(١)
التغيير من حال إلي حال ليس مما ينشط له الإنسان دائماً حتي لو كان الاحتمال هو إلي الأفضل، لأن التعود يمسك الناس حيث هم ويغلب عليهم القصور الذاتي وقد تتعود النفوس الظروف القاسية والسيئة إذا طالت واستمرت حتي تتعايش معها ولا تهدف للتخلص منها كما قال الشاعر:
قد تعيش النفوس في الضيم حتي لتري الضيم أنها لا تضــــــام.
إذا كان هذا هو الموقف من التغيير بالنسبة لعامة الناس الذين يعانون ظروفاً سيئة، فما بالك بالتغيير بالنسبة للفئات التي يحقق لها الوضع امتيازات ويمنحها الحياة والثروة والنفوذ والحصانة، بالطبع كلما ازدادت امتيازات هذه الفئة، زاد تشبثها بالوضع، وقاومت أي دعوة للتغيير وحاربت بكل ما لديها من أسلحة، وما أكثرها.
ولكن التغيير آت.. آت، فهذه هي سُنة التطور وطبيعة الأشياء، وقد يأتي مع أطفال الحجارة الذين عوقوا سير سياسة إسرائيل، أو مجلة الحائط التي كانت بداية الثورة الثقافية في الصين، أو مع نقابة «التضامن» التي أنهت سيطرة الاتحاد السوفيتي علي بولندا أو أوروبا الشرقية، وربما تقتلع الجماهير الثائرة طاغيتها كما فعلت مع شاوشيسكو.
قد يحدث هذا ، وقد يحدث غيره ، ولكنه آت.. آت.
(٢)
حكمت مصر من عام ١٩٥٢ حتي الآن بجهاز ضخم لحماية الوضع القائم لمصلحة شاغليه، وليس لمصلحة الشعب أو الوطن وأحكم هذا الجهاز عملية الانتخابات بحيث أبدع ما يستحق أن يسجل في قاموس «جينز» للأرقام القياسية باعتباره صاحب الرقم ٩٩.٩٩ الذي لم يظفر به الأنبياء. كما حقق المعجزة بطريقة عكسية عندما جعل الشعب الذي بني الأهرام شعبا من الأيتام ينساق بالملايين يبكي وينتحب ويلطم الخدود لوفاة قائده العظيم الملهم ولا ينقصه إلا أن يقول «عشانا عليك يا رب».
واستعان هذا الجهاز بكتيبة من الكتاب الذين يتمتعون بالمهارة والموهبة إلي درجة يصبح معها الحديث «بصراحة» هو عين التدجيل وإخفاء الحقيقة ، وكلما تحركت الجماهير، ألقمها النظام وثيقــة بليغـة، ممتازة، محكمة بدءًا من الميثاق رحمه الله الذي كان يتحدث عن عالم ما يجب أن يكون، باعتباره هو المحقق بالفعل ! ويبيع الأحلام باعتبارها منجزات والواقع عكسه تماماً ، وعندما ثارت الجماهير أعقاب هزيمة ١٩٦٧ المخزية ألقموها بيان ٣٠ مارس، وعندما تململت الجماهير من حكم السادات قدم لها «ورقة أكتوبر» أما عهد مبارك فما أكثر ما قدم من شعارات وخطط وابتكارات مثل «ثورة الألف يوم» و«الثورة الإدارية».. إلخ.
وبرع هذا العهد بصفة خاصة في تمرير القوانين في مجلس الشعب في موهن من الليل وعلي غير انتظار وفي أن تنال الحكومة شكر النواب بعد كل استجواب لهمتها العالية ويكفي في هذا مجرد إيماءة من مسؤول التنظيم العتيد وتفوقت في تقديم مخدرات كان آخرها «الحوار» الذي ولد «فطيساً» فلم نسمع عنه رغم كل ما سبقه من ضجيج.
