Untitled 1

 

2018/1/18 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :12/9/2010 9:08 PM

نعم أنا فلسطينية

 

زينب رشيد

يصلني يوميا عدد من الرسائل على بريدي الالكتروني يتمحور العديد منها في السؤال عن جنسيتي وهل فعلا أنا فلسطينية أم لا، اضافة الى أسئلة أخرى أغلبها ذات طابع شخصي، مثل أين تقيمين؟ في الضفة أم في القطاع أم في دول الشتات؟ وماذا تعملي؟ وكيف تعيشي؟ وغيرها من هذه الأسئلة.

من الواضح ان كل تلك الأسئلة و غيرها، لا علاقة لها بما أكتب بتاتا، فالتركيز يجب أن ينصب على الموضوع وليس على شخص من يكتب، ومن المفترض ان الاجابة على بعضها أو كلها لا تشكل عاملا ولو بسيطا في تغيير قناعات، أو مواقف المتلقي، من مجمل القضايا الدينية والسياسية والاجتماعية التي أطرحها فيما أكتب.

لكن، وبصراحة فان كثيرا من المواقف التي طرحتها تستدعي من المتلقي العربي، ولكوني فلسطينية، العديد من اشارات التعجب والدهشة والاستفهام، وما يثير كل هذا، هو موقف الفلسطينيين -بغالبيتهم العظمى- السلبي من مجمل القضايا المطروحة والأحداث التي مرت ولا زالت تمر بها بلدان وشعوب المنطقة العربية، وهو الشيء الذي أشار اليه عدد من المعلقين الكرام في سياق تعليقاتهم على ما أكتب أو في رسائلهم الواردة الى بريدي الالكتروني، وللأسف الشديد فان ما يؤكد صحة ما ذُكر ويذكر عن سلبية المواقف الفلسطينية تجاه قضيتهم أولا وقضايا العرب تاليا، هي الحال التي يرثى لها التي وصلنا اليها شعبا وقضية.

الفلسطيني على مدار رحلة شقائه ومعاناته وآلامه، اعتاد أو ربما أقسم يمينا على ألا يستفيد من تجارب الشعوب، ولا حتى من تجاربه التي مر بها على صعيد المقاومة والتفاوض والعلاقات الفلسطينية الداخلية وعلاقاتنا العربية والدولية، وهو يبدو بعد تجربة انطلاقة العمل المقاوم وما رافقها من أفعال على الأصعدة السابقة، وكأن الموجه له في قياس نجاح تجربته من فشلها، هو مدى ما تستجيب لعواطفه وغرائزه وربما "لجيبه وحساباته" أيضا، وليس لعقله ومصالح شعبه العليا.

الكارثة الأكبر والأعم والأشمل، انه بعد أن أقنع نفسه بأنها تجربة ناجحة وناجحة جدا ورائدة وثورية وطليعية ونقية وتقية وطاهرة، قام باستنساخ تلك التجربة في كل مسيرته، وأينما تواجدت ما يسمى بفصائل العمل المقاوم، وهو ما أدى به، وبنا طبعا، الى ما نحن فيه الأن من هاوية سحيقة، يحاول البعض الفلسطيني النادر وبنوايا مخلصة وصادقة انتشالنا منها بعقلانية، في زمن رديء أول ضحاياه هو العقل.

أقنعنا الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأقنعنا أنفسنا أن الطريق الى فلسطين يمر عبر البوابة اليمنية، فكان شبابنا جنودا له يقاتلون كما لو ان قصر الامامة هو أقدس مقدساتهم، مثلما صدقنا ذات البكباشي عندما أطلق شعاره "سنرمي الاسرائيليين في البحر" بل وطالبناه بالعطف عليهم قليلا.

رفع الآباء مطرقة ومنجلا على مآذن المساجد في مدن الأردن، وتخاتل "زعران" الثورة بأسلحتهم وسياراتهم في شوارع المدن والقرى، وأغلقوا أفواه أهل البلد بحجة أن لا صوت يعلو فوق صوت زعرنتهم أو معركتهم، حيث، وللأسف الشديد لا فرق بين المعنيين على أرض الواقع في قاموس العمل الفلسطيني.

