Untitled 1

 

2017/9/24 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :3/5/2016 04:16

قبلة العروسين التي أثارت غضب السودانيين

 

منصور الحاج

لازلت أعاني من أجل تحفيز نفسي للكتابة. تأتي إليّ الأفكار فأترك بعضها تمضي وأدوّن بعضها في مذكرة من مذكراتي العديدة والمتناثرة هنا وهناك في منزلي وداخل حقيبة عملي أو على هاتفي المحمول أو أنشر بعضا منها على صفحتي في الفيسبوك أو على تويتر أو عليهما معا حين أمتلك قدرا من الجرأة والطاقة للدخول في صدامات جديدة مع الأصحاب والأقارب والأصدقاء.

صدامات تصل أحيانا لحد التخوين والتفسيق والتكفير ولا يخفف حدتها سوى بعض التعليقات الإيجابية من أناس تعاطفوا أو ربما فهموا فحوى ما كتبت فتترك في نفسي أثرا أشبه بربتة على الكتف أو ضغطة على الكف أو أحضان من صديق أو حبيب تشعرني بأنني لست وحيدا وأن هناك من يجدون قيمة إيجابية فيما أكتب.

وشعور الغربة هذا بما فيه من ألم وغصة يعتري بلا تمييز كل صاحب قضية ومتحمس لفكرة حين يرى نفور مجتمعه من الأفكار التي يطرحها. لا فرق هنا بين أن تكون الفكرة ليبرالية أو محافظة أو متطرفة، وبين أن تتصدى القضية لمشكلة مياه الصرف الصحي أو انتهاكات حقوق الحيوان أو حقوق المثليين أو حتى ابتعاد المجتمع عن تعاليم الدين، فرفض المجتمع لها له وقعه على النفس وغالبا ما تدفع حاملها إلى الإنطواء والعزلة وهي حقيقة نرى لها شواهد كثيرة في التاريخ الإنساني لفقهاء ومفكرين وفلاسفة ونشطاء ومناضلين فضلوا الانعزال عن المجتمع حين رفض أفكارهم التي غالبا ما تصبح متداولة بعد وفاة صاحبها أو وصوله إلى أرذل العمر حين تنتهي دورة حياة الأفكار القديمة فتغادر طوعا وبهدوء بعد انتهاء صلاحيتها. أما قصص من قضوا أو سجنوا أو نالهم ما نالوا لأنهم طرحوا أفكارا قبل أوانها فهي أكثر من أن تحصى في مقال.

تتواصل دورة الحياة وهي مع الأفكار كما هي مع البشر يكون لها فترة حمل وطفولة فمراهقة فشباب فرشد فشيخوخة فوفاة. وكما لا يتحمل البشر البقاء بجانب جثث الموتى وإن كانت لأقرب قريب وأحب حبيب، فيتم مواراتها الثرى بعد لحظات من مفارقة الروح للجسد، تدفن المجتمعات أيضا الأفكار القديمة التي حان وقت رحيلها بل وتتبرأ منها وفي كثير من الأحيان تتنكر لها وتسخر منها وترحب باهتمام بالغ بالأفكار الجديدة التي حان وقت ظهورها كما نفعل تماما حين نستقبل مولودا جديدا بفرحة واستبشار وحبور.

ومشكلتي مع الكتابة تكمن في أنني لم أعد أجد الحافز الذي يدفعني إلى التعبير والاسترسال في تفريغ مافي الدواخل وربما يفسر هذا تزايد نشاطي البدني مؤخرا في ممارسة الرياضة ورقصة السالسا والبانشاتا التي وجدت فيهم متنفسا بعد أن أضحى نشاطي الكتابي قليل جدا ومرتبط بالحالة المزاجية التي غالبا ما تكون "مجزمجة" بحسب وصف الصديق عادل حسن.

لم يبق لي إلا الاستفزاز الشديد ليعطيني دافعا للكتابة والتعبير وهو ما حدث قبل أيام حين نشر أحد الأصدقاء تسجيلا مصورا لعريس وعروسه وهما يتبادلان القبلات على مرأى من الجموع الحاضرة لحفل الزفاف السوداني. معظم من في المجموعة فضلوا الصمت على الإدلاء بآرأهم على ما حواه الفيديو. القلة التي استنكرت على العروسين تبادل القبلات على الملا رأت أن الأمر مخالف للعادات والتقاليد السودانية وأنه كان من واجب العريس أن "يستر" زوجته بعدم تقبيلها على الملأ.