ولم يعجز العهد عن أن يؤكد ويقسم الإيمان المغلظة علي رغبته في الإصلاح، ولكن بشرط أن لا يأتي من الخارج، وبشرط أن يتم بالطريقة المناسبة وبشرط أن يكون في الوقت المناسب وبشرط تسوية القضية الفلسطينية، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، وكأنما عز علي مصر أن لا تكون ضمن الدول المتاجرة «بالقضية» فأسرعت لتثبت وجودها أو كأن تحقيق الإصلاح سيعطل القضية الفلسطينية .
(٣)
في كثير من الحالات ، وإن لم يكن في كل الحالات تعجز الشعوب تماماً أمام الشبكة التي أحكمها النظام حولها عن التوصل إلي التغيير، فتسلم أمرها إلي الله!
وعندئذ يتدخل «سيدنا» عزرائيل ليخلص الشعوب من مستبدها. بهذه الطريقة ــ وحدها ــ تخلص الشعب الروسي من طاغيته ستالين.
وعندما مات ظل أعضاء البوليتبرو يحملقون في جسده الهامد المسجي أمامهم غير مصدقين أنه مات ويخشون أن يكون قد تصنع الموت ليري ماذا يفعلون!
كما حدث هذا أيضاً في دول أخري كان عزرائيل وحده هو الذي خلص شعوبها من طغاته.
(٤)
شاهدنا طريقة جديدة للتغيير علي غير يدي «عزرائيل» عندما يسلط الله علي الظالم من هو أشد ظلمًا منه، علي قاعدة «وما ظالم إلا سيبلي بأظلم».
بهذه الطريقة اقتلع بوش صـدام من عرشــه المكين وما كان يمكن لأحد غير بوش، هذا «الأظلم» الكبير أن يقوم بذلك.
إن بوش لم يكن يبحث عن أسلحة الدمار الشامل، ولم يكن يحارب في سبيل الحرية، ولكنه كان مكلفاً من القدر ليحقق مقاصة التاريخ. وصحيح أن الاحتلال الأمريكي سيئ ولكن الشعب العراقي تحرك أخيراً وقاوم المحتلين وسحل جنودهم في الشوارع وجعل حياة الاحتلال جحيمًا.
ولم يكن يستطيع أن ينبس ببنت شفة في عهد صدام، وقد كان أسوأ من الاحتلال بمراحل.
وصحيح أن الثروات العراقية أهدرت وتعرضت للاستغلال وأن نفط العراق أصبح تحت رحمة الولايات المتحدة.
ولكن ثروات العراق ونفط العراق لم تكن مخصصة في عهد صدام لشعب العراق، وقد عرض شعب العراق للإبادة بالغازات السامة، وأجبر ربع الشعب علي الفرار والهجرة، وفرض حربًا لثماني سنوات طويلة، دون أي معني راح ضحيتها مئات الألوف، واستنفدت ثروات البلاد، ولا يقاس الاحتلال بهذه القائمة السوداء وسيتمكن العراق بعد استقلاله، أن يبني اقتصاده، وسيخلص من كل ما وضعه المحتل.
فالصفقة مجزية في النهاية.
وإلي الجحيم يا صدام.
(٥)
وبوش نفسه في الوقت الذي يؤمِّن للولايات المتحدة بترول العراق الثمين، بعد أن أمنه في الكويت والسعودية، فإنه في الوقت نفسه كان يغرس الولايات المتحدة في مستنقع يمكن أن يكون البداية التي ستنتهي بسقوط الإمبراطورية. إن سياسة التوسع ومحاولة الهيمنة علي العالم لابد وأن تفشل في النهاية، وكان علي المستر بوش أن يقرأ «ظهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية» لإدوار جيبون ليعرف الدرس، ولكن أني لراعي البقر هذا أن يقرأ مثل السفر الضخم، وهو لم يعرف أبســط درس لرجل دولة، ألا وهو «ليس المهم أن تدخل الحرب، ولكن المهم هو كيف تخرج من الحرب».