أقنعنا أنفسنا أن شعب لبنان يرحب بنا وببنادقنا على أرضه، رغم ادراكنا التام ان اتفاق القاهرة عام 1969 هو اتفاق قهري، تم فرضه على شعب وحكومة لبنان، وللامانة فقد رحب أهل لبنان في ذروة مد عروبي قومي مجنون أجمل وأكرم ترحيب بشبابنا وعوائلهم وبنادقهم إلا أن شبابنا و "أبواتنا" وكهولنا لم يحترموا أدنى شروط وأصول الضيافة.

من الخارج الى الداخل، ومن لبنان وتونس الى فلسطين، ومن فوضى السلاح الى فوضى الانتفاضات، ومن فوضى الفساد الى مأسسته، ومن التجاوز والتطاول على الاردني واللبناني الى الى التجاوز والتطاول على الفلسطيني، تلك التجاوزات التي وصلت في كثير من الاحيان الى ما هو أفظع من جريمة بشعة، تمت باسم القضية وعدالتها، وفلسطين وقداستها، والثورة وطهارتها، وأضاف اليها أنبياء غزة الجدد باسم الله والقرآن والايمان وباسم دول ما يسمى بالممانعة من سوريا حتى ايران.

اقترب أبواتنا وشعبنا من خلفهم وحولهم، حيث كان يجب أن يبتعدوا، وابتعدوا حين كان من لب المصلحة الوطنية أن يقتربوا، نددوا واستنكروا في مواقف تحتاج للدعم والتأييد والمؤازرة، وأيدوا ودعموا وتحالفوا في مواقف تحتاج منهم لأشد عبارات الشجب والاستنكار، بكوا وناحوا وفتحوا بيوت العزاء في مواقف تحتاج للفرح أو الصمت على الأقل، وفرحوا ورقصوا ودبك شبابنا وزغردت نساءنا ووزع الحلوى والكنافة صبياننا في مواقف تحتاج للبكاء والرثاء.

هتفوا بحياة كل ديكتاتور ومجرم وأفاق ومنافق وقاطع طريق ومتاجر بقضيتنا، خصوصا كل هؤلاء الذين قفزوا من الدبابة الى السلطة في غفلة من الزمن ومن الشعوب، وأنكروا جميل وجحدوا معروف كل من كان يجب علينا أخلاقيا ولدواعي المصلحة الوطنية الحقيقية، أن نرد لهم جميلهم، ونحفظ لهم معروفهم.

ان اختلف الفلسطيني مع جاره في السياسة، فسرعان ما يتهمه بالخيانة، وان اختلف معه في الدين فليس أسهل من اتهامه بالكفر واخراجه من الملة، وان اختلف معه في اليسار يغدو جاره متخلفا ورجعيا مانحا لنفسه صفة المثقف اليساري الثوري، وان اختلفت المعارضة مع السلطة - وهذا طبيعي جدا - تصبح المعارضة خارجة عن القانون والأعراف والدين وتصبح السلطة فاقدة للشرعية، وان اختلف كلاهما مع الشعب يصبح حينها كل الشعب على ضلالة، وفي أحسن الأحوال قاصرا وجبت وصاية الأبوات عليه.

بعد هذا المقال لا أعلم ان كنت سأبقى فلسطينية في نظر الفلسطيني، على اختلاف فصائله أم لا، لأن التجارب علمتنا ان فرقاء السياسة والدين، مهما اختلفوا وتناحروا وتقاتلوا وتباعدوا وتنافروا، فانهم دائما يتفقون على وأد الحقيقة. كنا قد رأينا كيف اتفق الفرقاء من كل الأديان على الوقوف ضد ماذكره مؤخرا عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ؟!

 
كاتبة فلسطينية
البريد الالكتروني:  

 

 

 

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.