Untitled 1

 

2018/6/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :20/9/2010 2:36 PM

حَرقُ القرآن: ألم يُحرق القرآن بعد؟

 

علي الخليفي

لا شيء أعجب من مقدرة الفقيه المُسلم على نفخ الحياة في الأصنام الحجريه، والجماجم المُتكلسة. لا شيء أعجب من مقدرته على تحضير أرواح الأموات، وتحويل أشباحهم إلى فزعات يُرهِب بها عُقول أتباعه من ناقصي وناقصات العقل والدين.

السحر والشعوذة هما العمودان اللذان أقامت عليهما المؤسسة الفقهية الخدميّة أركانها. فسحر أبصار الناس واسترهاب عُقولهم، هو الشريعة التي اتّبعتها هذه المؤسسة لحشد القطعان الجائعة إلي لحظة سلامٍ مع ذواتها المبعثرة في حظيرة السمع والطاعة لكل جبارٍ عنيد.

ها هي شعوذات هذه المؤسسة الفقهيه تُفلح في نفض التُراب عن جثمان زميلتها المُؤسسة الكهنوتيه المسيحية، وتنجح في بعثها للحياة من جديد، بعد أن طواها الزمن، وبعد أن رمى بها الإنسان المسيحي في غياهب النسيان لتقوم، بفضل شعوذة الفقيه المسلم، من موتها الطويل وتتمثل في صورة كاهن مُتخلف عقلياً يُهدد بحرق القرآن.

عصور الشقاء والمعاناة التي كابدها الإنسان المسيحي بسبب إتباعه لتعاليم المؤسسة الكنسية، زمن الباباوات الّذين يحكمون بأمر الله، ويُرسمون الأباطرة والمُلوك بتوصية من الله، ويوَقِعُون صُكوك الغُفران، وأحكام الحرق والإعدام نيابة عن الله. ذلك الشقاء وتلك المُعاناة دفعت مسيحيّ ذلك الزمن للثورة على هذه المُؤسسة، وإخراجها من دائرة الفعل في حياة الإنسان المسيحي، وعزل الكاهن داخل كنيسه المهجور، ليقبع هناك ويلوك تخاريفه وأساطيره المُضحكة، ويُمارس شعوذته على نفسه وعلى من ارتضى لنفسه أن يكون أضحوكة ومسخرة للآخرين ممن يرتادون كنيسه.

حرّر الإنسان المسيحي نفسه من سطوة الجهل والتخلف، عندما تحرر من سيطرة الكنيسة وكُهانها، وذهب ليمارس إيمانه بالله في الهواء الطلق وليتخذ من إيمانه سُلماً يرتقي به أسباب السماء، بعيداً عن أجواء الكنائس المُختنقة بروائح الأبخرة المسمومة.

لقد كان القرار الّذي اتخذه الإنسان المسيحي في ذلك الزمن بفصل الدين عن الدولة أعظم قرار اتخذه الإنسان طوال تاريخه. فبهذا القرار سدد الضربة القاضية التي هدت بنيان المؤسسة الكهنوتية، والتي يترأسها مرضى النُفوس، ممن ارتضوا المُتاجرة بربهم لأجل مصالحهم الدنيوية. بفصل الدين عن الدولة انتهت مطامح الطامعين، وصارت تلك الكنيسة مهجورة، لأنها لم تعد تصلح لتكون سُلماً لنيل المناصب وكنز الأموال.

لم يستطع الإنسان المسيحي في الغرب أن يهتدي إلى الطريق القويم إلا بعد إتخاذه لهذا القرار. ورغم كل مزاعم المؤسسة الكنسية بأن هذا القرار سيقضي على الإيمان المسيحي برمته، إلا أن الواقع كَذب كل ادعاءات تلك المؤسسة. فحتى اليوم، لا يزال الغرب بأكمله مُتمسكاً بمسيحيته، بل طوّرها، وارتقى بها، واستطاع أن يحوّلها إلى دافعٍ لهُ يستنهض به القوى الكامنة فيه للبناء والإعمار والتقدم. وهاهو يقدم النموذج الّذي أنتجه إيمانه الخالي من سطوة الكهنة والأحبار.