لندع أمريكا لقدرها، فستأتي ساعتها وستذهب في أمم قد خلت فما بكت عليهم الأرض ولا السماء، وما كانوا منظرين.
(٦)
ولكن هناك طريقة أخري قد تكون نادرة ولكنها حدثت في القديم والحديث.
تلك هي أن تتغلب الشجاعة والوطنية في نفس الحاكم علي كل شيء: علي البطانة المنافقة التي تعيش علي مائدته، علي الحزب الذي لا يعنيه إلا أن يظل حاكماً، فيصارح الشعب بالحقيقة، ويعلن ما قد يكون في التعبيرات الإسلامية «توبة نصوحاً» ويقبل أن يجلس علي «كرسي الاعتراف» خاصة إذا كان من الذين لم تتلوث يديهم بأوزار الماضي فعلها جورباتشوف في البيروستريكا والجلاسنت، وبفضل شجاعته تخلصت الشعوب من نير الاتحاد السوفيتي.
حدثت بلبلة وفوضي.
واستقلت دول كانت مربوطة رغم أنفها.
وظهرت فئات طفيلية ومافيا استغلت الاقتصاد.
ولكن كل هذا انتهي.
كان لابد أن يحدث لأنه ثمن سبعين عاماً من القهر والظلم والاستبداد.
وتحرر أكثر من عشر دول معظمها من الدول الأسيوية المسلمة التي «كبس» عليها النظام اللينيني/ الستاليني حتي كاد أن يزهق أنفاسها.
(٧)
في تاريخنا الحديث سنحت فرصة نادرة لتحقيق التغيير لو أن السادات كان لديه الشجاعة والجرأة والإخلاص لطي صفحة الناصرية بكل أخطائها والاعتراف بالمآخذ وما تورطت فيه سياسات أدت إلي هزيمة ١٩٦٧ المخزية التي أخرتنا مائة سنة إلي الوراء،
صحيح أن السادات كان نائبًا لعبد الناصر، وأنه لم يصل إلي الرئاسة إلا بفضل هذه الصفة، وصحيح أنه في الأيام الأولي كان مجردًا من القوي التي تركزت في ورثة عبد الناصر ــ كان الجيش والداخلية والإعلام ــ والاتحاد الاشتراكي في يدهم ــ فلم يستطع أن يفعل شيئاً، بل لقد انحني أمام تمثال عبد الناصر بمجلس الشعب وأكد أنه سيسير علي خطاه.
كان السادات يعلم تمامًا كل أخطاء ونزوات عبد الناصر، ومع هذا فإنه وضع صوته في جيب عبد الناصر لأنه فهمه وعرف العنصر المسيطر عليه، وكان في أعماق نفسه يتمني التغيير ويؤمن به، ومع أنه في بداية عهده كان مجردًا من القوة، فإنه استطاع خلال شهور قليلة أن يسيطر علي الموقف وأن يوقع بالمجموعة الناصرية المغرورة، ما أطلق عليه ثورة مايو، وكان يمكن أن تكون ثورة لو أعقبها اعتراف كامل بأخطاء الناصرية، واعتذار عن موقفه، والإعلان عن بدء عهد جديد، عهد تغلق فيه المعتقلات وتعلن الحريات.
الشيء الوحيد الذي منعه من هذا هو أنه كان مثل عبد الناصر مجنوناً بالسلطة، وليس عنده استعداد للتنازل عنها، وبالتالي فإنه أضاع الفرصة الثمينة التي كان يمكن أن تبدأ عهدًا جديدًا، وكانت ستحول ما حدث في مايو إلي ثورة، وليس إلي ديكور جديد للعهد القديم.
(٨)
وفي تاريخنا الإسلامي القديم مثال باهر هو ما فعله عمر بن العزيز الذي تولي الخلافة بعهد من سليمان بن عبد الملك.
كان أول شيء عمله عمر أن أحل الناس من بيعته تلك التي أخذت منهم دون مشورة أو رضا، وإنما جرياً علي سياسة التوريث.
