Untitled 1

 

2018/1/19 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :11/8/2007 11:39 AM

حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور

 

سعد الدين إبراهيم

من نوادر أو غرائب مصر المحروسة أنها، رغم ملايينها الذين قاربوا الثمانين، تبدو كحارة أو زقاق يعرف أهله بعضهم بعضاً. ومن ذلك أنه رغم التباعد الهائل، والقطيعة المتزايدة بيني وبين مبارك، للدرجة التي دفعته إلى الأمر بوضعي وراء القضبان منذ سبع سنوات، إلا أن صدفة غريبة جعلت حفيدي، لارا وسيف الله، يتزاملان ويتصادقان مع حفيدي حسني مبارك، محمد وعمر، في نفس المدرسة، ورغم علمي بهذه الحقيقة في أوائل عهدي بسجن مزرعة طره، وأوائل عهدهما بالمدرسة (2000-2003)، إلا أنني حرصت على عدم إقحام خصومتي مع حسني مبارك على علاقة أحفاد أبرياء. فلم أذكر حسني مبارك أمام حفيدي بسوء، أو أتحدث معهما في السياسة.

وأغلب الظن أن السيد علاء مبارك وقرينته فعلا نفس الشيء مع محمد وعمر. وساعد على تجاهل موضوع العلاقة بين الأجداد، أن الأحفاد كانت لهم اهتماماتهم التي استغرقت وعيهم ووقتهم ـ من دراسة، ورياضة، وتمثيل وأعياد ميلاد، حتى حينما كان حفيدي يزورانني في السجن (2001-2003)، فقد كانا يعتبران الزيارة بمثابة نزهة خلوية أو رحلة مدرسية لأحد المواقع الطريفة التي تعمدت مدرستهما في ذلك الوقت التردد عليها ـ مثل سوق الجمال، وسوق الجمعة، والحسين والسيدة زينب. فقد كانت المدرسة الخاصة في إحدى الضواحي المتميزة حريصة على أن يختلط تلاميذها مع بقية أبناء مجتمعهم. ومما ضاعف من طرافة زيارة أحفادي لسجن مزرعة طره، أن جزءاً من الرحلة كانت ممنوعة فيه السيارات الخاصة، ربما لأسباب أمنية.

ولكن إدارة السجن، لاعتبارات "إنسانية"، وفرت لزائري السجن وسيلة مواصلات بدائية أشبه "بالطفطف"، الذي تعود عليه المصطافون في رأس البر. وكان حفيدي ينتظران بفارغ الصبر الزيارة نصف الشهرية لركوب الطفطف، ربما أكثر من رؤية جدهما! وكان يضاعف من بهجتهما مداعبة سائقي الطفطف، وحراس السجن لهما، وهو ما يعزا إلى طيبة مصرية أصيلة، حتي لو كانوا سجّانين. فبعد تنفيذ الأوامر الكريهة عليهم بقدر ما هي بشعة بالنسبة للسجناء، فإن الوجه الإنساني الطيب، سرعان ما يكشف عن نفسه حتى عند من يجبرون على القيام بدور الجلاد!.

مضى على الإفراج عني أربع سنوات، لم يعد حفيدي بنفس البراءة... فقد كبرا، وبدآ يهتمان تدريجياً بأحاديث الكبار وما يشغلهم. وعادة ما يحدث ذلك بعيداً أو تحت "شاشات الرادار"، التي يراقبها الكبار.

وبعد الحملة الأخيرة التي شنتها أجهزة النظام، وصحفهم المباحثية الصفراء، ومبادرة تسعة من أعضاء الحزب الوطني الحاكم، بمن فيهم أعضاء من مجلس الشورى، بتقديم بلاغات إلى النائب العام للتحقيق معي في اتهامات تتراوح من الإساءة إلى سمعة مصر، إلى الخيانة العظمى، نصحني فريق من محامي مركز ابن خلدون بالبقاء في الخارج لمدة ثلاثة شهور على تقديم البلاغات، خلالها تظهر نوايا النظام. فإذا قرر وأعلن النائب العام حفظها، فإنهم سيشيرون علي بالعودة، وإلا فإنهم لا يأمنون غدر النظام، فالغدر أصبح جزءاً لا يتجزأ من طبيعة النظام، الكبار منهم طبعاً، وليس الأحفاد الصغار، وهو ما يعود بي إليى حديث مدهش مع حفيدي مؤخراً. وفيما يلي تفاصيل حوار معهما على ضفاف ومضيق البسفور، في العاصمة التركية، استانبول.