على الضفة الاخرى، ظلت المؤسسة الفقهية تنمو داخل بنيان المُجتمع المسلم كسرطان رهيب يُجمد الحياة في كل أعضاء جسد هذه الأُمم، ويحول أُمما بأكملها إلى جثث تمشي فوق الأرض تنشد من يواريها الثرى. عَجَزَ الإنسان المُسلم على أن يتخذ خُطوة عظيمة بفصل الدين عن الدولة، لإنهاء السمسرة بالدين.

عَجَزَ الإنسان المُسلم على أن يفعل بفقيهه الدجال ما فعله الإنسان المسيحي بكاهنه المُرابي. عَجَزَ على أن يدفن هذا الفقيه الدجال في مساجده الضرارية، ليمنع ضرره على المجتمع من حوله. وعجزُ الإنسان المُسلم هذا، نتاج عدم ثقته بنفسه، وعدم ثقته بربه، وعدم مقدرته على مواجهة نفسه واختبار إيمانه بنفسه، بعيداً عن تخرصات الفقهاء، ظل الإنسان المُسلم يتبع نهج هذا الفقيه الدجال رغم كل البلاوي التي وقع فيها بسببه. وهو يزعم أنه يتبع نهج الفقيه بداعي الإيمان والطاعة لله، ولكنه في قرارة نفسه يعلم حقيقة هذا الفقيه، ويعلم كذبه، ويعلم ايضاً إنه إنما يتبع هذا الفقيه فقط لأن هذا الفقيه يوفر له المُبررات التي تُبرر جبنه وذله وخنوعه وتسليمه في حقوقه، ويصور له نقائصه تلك على أنها صبر واحتساب، سيلقى عليه الجزاء في الآخرة بالحور والغِلمان والسُرر المتقابلة في جناتِ النعيم.

ظلت هذه المؤسسة الحاقدة على الحياة تنمو وتزدهر متخذة من غفلة وجهل الإنسان المسلم وقوداً لها, بل واستطاعت إستغلال كل تقدم علمي احرزه الإنسان المتحرر من سطوة الكهنوت في نشر شعوذاتها المقدسة، لتسحر بها عيون أُمة جاهلة، وتسترهب عقول أبنائها، وتحولهم إلى قنابل مؤقوتة تنفجر هنا وهناك لتوقظ أصوات انفجاراتها الكهنة على الضفة الأخرى، ولتُعطيهم الفرصة للخروج من خرابات كنائسهم المهجورة، ليعودوا إلى دائرة الفعل بعد قرون من السُبات الطويل، بدافع التصدي للإسلام وحماية الإيمان المسيحي.

يُطل الكاهن المسيحي اليوم برأسه من الجانب الآخر ليقود جموع المُتعصبين بداعي الدفاع عن المسيحية. ويصرخ الفقيه المسلم في اتباعه هنا "يا خيل الله إركبي"، لتُبعث الحياة في صورة من صور عصور الظلام المقيتة، التي تجاوزها الزمن، وليوضع السِلّم العالمي برمته فوق برميل بارود قد تشعل فتيله، في اية لحظة، حماقة من حماقات أحد الجهلة من أتباع الفقيه هنا، أو نيران الكاهن التي ستحرق القرآن هناك.

فمن المُلام في إعادة العالم إلى عصور الظلام، وإلى وحشية تلك العصور..؟ لقد قام الإنسان المسيحي بما عليه منذ قرون خلت، وحجر على سفهائه من المتاجرين بالدين، بل واعتذر عما ارتكبه اسلافه من مخازي باسم الله والمسيح، وقدم للعالم عُلماء حقيقيين في شتى فروع المعرفة قفزوا بالإنسانيه قفزات عظيمة في وقت قياسي، في سبيل رفاه الإنسان، وتحسين ظروف معاشه وحياته، وفتح الطريق له ليبدع وليتقدم، وليحقق ذاته بالطريقة التي يريد. في الحين الّذي لا يزال الإنسان المسلم يُطلق ألسنة السفهاء والحمقى من مشايخه، ليلعن دين الآخر، ويُسفه أحلامه.