أثار استهجانهم حفيظتي، واستفز قريحتي، فكتبت معلقا بأن الموضوع لا يعنيهم طالما كان الأمر برضى الزوجين والمعازيم وأن الأولى صب اللوم على من قام بنشر الفيديو بدون إذن الزوجين الذين كانا يؤديان طقسا شعبيا يسمى "بخ اللبن" ولكن بطريقة "مودرن". ففي عادة "بخ اللبن" يتجرع كل من العروسين جرعة بسيطة من اللبن ويقوم برشه على الآخر.

أكثر ما أثار سخطي هو ان المعترضين على الفيديو مسلمون يعيشون في الولايات المتحدة حيث يمارسون حقهم في أداء شعائرهم الدينية وإحياء فعاليتهم الثقافية الغريبة تماما على المجتمع الأميركي. وحين يعترض الأميركيون على بعض تصرفات المسلمين التي يرونها غريبة على مجتمعهم يخرج علينا المسلمون محتجين على انتهاك حقهم في الحرية الدينية وحرية التعبير في الوقت الذي ينكرون فيه نفس الحقوق على أبناء جلدتهم بحجة مخالفة التقاليد وهذا لعمري قمة النفاق.

وقد تجلى نفاق بعضهم بصورة أواضح حين اتضح أن العريس من الشباب المعروفين ويقيم بالولايات المتحدة، فبمجرد أن علموا بذلك شعروا بالحرج من مواقفهم التي أعلنوها. ما أردت التأكيد عليه هو أن المواقف يجب ان ترتبط بالمبدأ وليس بالأشخاص كما أنها لا يجب أن ترتبط بالمصلحة الشخصية وإنما بإيماننا بالمبدأ سواء هنا أو هناك لصالحنا أو ضدنا.

تذبذب المواقف التي تستند إلى نفس المبدأ وتراوحها بين القبول والرفض ينم عن خلل عميق في التركيبة الثقافية والفكرية وهو الأمر الذي يخيف التيارات المحافظة في الدول الغربية ويدفعها إلى اتهام المسلمين باستغلال القوانين والمواد الدستورية التي تكفل الحريات من أجل تعزيز مصالحهم وهم في الوقت نفسه لا يؤمنون بهذه المبادئ ابتداءً.

حين نشرت القصة على حسابي في تويتر كتبت: "إننا يا سادة أمة بحاجة إلى إعادة برمجة. فيديو لعريس سوداني يقبل زوجته يثير غضب السودانيين. لاحظ معي زوج يقبل زوجته وفي ناس زعلانين #السودان". أجمل ما قرأت من ردود كان من المغردة لمى القطيفي التي كتبت مستنكرة: "الوضع الطبيعي يضربها يعني".

المعارضون للمشهد أيضا أعربوا عن رأيهم في تغريدتين على الأقل. الأولى كانت من المغرد عيسى فرج الذي كتب: "هناك بعض العادات والتقاليد ببعض المجتمعات ترقى لأن تكون من النظام العام والآداب التي يصعب بل يستحيل تقبل المساس بها." أما الثانية فكانت تغريدة بعانخي الذي كتب: "فعلا تزعل وبعد شويه يمارس معها الجنس امام الناس ويقول حريه الدياثه تبدا كدي هذه الاشياء يفعلها في الغرفه وحدهم."

وعود إلى موضوع الأفكار وآلية مولدها ونشأتها وتطورها ومدى تقبل المجتمع لها، فإن الأصل هو أن تتمسك المجتمعات بالأفكار السائدة وتنفر من تلك التي لم تألفها حتى تنتهي دورتها وحتى يحدث ذلك يعيش المجتع صراعا تتجاذب فيه المكونات المختلفة تلك الأطروحات شدا وجذبا إلى حين انتصار إحدى القوى على الأخرى. وبما أن الأصل هو أن تتمتع قوى المجتمع بنفس الحقوق دستوريا يجب أن يحظى الجميع بفرص متساوية في التعبير تأييدا ورفضا في ظل قوانين تكفل للجميع الحق في التعبير دون تمييز أو محاباة. 

 
كاتب ورئيس تحرير موقع آفاق
البريد الالكتروني: mansouralhadj@gmail.com

 

 

 

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.