بعد شهرين بعيداً عن الوطن، اشتدت الوحشة المتبادلة مع الأهل والتلاميذ والأصدقاء. وكان أكثرها لوعة هو الشوق للأحفاد. وأدركت صدق القول المأثور، "إن أعز الولد هو ولد الولد".

وتزامنت إجازتهم الصيفية مع تجوالي في بلاد الله الواسعة، فاقترحت على الأسرة في القاهرة أن نلتقي في إحداها، ولو لأسبوع أو حتى لأيام، إما في كندا أو رومانيا أو اليونان أو تركيا، حيث كانت لدي ارتباطات أخرى في هذه البلدان الأربعة، خلال شهر يوليو.

ووقع اختيار الأحفاد على تركيا، وهي أيضاً أحد تفضيلات صهري نبيل الذي تحوّل إلى الصوفية في السنوات الأخيرة، وحيث ولدت الطريقة النقشبندية في الأناضول، وتعشقها ابنتي راندا لأنها تذكرها بمصر كما كانت في طفولتها، والتي تتمنى أن تعود، حيث الأصالة والحداثة، وحيث إسلام بلا تزمت، وتدين بلا تعصب.

أما أنا فكنت على موعد لمراقبة الانتخابات البرلمانية التركية، ثم المشاركة في مائدة مستديرة حول تداعياتها الإقليمية، وخاصة على مصر، وهو ما كتبت عنه بالفعل في مقال سابق.

في اليوم التالي لوصول الأحفاد، وأثناء أمسية صيف جميلة، على شاطئ البسفور، فاجأتني حفيدتي لارا (عشر سنوات ونصف) بسؤال حول موعد عودتي إلى مصر. وحاولت الإجابة بعمومية غامضة، من قبيل "قريباً، إنشاء الله ..."، وسارع حفيدي سيف الله بسؤال من عنده "قريباً إنشاء الله، يعني امتى بالضبط؟" أحسست أن الحفيدين ربما يعلمان السبب الحقيقي وراء ابتعادي المؤقت عن مصر.

نظرت إلى صهري نبيل، طالباً المساعدة، فهز كتفيه، كما لو كان يوحي لي بأنني لا بد أن أواجه الحفيدين وحدي وعلى مسؤوليتي! حاولت المراوغة مرة أخرى بعموميات غامضة عن ارتباطات هنا وهناك، طوال الشهور الثلاثة القادمة، فقاطعتني لارا بقذيفة غير متوقعة: "لماذا تغضب الرئيس حسني مبارك؟".

نظرت إلى الحفيدين... إنهما لم يعودا طفلين بريئين ساذجين يقنعان بأي إجابة لأسئلتهما... إنهما يريدان إجابات مقنعة... شرحت للحفيدين، "إنني لم أتعمد إغضاب حسني مبارك، ولكني فقط أُعبّر عن آرائي بحرية... وهذه الآراء لا تعجبه، ويعتبرها تلحق الضرر بمصر. والواقع أن حسني مبارك هو الذي يغضب مصر كلها".

سألاني عن حيثيات ما قلته عن غضب مصر من حسني مبارك فذكرت إضرابات العمال، ومظاهرات الطلبة، واحتجاجات القضاة، والاستبداد والفساد... سألا: كيف يكون حسني مبارك هكذا بينما حفيداه محمد وعمر ـ في غاية الظرف والمرح والأدب؟ أجبت بأن هذا فعلاً أمر غريب، ولكنه ممكن... وذكرتهما بقصص الأنبياء، وخاصة سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم... وكيف كان الأبناء والآباء على طرفي نقيض.