ولا يزال يُقدم هؤلاء الجهلة والسفهاء على أنهم عُلماء أمته. ولا يزال يلوك تخاريف الفاشلين من فقهائه بأن العلم الحقيقي هو العلم الشرعي مما يدفع أبناءه الى البحث عن السبل السهلة، بهجر العُلوم التطبقية المفيدة للإنسان، والوصول الى القمة عبر اسهل السُبل، حيث لا يكلفه ذلك الوصول سوى أن يترك وجهه دون تنظيف، ليتحول الى غابات من الشعر المشعث، ويقتطع عدة سنتيمترات من سرواله، ويلوك عود سواك رخيص، ويحشو رأسه بتخاريف الأموات، ليصير عند بني جلدته عالِماًً لا يشق له غُبار، يُفسح له في المجالس، ويُقبل الدراويش يده الكريهة، ويعتلي المنابر ليُعلم الناس الجهل، وليُعلي قيم الجهالة، وليؤسس لجاهلية جديدة تُعيد مجد أسلافه الجهلة من كُهان الكعبة. عالِم في الجهل والجهالة يتخذ من عقول الجهلة أرضاً خصبة ليبذر فيها بذوره الشيطانية لتنبت أشجاراً ملعونة ثمارها الموت والدمار.

لم يتوقف الفقيه المشعوذ عن تسعير نيران الحرب عبر خُطبه ومواعظه التي يحشو بها رؤوس الجهلة ممن يستمعون له، ويشحن بها صدورهم الناقمة على حياتهم التعيسة، ليُحول نقمتهم على أنفسهم إلى نقمة على كل مُخالف لهم في العقيدة والدين. لقد غض العالم المسيحي بصره لزمن طويل على سفاهات وسباب الفقيه المُسلم والتي كان يَتَفوه بها من هنا من قلب العالم المسيحي، الذي جاءه خائفاً مرعوباً، فمنحه الآمان ووفر له سُبل العيش الكريم.

لم يتوقف عن دعواه بإعلان هذه الأرض أرض جهاد، وتحريض أتباعه على مخالفة قوانين هذه المجتمعات، حتى تحولت دعواه تلك الى إلى خراب ودمار وقتل وتفجيرات هددت الانسان المسيحي في أمنه وأمانه وقيمه التي ارتضى أن يبني عليها حياته، ليتحول تسامحه الطويل الى غضب وحقد على هذا الدين الوافد الى دياره ليحولها الى خرابات شبيه بالخرابات التي جاء أتباع هذا الدين فارين منها، وليوفر هذا الحقد والغضب الأجواء المُناسبة ليُطل الكاهن من وراء جدران كنيسه، ويتصدر جُموع الحمقى والمُتعصبين، لينتقم من الفقيه المسلم بحرق قرآنه المُقدس، وليجد الفقيه الدجال قضية جديدة يتاجر بها ويتصدر بها المنابر، وهو يولول ويصرخ "يا خيل الله اركبي"، مدعياً غيرته على القرآن ممن سيحرقونه. وكأن حرق صفحات كتاب يُطبع منه في كل عام ملايين النُسخ هو الذي سيقضي على القرآن وتعاليم القرآن.

كأن الفقيه الدجال لا يعلم أن القرآن قد أُحرق مند مئات السنين ألف مرة ومرة، بأيدي خلفائه، وأمراء مؤمنيه، وسلاطينه، الّذين عبدهم واتخذهم أرباباً من دون الله.

لقد أُحرق القرآن عندما أُحرقت ستة أحرف من الحرف التي نزل بها. لقد أُحرق القرآن عندما صار الله لا ينطق إلا بلسان قريش. لقد أُحرق القرآن عندما مُنِعَ عن الناس وصار الله غير قادر على الإفصاح والبيان ويحتاج إلى تُرجمان ليترجم كلامه إلى عباده. لقد أُحرق القرآن عندما حَرف الفقيه الدجال آيات الحكمة فيه، وحولها إلى أساطير مضحكة. لقد أُحرق القرآن عندما تحولت وصاياه للناس بالبر والخير والسلام إلى تعاليم للقتل والحرب والدمار.

