد إلا الحديث عن أعداد النوق التي حملت الغنائم، والتطاحن حول قِسمتها. هذا كل ما اهتمت به كتب المخازي في سردها لغزوات الغُزاة.

أما الهداية ورسالة السماء التي باسمها استحلّوا أوطان النّاس وأعراضهم، فلن تجد لها ذكراً في كتب مخازيهم .لكنك ستجد التبجح والكذب والإدعاء بسماحة وعفة أولئك البدو، وتفضلهم على شُعوب البلدان التي غزوها بأنهم لم يذبحوهم مباشرةً بل تكرموا عليهم بأن خيروهم بين الخيارات الثلاث الشهيرة في تاريخهم. وهي إما الإسلام، أو الجزية أوالذبح. ثلاث خيارات للموت. أن يُجبر الإنسان على أن يُبدل دينه ويعتنق دين مستعمره موت. أن يدفع الإنسان الجزية لمحتلّ بلده وهو صاغر موت. وخير هذه الميتات أن يموت الإنسان مدافعاً عمّا يؤمن به. خير تلك الخيارات أن يُقتل الإنسان دون ماله وعرضه ووطنه، وإن كان سيحسب في شريعة البدو في خانة أعداء الله. لكن أيُ إله؟ إنه إله البدو الأعراب الّذي أباح لهم دماء الناس وأعراضهم. إنه إله البدو فقط، وليس الله رب العالمين!

مصيبة الأمم التي ابتليت بهذا الإستعمار العربي أنها بلغت حداً من العبودية لذلك السيّد العربي جعلها تمتهن أنفسها، وتاريخ حضارتها. مصيبتها أن ميراث السيّد العربي الثقيل لا يزال ينؤ بكلكله على صدور أبنائها. مصيبتها العظمى أن ميراث السيد العربي المُلطّخ بالدماء صار ميراثاً إلهياً يعدُّ المساسُ به مسّاً بذات الله، والكفر بذلك السيّد العربي كفراً بالله.

مصيبة هذه الأمم أنها تعبد ذلك البدوي المتخلف وتظن أنها تعبد الله، وتدين بشرائع البدو وتظن أنها تدين بدين الله. فصار التخلّف والجهل ديناً لها تفاخر به الأمم، بل وتدعوهم اليه لخلق المزيد من النماذج المماثلة لها، نماذج مُعاقة ومُعيقة لرسالة السماء في الإعمار والنماء والتقدم.

 
كاتب ليبي
البريد الالكتروني:

 

 

 

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.