وقال سيف الله (8 سنوات)، "جدو، إننا نريدك أن تعود قبل رمضان، لأنني أنوي الصيام طوال كل يوم من أيام رمضان هذا العام..." هنأته على هذه النوايا... وحاولت تشتيت الموضوع باسترجاع واستذكار عدد الأيام التي صامها في السنوات القليلة الماضية... ولكنه سرعان ما عاد يلح علي موضوع العودة إلى مصر قبيل حلول شهر رمضان الكريم.. حاولت تغيير الموضوع مرة أخرى بسؤال عما إذا كان يتذكر ركوب "الطفطف". فتهللت أساريره وأجاب "بنعم".

فسألته هل يريد أن يفعل ذلك مرة أخرى؟ .. تغيرت ملامح الحفيدين فجأة، وتساءلا "وأين نركب الطفطف هذه المرة؟" فقلت "في نفس المكان... حيث إذا عدت الآن، فقد يأمر حسني مبارك بوضعي في السجن، كما فعل من قبل...". وبعد لحظة صمت ثقيلة، قالت الحفيدة الفصيحة، "لي اقتراح... وهو أن تعتذر لحسني مبارك، حتى يرضي عنك، وتعود إلى مصر... ولا يضعك في السجن... وتقضي معنا رمضان وبقية العمر..." تأثرت بكلمات لارا ونظرات حفيدي، وصهري الذي كان يتابع هذا الحوار، دون أن يتدخل في الحديث.

وحاولت أنا حسم الحوار الذي امتد أطول مما توقعت. فقلت "أنا لم أخطئ في حق مبارك لأعتذر له... فالتعبير عن الرأي هو حق إنساني للصغار والكبار، وللمرؤوسين والرؤساء، والنساء والرجال على السواء... وحتى إذا كان رأيي لا يعجب حسني مبارك فيمكن له أن يرد عليه برأي آخر، أو يتجاهله بالمرة". تأملتني الحفيدة المشاكسة، وقالت: "أنت هنا أيضاً لمتابعة الانتخابات... أليست الديمقراطية التي تؤمن بها، يا جدو، هي سيادة رأي الأغلبية؟"، فهززت رأسي بالموافقة، دون أن أنتبه لكمين مباغت، حيث بادرت هي بالآتي "أما وقد ناقشنا الموضوع، فلنقم بالتصويت على الاقتراح بالاعتذار للرئيس حسني مبارك واسترضائه"، فصحت أنا "نقطة نظام... إن أمكما (ابنتي راندا) وجدتكما (زوجتي باربارا) ليستا هنا، فكيف نصوّت على أمر مهم يتعلق بالمصير، دون مشاركتهما؟ ومن ناحية أخرى، لماذا لا تقترحا لصديقيكما الآنتيم محمد وعمر، أن يطلبا من جدهما حسني مبارك أن يعتذر للشعب المصري. فإذا فعل، فإنني سأعتذر وأبوس رأسه أيضاً".

عند هذا الحد من الحوار عادت راندا، بعد جولة تسوّق، تحمل عدة أكياس بلاستيك، فانشغل الحفيدان فوراً بما اشترته أمهما. وتنفست أنا الصعداء. وبالمناسبة، فإن المدرسة التي يذهب إليها الأحفاد تدربهم على المهارات الاتصالية وعلى فنون المساجلة والمناظرة. ولست أدري ما إذا كان نفس ما حدث بيني وبين أحفادي على شاطئ البسفور يحدث بين حسني مبارك وأحفاده على شاطئ شرم الشيخ!

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني:  

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

1 - fruobhge
njvbjsfbn | 19/11/2007 ,2:59 PM
uiaefjernhnjdn,dfbhjgvqejktdgkl,kcgfxdteuireioyiokijcscn jiuiethkl,, uzrjtruioyyugrghebbnqdn,vefn,h,k,;n,zhdnqstdtrsyufihyhjfhjqdghcgtthdhhfjkijhkahfzrgyfvfn bfhyugtfnio

2 - nassiri
bouchra | 19/11/2007 ,2:59 PM
orido ane abe7ata 3ane 7adite 3ani le7oriyata

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.