لقد أُحرق القرآن عندما صار الفقيه يمارس وصايته على الله بأمر أمير مؤمنيه فينسخ وعود الله ويجعل الله يتراجع عن كلامه بين كل صفحة وصفحة. لقد أُحرق القرآن عندما رُفع على أسنة السيوف والرماح لتقوم به دولة الخداع واللعنة التي أسّس بنيانها صناديد قريش من بني حرب. لقد أُحرق القرآن عندما خرجت أُم المؤمنين على ظهر جملها تُحرض أبناءها المؤمنين على ضرب أعناق بعضهم البعض.

لقد أُحرق القرآن ولا يزال يحرق كل يوم على ألسنة الدجالين والكذبة من وعاظ الفضائيات البائعين دينَهم لكل من يمتلك الدراهم ليدفع لهم. لقد أُحرق القرآن عندما فقد الإنسان المُسلم تواصله معه وصار لا يعرفه إلا كتمائم يعلقها في عنقه، وأحجبة يحتفظ بها في جيوبه، وتعاويذ يتلوها ليحمي بها نفسه، دون أن يعي كلمة واحدة منها.

لقد أُحرق القرآن بيد الفقيه ألف مرة، وحرقُهُ الآن بيد كاهن لن يضيف للأمر من جديد. فالقرآن ليس حفنة أحرف مصفوفة بين دفتي كتاب. القرآن هو معاني وقيم ونهج حياة، وقد تكفّل الفقيه بحرق كل هذا، ولم يبقَ من القرآن غير مجموعة صفحات بين جلدتين يقبّلها المسلم، ويضعها على رأسه، ويحتفظ بها للتبرك، ويتلوها في مآتمه، ويُحفظها لابنائه ويفاخر بأن بلاده بلاد المليون حافظ للقرآن دون أن يدركوا معنى كلمة واحدة من معانيه السامية.

الكُرة الآن في ملعب العقلاء من أبناء هذه الأمم التي تدين بالإسلام. لتقوم بما قام به الإنسان المسيحي منذ قرون ولتستخلص دينها من بين مخالب الفقيه المُرابي والمُرائي، وتحجر على هذا الفقيه السفيه إتباعاً لأمر الله الذي أمرنا أن لا نوتي السفهاء أموالنا. فكيف نظل نرتضي أن نوتيهم ما هو أعظم من الأموال والكنوز؟ كيف نظل نرتضي أن نُسلمهم عقولنا وعقول أبنائنا ليصبّوا فيها حقدهم على الحياة والناس.

على عقلاء هذه الأمة أن يتكاتفوا مع عقلاء العالم لإيصال صوتهم إلى من لديه المقدرة على الفعل، ليقوم وفوراً بقفل هذه المحطات الفضائية الداعرة التي تسمى محطات دينية، وليحمي عقول ابنائه من التسمم بوصايا هؤلاء الجهلة، وليمنعهم من إعتلاء أي منبر، ويرمي بهم في غياهب النسيان بجانب جماجم أسلافهم المتحجرة. ولينهض بإيمانه ويرتقي به، ويحوله إلى قوة يستطيع بها تجاوز واقعه المُزري والمُخزي بين الأمم، حتى لا يكون إنتسابه للإسلام ونسبة نفسه لله سُبة على الله والإسلام كما هو الحال الآن.

 
كاتب ليبي
البريد الالكتروني:

 

 

 

1 - لاتتعب نفسك
بندر الاسمري | 23/9/2010 ,1:44 PM
رغم انني لاول مره اقرا لهذا الكاتب الشجاع الا انني معجب بكل حرف سطرته يده المباركه , اتمنى المزيد من نوعيه هولاء الكتاب التنويريين في موقع افاق الحريه وللقائمين عليه جزيل الشكر .

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.