قال لهم إنه «ابتلي» بهذا الأمر دون رغبة أو طلب منه، ودون ترشيح منهم، وهو يحلهم من هذه البيعة ويدعهم أحراراً.
ارتفعت صيحاتهم «رضينا بك رضينا بك».
كان عمر بن العزيز مخلصا ًفبدأ بنفسه وقد كان مترفاً ثرياً فتنازل عن كل شيء ولم يبق إلا ما يكفل له الكفاف ورفض أن يأخذ شيئاً من بيت المال فلما قيل له إن أبا بكر وعمر أخذا عطاءً من بيت المال قال إنهما كانا في حاجة ولكنه لديه ما يكفيه.
ثم عمد إلي زوجته فاطمة بنت عبد الملك وكان لديها ثروة كبيرة من الجواهر والمتاع والأرض فخيرها ما بينه وبين هذه الثروة، فإذا آثرته فعليها أن تتنازل لبيت مال المسلمين عن كل ما لديها، وقبلت فاطمة ذلك وأصبح بيتها كوخاً بعد أن كان قصراً وزارتها امرأة كانت تريد أن تقابل الخليفة لتسترفده فهالها أن تري فاطمة وبين يديها صوف تعده للغزل فقالت: جئت لأغني بيتي الخراب فرأيت بيتكم أشد خراباً فقالت لها إن الذي أخرب بيتي هو الذي عمر بيوت الآخرين.
وكانت معركته مع الأرستقراطية الأموية شرسة فقد كان يري أن كل ما لديهم إنما استحوذوا عليه بالباطل فأخذ يجردهم منه شيئاً فشيئاً، وعين لتصفية هذه الثروات «غيلان» وهو أحد كبار المعتزلة وتولي هذه المهمة وأخذ ينادي الناس «تعالوا إلي متاع الظلمة، تعالوا إلي متاع من خلف رسول الله في أمته بغير سنته وسيرته».
وكان موقف عمر بن عبد العزيز من المعارضين مثالاً للسياسة التي انتهجها مع المخالفين لقد كان هو الوحيد الذي استأنس الخوارج الشراة الذين كانوا رموزاً للثورة التي لا تعرف حداً، وهزموا الحجاج حتي فر من «غزالة» زوجة شبيب الحروري عندما دخلت الكوفة علي رأس جيشها ،
وكتب إلي أحد زعمائهم «بلغني أنك خرجت غضباً لله ولنبيه ولست أولي بذلك مني فهلم ناظرني فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس وإن كان الحق في يدك نظرنا في أمرنا» وقام بالفعل بالمناظرة بأسلوب جعل الخارجي الشرس يسلم له القياد وكان يمكن ككل الحكام أن يرسل له جيشاً فيضحي بمئات و ألوف المسلمين حتي لو انتصر ، ولكنه الحق، الحق الذي هو أعظم من القوة ويستطيع من يؤمن به أن يغلب أقوي الأقوياء.
هذه هي «المكاشفة» و«المصارحة» التي يريدها الشعب من قادته والتي تعد هي البداية لأن الجرح لا يمكن أن يرم علي فساد، ولأن ما بني علي باطل لابد وأن يكون باطلاً، فإذا كان لديكم يا حكام العرب استعداد للمكاشفة والمصارحة فسيكون هذا أول الإصلاح حقاً، وإلا فسيكون لشعوبكم معكم شأن آخر فإذا عجزت فسيجري الله مقاصة التاريخ التي تخلص شعوبكم منكم «وَتِلْكَ الأَيامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ».
ختام الكلام:
سيادة الجنرال بشار بيوكانيت قائد الجيش التركي: ما هو الفرق بينكم عندما ترون أن دخول محجبة القصر الجمهوري انتهاك للعلمانية وبين شيوخ الوهابية الذين يرون أن الحجاب من فرائض الإسلام؟
العلمانية والإسلام أعظم من الحجاب ولا علاقة لهما به، فأوقفوا هذا السخف. |